العنوان ماذا يُضْمَر لرجال الدعوة في الكويت؟
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يناير-1985
مشاهدات 58
نشر في العدد 699
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 08-يناير-1985
* لم تعهد الكويت ولا أهلها السخرية والتهكم بالإسلام.. كما لم يكن قط- عند الكويتيين- فصل بين احترام الإسلام واحترام دعاته وعلمائه ووعاظه.. وما تشهده الكويت في السنين الأخيرة من هجوم مبطن ومعلن على الإسلام ودعاته إنما هو أسلوب دخيل مستورد على الكويت.. جاء بمجيء سيئة الذكر «العلمانية» ومارسه «العلمانيون» على مختلف أيدولوجياتهم.. وأول ما استخدم- بالتحديد- عند مجيء «بريطانيا المستعمرة» أرض الكويت وعند اتصالها بالبعض.
والشعب الكويت- كبقية الشعوب الإسلامية- يعتبر علماء الإسلام ودعاته ذخر المجتمع ومتراس الأمة يتترسون فيهم عند الملمات.. فهم الناهون عن المنكر إذا انحرف السلاطين.. ومنهم تترجم الشجاعة الأدبية.. وهم الصداعون بالحق إذا صمت الجميع.. وهم الداعون إلى الجهاد إذا وطئ الأجنبي أرضًا إسلامية.. وهم معلمو الشهادة في سبيل الله.. وما يزال الكويتيون يعتبرون الذي يقول «لا» حين يجبن الناس هم دعاة الإسلام وعلماؤه.
* فلا يزال الجميع يذكرون مواقف الشيخ أحمد الفارسي رحمه الله، التي امتازت بالجرأة والشجاعة وعدم اكتراثه بالحياة مقابل صدعه بالحق..
كما لا يزال الكويتيون يفخرون برفضهم مساعدة المستعمر البريطاني الأجنبي في اقتحام البصرة متبعين بذلك دعوة الشيخين الفاضلين- رحمهما الله- أحمد الشنقيطي وحافظ وهبة.. وما زالوا يذكرون بوفاء البلاء الذي تعرض له الشيخ الشنقيطي من جراء الملاحقة والاضطهاد الانتقامي البريطاني.. وكانت معارضة المصالح البريطانية خلال هذا الموقف تعتبر أول موقف حضاري يقفه الشعب الكويتي مستندًا إلى مبدأ فكري إسلامي عربي.
كما لا يزال الكويتيون يعتزون بجهود الشيخ الفاضل عبد الله بن خلف الدحيان رحمه الله، في الإصلاح الاجتماعي وفي الإصرار على فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية.. وقد عبر الشعب الكويتي عن هذا الاعتزاز بخروجه بأكمله في جنازة الشيخ رحمه الله.. ولم يفعلها لأحد من قبله قط من غير علماء الدين.
كما أننا ما زلنا نحن أبناء هذا الجيل من أهل الكويت نفخر باعتزاز بجهود رجال المدرسة الإصلاحية في الكويت كالشيخ يوسف بن عيسى القناعي والشيخ عبد العزيز الرشيد.. فلقد أثمرت جهودهم بتراث أدبي وفكري وإسلامي جيد.. والأكثر من هذا كان لجهودهم السياسية الفضل الأكبر في ترسيخ مبدأي الشورى والمشاركة الشعبية في الحكم والتي أثمرت في النهاية حياة دستورية يتمتع بها جيل اليوم.
ولم يغب عن أرض الكويت عالم أو داعٍ إلى الله إلا في الفترة التي أثمرت فيها المحاولات البريطانية بزرع العلمانية بين بعض أبناء الكويت.. وحينما نجحت في تمكينهم من إدارة دفة الرأي العام الكويتي.
ويوم أن بدأت الدعوة للعلمانية وأيدولوجياتها وشرعت الفئات المعنية بعملية غسل الدماغ للمواطن الكويتي، وتشكيل الرأي العام بصورة تنبذ كل شأن ديني.. يومها فقدت الكويت خاصية من أهم خصائص مجتمعها الخير.. ويومها اختل توازن المجتمع عندما طفحت على السطح فئات تتنكر لماضي أجدادها وتعتبره رجعية وعارًا.
