العنوان ماذا يقول حسن حنفي عن نفسه وعن فكره؟ ورثنا إيمان المسلم عبر التاريخ ... لذلك فإن إيماني يكفرني!
الكاتب سعيد بن ناصر الغامدي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997
مشاهدات 68
نشر في العدد 1254
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 17-يونيو-1997
أنا ماركسي.. ومنهجي وضعي
الوحي افتراض... الوحي مجاز وكل لغتنا مجاز
على هذه الصفحات الست تعالج المجتمع قضيتين فكريتين مهمتين الأولى تتعلق بما أثير عن موقف د. حسن حنفي وكتاباته المناهضة للإيمان، وحسن حنفي حاضر هنا عبر كلامه الذي نُشر على لسانه في كتاب الإسلام والحداثة، ويعرض له ويفند آراءه سعيد بن ناصر الغامدي لنرى إن كان يجوز أن يقال عن حسن حنفي أنه أحد المفكرين الإسلاميين المستنيرين!
أما القضية الثانية فتتناول موقف الحركة الإسلامية في العالم عمومًا وفي فلسطين خصوصًا من التسوية في الشرق الأوسط وبخاصة بعد مدريد وأوسلو، القضية أثارها مقال نقدي لجميل حمامي الذي كان نشاطًا إسلاميًّا بارزًا في زمن الانتفاضة، ثم اختار موقعًا قريبًا من السلطة الفلسطينية، بل شارك في مؤتمر كوبنهاجن للتطبيع، وقد قرأ عاطف الجولاني، رئيس تحرير صحيفة السبيل، الأردنية المقال وعلق عليه.
يدور في الساحة الصحافية كلام متشاكس حول حسن حنفي وموقفه من دين الإسلام إثر كلام من أحد الغيورين بين فيه بعض مناقضات حسن حنفي للدين الإسلامي، فهاجت خماسين، الصحافة العلمانية وترافع أشباهه عنه في محكمة هم قضاتها وشهودها، وهذا أمر معهود ومعروف وقد بينه القرآن في آية واحدة في سورة التوبة تصف هذه الفئة بأن بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، أجلبوا بعباراتهم المعهودة حرية الفكر الإرهاب الفكري، إدخال الدين في القضايا الفكرية، التعصب إلى آخر ما في القاموس العلماني من شتائم باسم الثقافة، ودعاوى مجردة من الدليل باسم الحرية والفكر.
ولو أن الأمر على بشاعته توقف عند هذا الحد لكان أهون، ولكنه تجاوز الحدود الشرعية والعقلية حين صدرت التزكية من شيخ الأزهر سيد طنطاوي الذي قال بأنه لم يعلم عن حسن حنفي إلا كل خيرًا، فإما أن شيخ الأزهر لا يعرف ما قاله حسن حنفي عن الإسلام فهذه التركية باطلة لأنها مبنية على جهل، ومن المعلوم عند شيخ الأزهر أن التزكية شهادة، وفي الأثر على مثل هذه فاشهد، وأشار إلى الشمس.
وإما أنه يعرف ما قاله وما كتبه عن الإسلام ثم زكاه بعد ذلك وشهد له، فهذه أعظم وأخطر، ولكيلا يبقى القول على عواهنه والمقال بلا شواهده أنقل هنا جملة من الأقوال لحسن حنفي تدل على موقفه من عقيدة الإسلام وأركان الإيمان فيه.
يربط حسن حنفي بين التحرر الذي ينادي به، والتقدم الذي يزعمه ويدعيه ونفي ربوبية الله تعالى وجحد كونه خالقًا لهذا الكون معتمدًا في ذلك على فلسفة مادية تقوم -حسب زعمه- على إبعاد الثنائية عن العالم والإنسان، وإزاحة مفهوم أن الكون ينقسم إلى خالق ومخلوق، فيقول: إن العالم مقسوم إلى قسمين: الله والعالم، فينعكس ذلك حتمًا على المجتمع، على السلطان، على الحاكم والمحكوم، وسينعكس في الأسرة على الرجل والمرأة، والسؤال الموجه لك هو أن هناك ثلاث اختيارات، اختيار حركة تحرير المرأة في البداية لتحرير المرأة من الرجل، وهناك المثقف العلمان الذي يبدأ بتغيير النظام السياسي، وهناك الذي يحاول تثوير الدين، ما لم نقض على هذا التصور الثنائي للعالم، ورؤية العالم بين حاكم ومحكوم وعلى المستوى الديني بين خالق ومخلوق، تستطيع حركات تحرير المرأة أن تفعل شيئًا، و يستطيع المثقف العلماني أن يؤدي دوره ما لم نقض على هذا التصور، هذا هو السؤال في التغيير، الإسلام والحداثة ص ۳۷۸ – ۳۸۸.