وفي فترة الخمسينيات والستينيات ومطلع السبعينيات ظلت مساجد الكويت خاوية من العلماء الربانيين من أمثال ابن دحيان والفارسي والقناعي.. اللهم إلا بقية من أهل الخير والفقه والورع.. والعالم الرباني عبد الرحمن الدوسري صاحب تفسير القرآن والذي كان لخطبه الأثر الكبير في منع الخمر في الستينيات والاختلاط وإبراز الجانب الإسلامي للقضية الفلسطينية وكشف عورات الماسونية المتآمرة.
* وفي مطلع السبعينيات قدم الكويت علماء ووعاظ من الدول العربية برز بينهم فضيلة الشيخ حسن طنون حفظه الله وعافاه «من السودان».. وتميز الشيخ طنون بحضوره الجماهيري وشعبيته الواسعة.. حيث كان أهل الكويت يتنقلون من مسجد إلى مسجد لسماع مواعظه وخطبه.. وكان لجهوده دور كبير- في البداية- في إنعاش الحس الإسلامي وتكريس الوعي الإسلامي في الشعب الكويتي المسلم.. وحينها لم يسلم الشيخ طنون من أذى العلمانيين الذين كانوا يحاربون بروز أي داعية مسلم بين الجمهور الكويتي.
وبعد ذلك برز الشيخ حسن أيوب حفظه الله ورعاه «من مصر» وبدأت الجماهير الكويتية تزحف إلى المساجد التي يلقي فيها دروسه.. وتميز الشيخ حسن أيوب بدروسه العلمية المنظمة التي كانت ترتفع برجل الشارع العادي إلى مستوى الوعي الإسلامي.. وله الفضل الأول في إنشاء لجان الزكاة الخيرية والتي أدت خدمات جليلة للمحتاجين من ساكني الكويت.. كما أن له فضلًا كبيرًا في إقبال الشباب الكويتي المثقف على الكتاب الإسلامي وذلك لأسلوبه الموضوعي الرفيع.. ولم يسلم كذلك الشيخ أيوب من الضغوط والمضايقات العلمانية والتي دفعت به لإنهاء إقامته من الكويت حفظًا لكرامته وماء وجهه.
* وفي منتصف السبعينيات اعتلى منبر مسجد العلبان الشيخ طايس الجميلي حفظه الله «من العراق» في وقت ازدهر فيه الوعي الإسلامي بين الشباب الكويتي ورجاله.. واشتهر الشيخ طايس بخطبه ومواعظه التي كانت تعالج الخبر اليومي بصورة جلية وصريحة تصدع بالحق.. ويعتبر بحق صاحب مدرسة في الوعظ في تاريخ الكويت الحديث.. إذ كل من جاء بعده من جيل الوعاظ الجدد سار على منواله.. واستطاع الشيخ طايس أن يستقطب جماهير غفيرة من الشباب والشيوخ الذين كانوا يشيدون بصدعه بالحق في مجالسهم ودواوينهم.. وساعده في ذلك طول إقامته في الكويت وقربه من الكويتيين وأرحامه التي بينهم.. ولعل معالجة الشيخ طايس للخبر اليومي بصراحته القوية أثارت عليه الأقلام العلمانية بصورة حادة وحرضت عليه لإزالته من منبره أو تقيد صراحته.. وتلقى من جراء ذلك تهديدات كثيرة انتهت بتحديد حريته في الخطابة بشكل رسمي.. آثر بعدها اعتزال الخطابة ما دامت مفرغة من الصدع بالحق.. وكان ذلك في نهاية عام 1979.. وانهالت الرسائل يومها على مجلة المجتمع تطالب السلطات بالكف عن مضايقة الخطباء والوعاظ.
* وفي المنتصف الثاني من السبعينيات تولى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الحاج الفاضل يوسف الحجي حفظه الله.. وقد كان يوسف الحجي من رعيل الكويت القديم الذي عاش فترات تعلق الجماهير بدعاة الإسلام ووعاظه أمثال ابن دحيان والقناعي وغيرهم وكان أمله أن يخرج من أهل الكويت من جديد أمثال أولئك الصالحين.. ولعل أبرز عمل قام به هو أن شجع الشباب الكويتي على اعتلاء المنابر والتصدي لمهمة الوعظ والإرشاد.. ولعل هذه الخدمة التي قدمها للشعب الكويتي ستظل صفحة منيرة من صفحاته في تاريخ الكويت.. وشهدت الكويت منذ ذلك التاريخ حتى اليوم مجموعة من خطباء المساجد من الكويتيين الذين تخرجوا من مدرسة الشيخ طايس والشيخ أيوب في الخطابة.. ولعل من أبرز هؤلاء كان الشيخ أحمد القطان.
والشيخ أحمد القطان من أسرة كويتية متدينة.. أنجبت عالمًا من علماء الكويت المعروفين وهو الشيخ محمد القطان رحمه الله، أحد مشايخ المذهب الشافعي في الكويت والذي تحدث عنه الشيخ عبد العزيز الرشيد في تاريخه.. ولعل هذه الأسرة المتدينة أبت إلا أن تشارك في تاريخ الكويت وتنجب واعظًا آخر من سلالتها الكريمة.
وقد بدأ الشيخ القطان طريق الخطابة والوعظ في الجهراء بمسجد البسام.. ثم انتقل إلى مسجد الدوحة وظل به زهاء عامين أو أكثر كان الناس يزحفون إليه من المحافظات المختلفة لسماع خطبه في الدوحة.. وبعد فترة طويلة انتقل بعدها الشيخ إلى مسجد العلبان في كيفان ليعتلي المنبر الذي اعتلاه من قبله الشيخ طايس.. ولأن هذا المسجد يقع في قلب الكويت الحديثة أصبحت ظاهرة انتشار سيارات المصلين الواقفة حول المسجد ظاهرة ملحوظة لفتت أنظار كثير من زوار الكويت.. وترجمت الإقبال منقطع النظير على سماع خطب الشيخ القطان؛ مما دفع الوزارة بنصحه للانتقال إلى مسجد أوسع من مسجد العلبان، فانتقل إلى مسجد المزيني بالسالمية والذي لم يتسع كذلك لرواد المسجد من الراغبين في سماع مواعظ الشيخ.
لقد تميز الشيخ القطان- المتأثر بالشيخ أيوب والشيخ طايس- بسعة جمهوره وانتشار صيته في العالم العربي والإسلامي وكثرة تداول خطبه.. كما ضربت أشرطة خطبه رقمًا قياسيًّا في مبيعات الأشرطة الدينية.. كما اشتهر بتعلق جمهوره به واحترام الناس له حتى العجائز في بيوتهن كن يحرصن على سماع خطبه.
ومع انحصار المد العلماني وسقوط الرموز العلمانية في الأوساط الشعبية شعر العلمانيون بأن دفة الرأي العام لم تعد تحت طوعهم بصورة مطلقة كما كان الأمر قبل ذلك.. ولم يعد مجرد السيطرة على أجهزة الإعلام المختلفة وسيلة مضمونة لحماية العلمانية وتحجيم الفكر الإسلامي.. ولقد أكد هذه النتائج السقوط المستمر للعلمانيين في الاستفتاءات الشعبية كالجامعة ومجلس الأمة والمجلس البلدي.
* وفي النهاية.. لا نظن أن دعاة العلمانية سيسكتون.. بل سوف يستخدمون كل السبل غير الشرعية وغير القانونية وغير الشريفة للنيل من دعاة الإسلام ومن علمائه ووعاظه.. ونأمل أن يجدوا من يردعهم ويوقفهم عند حدهم ما دام الإسلام يحارب كل نفوذ أجنبي ومصالح أجنبية.. وإن ربك لبالمرصاد ضد من قال فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ صدق الله العظيم. (إبراهيم: 3).