فهو يطالب بالقضاء على عقيدة ربوبية الله تعالى، ويجعل ذلك أساسًا أوليًا لآليات التغير العلماني، ويؤكد أنه لا مجال للتحرر والعلمانية بإبطال العقيدة المثبتة لربوبية الله أو ما يسم الثنائية التي تقسم العالم إلى خالق ومخلوق، وغير مستغرب من رجل يعترف بأنه مادي لا يؤمن بما في حدود الحس والمادة والتحليل، ويعترف أنه مفكر وضعي وأنه ماركسي، قال ذلك في معرض رده على أحد المناقشين له في ندوة الإسلام والحداثة التي عقدتها مجلة مواقف ودار الساقي في لندن عام ۱۹۸۹م، حين خشي هذا المناقش العلماني على حسن حنفي أن يكون مؤمنًا، بسبب بعض العبارات الضبابية التي قالها عن الوحي، فأجاب حسن حنفي، نحن قد ورثنا إيمان المسلم عبر التاريخ فأنت تعني الإيمان السلفي التاريخي والمتوارث عبر التاريخ، وهو الشيء الذي تخافه علي، لذلك فإن إيماني يكفرني، كما أنه يكفرك أيضًا، وبالتالي، فإن القضية بالنسبة لنا هي التحدي: كيف نتعامل مع هذا الإيمان التاريخي ونثبت له بأنه لا يمثل كل الإيمان لكنه شيء حدث في التاريخ وكانت له أسبابه وظروفه إلى أن يقول لذلك تجدني أركز على المعتزلة وأصحاب الطبائع وابن رشد وأصول الفقه حتى أغذي الإحساس بالواقع والفعل وبالطبيعة للناس، وحتى لا يكون السلفي بالرغم من ثقله التاريخي على مدى ألف عام هو الإيمان الوحيد الموجود، وفي رأيي أن هذا هو التحدي الكبير، لن نستطيع أن نتقدم بالمجتمع طالما أن وعينا القومي مشكل من ألف سنة من الإيمان، الذي نسميه الإيمان السلفي -إلى أن يقول ونحن منذ فجر النهضة العربية الحديثة وحتى الآن نحاول أن نخرج من الإيمان السلفي، إلا أنهم أطول باعًا في التاريخ منا وأكثر رسوخًا ووراءهم تراث حضاري ضخم ونحن الأقلية، كيف نستطيع أن نحجم هذا الأخطبوط الكبير ثم يضيف: أعتقد أن الإخوة العلمانيين يستعجلون التقدم، إنهم يريدونه إيجابيًا فقط، وأنا أريد أولًا أن أمنع عوائق التقدم، أي أعمل للتقدم سلبًا إذا جاز التعبير، فإذا ما استطعت ذلك، عندئذ أسلم المجتمع العربي إلى الإخوة العلمانيين لكي يبنوه إيجابًا، ومن ثم فأنا مقدم لهم، أنا ماركسي شاب، وهم ماركسيون شيوخ، وهذا تقسيم للأدوار العمل، الإسلام والحداثة ص ۲۱۷ – ۲۱۸.
وبعد استطراد عن الوحي يقول: وفيما يتعلق بمضمون الوحي وحادث الوحي، فكما بينت لكم انا مفكر وضعي، أقصد أنا وضعي منهجي ولست وضعيًّا مذهبيًّا، إن كل ما يخرج عن نطاق الحس والمادة والتحليل أضعه بين قوسين إلى أن يقول -أما الوحي بالنسبة لي فإنني آخذه على سبيل الافتراض، أنا في رأيي الوحي هو افتراض في البحث العلمي، يقوم بدور الافتراض في البحث العلمي فهل يتحقق والتحقق من الصدق، أقصد التحقق تجريبيًا صرفًا وليس صوريًا، لا اتفاق نتائج مع مقدمات، ولكن التحقق من صحة هذا الفرض في الواقع الاجتماعي، الإسلام والحداثة ٢١٩ - ٢٢٠.
إن هذه النصوص كافية، فهو يعترف صراحة بأن إيمانه يكفره وأنه ماركسي ووضعي، ومن أشنع أقواله المناقضة للمعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبوله تحت عنوان تداخل كلام الله وكلام البشر في سياق حديثه عن الوحي والقرآن قال: يظن الكثيرون أن كلام الله وكلام البشر نقيضان هذا وحي يوحى وهذا صنع بشري، وكان الإيمان يتحدد بقدر إثبات هذا التعارض، نفي البشرية عن كلام الله ونفي الإلهية عن كلام الإنسان -إلى أن قال- والحقيقة غير ذلك فقد تداخل كلام الله وكلام البشر في أصل الوحي في القرآن، الإسلام والحداثة ۱۳٨.
ومن هذا القبيل أيضًا قوله: كل الوحي مجاز وكل لغتنا مجاز، وكل كلامنا مجازه، الإسلام والحداثة ص ٢٢٣.
ولئن سأل سائل من أين لحسن حنفي هذه العقائد الملتاثة، فإن الجواب يأتي منه مباشرة حيث يقول: لا تطالبني بأن أبحث في مقدمات النظرية التي تستهلكني، وأنا أنسى قليلًا الممارسات العملية، وأنا هنا ماركسي أكثر من الماركسيين، إن الحزب البروليتاري هو الوريث الوحيد للأفكار، الإسلام والحداثة ٢٢١.
ومع اعترافه بالانتماء للماركسية إلا أنه أيضًا من تلامذة واتباع سبينوزاء اليهودي البرتغالي الذي تدرج حتى وصل إلى درجة الحاخام، وهو صاحب النظريات التشكيكية في الدين الوحي، والقائل بخلود المادة وإنكار خلق المخلوقات من عدم، ومن كتبه المترعة بهذه الخرافات المادية كتابه الذي سماه الرسالة اللاهوتية السياسية، وفيه وضع أسس المنهج التاريخي لدراسة محتوى نص الوحي الذي يرى أنه يتراوح بين التاريخية والأسطورية، ويدعو إلى التحرر من سلطة الأسطورة أي الوحي، والثورة على حتمية الحقيقة في الوحي.
وقد تأثر بهذا الكتاب حسن حنفي وقام بترجمته تحت عنوان رسالة في اللاهوت والسياسة.
يقول مؤلف كتاب الموسوعة الفلسفية ولا شك أن سبينوزا كان يهوديًّا حتى النخاع، وأن مذهبه كان رؤيا فلسفية للتلمود، وجاء على خطى التراث اليهودي، ص ٢٣٧.
ومن تأثيرات سبينوزا على حسن حنفي قوله عن الوحي: إن النص يتراوح بين قطبين الأسطورة من ناحية والتاريخ من ناحية، فإما أن يذهب النص إلى الأسطورة، وفي هذا تذهب التاريخية، وإما أن يذهب إلى التاريخ وبالتالي نبتعد عن الأسطورة، وهذا يعني طبعًا أنه كلما كان النص أقرب إلى التاريخية يبدأ العلم هنا، ويبدأ النقد كنموذج له حسن والمعتزلة، وإما أن يبتعد النص عن التاريخ ووقع في الأسطورة فهنا عكس البداية الأولى، وكان التاريخ وبالتالي النص هو باستمرار جدل بين الخير والشر، بين الوهم والعقل بين الخير والواقع، الإسلام والحداثة ٢٧٦.
فهو يكرر هذا قول أستاذه اليهودي سبينوزاء ويخضع الوحي المعصوم لأحد هذين القرارين:
١- التاريخية، التي تعني النظر إلى كل موضوع معرفي على أنه نتاج حاضر ناشئ عن التطور التاريخي، والموضوع هنا هو الوحي عامة والقرآن خاصة
2- الأسطورية، والتي تعني تكذيب الوحي ونسبته إلى الوهم والخرافة، وفي هذه المزاعم ما يدل صراحة على محاولة هدم الوحي وتحطيم حرمته وقداسته وإبطال أثره، وإبعاد مقتضياته.
إنها باختصار حرب شاملة للإسلام وأهله مرة بالتكذيب الجلي، ومرة بالتهكم، وأخرى بالزراية، وأخرى باسم البحث العلمي أو الأدبي أو الفلسفي، حيث لا علم ولا أدب ولا فلسفة، وبذلك يكون الغرب قد نال من المسلمين بهذه الأدوات البشرية التي تسمى: طه حسين، ونصر أبو زيد وحسن حنفي، وأشباهها من الأدوات التي احترفت التدمير والخراب تحت صباح دعائي، وشعارات تسويقية من حروف الدال الممنوحة من السوريون وأشباهه، وعبارات العقلانية والعلمية والأدبية والنقدية وغير ذلك من وسائل ترويج هذه الأدوات البشرية المربوطة بخيوط ظاهرة أو خفية بالغرب.
ولو كانوا صادقين في مزاعمهم أنهم أحرار مفكرون لما كانوا في حضيض التقليد والمحاكاة يعمهون، إذ التقليد والاحتذاء يسقط الثقة بمن يدعي حرية الفكر، لأن الحرية لا تأتي بتقليد الآخرين والنسج على منوالهم، فهذه عبودية وتبعية، والمقلد قد نزع نفسه من بنيان أمته وحضارتها وتاريخها تحت دعاوى التحرر، وغرس نفسه في وحول الأمم الأخرى المعادية لأمته تاريخيًّا وواقعيًّا، وجرى في مجراهم يكرر ما يقولون ويترجم ما يكتبون.
هذا بعض ما لدى حسن حنفي من كتاب واحد كان هو أحد المشاركين فيه، فضلًا عما في كتبه الأخرى مثل قضايا معاصرة والتراث والتجديد ودراسات إسلامية، ومن العقيدة إلى الثورة والدين والثورة ودراسات فلسفية ويكفيك من شر سماعه
قال أبو العلاء المعري:
دعهم فكم قُطِعَت رقابُهم جدمًا ولم يشعروا ولا أبهوا
قد مزجوا بالنفاق فامتزجوا والتبسوا في العيان واشتبهوا
وما لأقوالهم إذا كُشفت حقائق بل جميعها شبه.