; ماذا يريد العم سام حقيقة؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا يريد العم سام حقيقة؟

الكاتب عبدالحميد الغزالي

تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2001

مشاهدات 62

نشر في العدد 1476

نشر في الصفحة 36

السبت 10-نوفمبر-2001

عنوان هذه السطور هو نفسه عنوان كتاب للمفكر الأمريكي «ناعوم شومسكي»، أكد فيه ازدواجية السياسة الأمريكية داخلياً وخارجياً، بمعنى أن السياسة المعلنة في الداخل - والخارج . أي في بقية دول العالم وبالذات العالم النامي، أو ما تسميه الإدارة الأمريكية - بالمجال الحيوي لأمريكا . تختلف جذريًا عن السياسة الحقيقية غير المعلنة والمطبقة فعلًا - في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن ثم فهي بحق مثل واضح وكامل للمكيافيلية الحديثة.

 ولهذا اخترت عنوان هذا الكتاب عنواناً لهذه السطور، وإن كنت أضيف إليه بعض الكلمات الأخرى، فأقول: ماذا يريد العم سام من هذه الحرب المسماة بـ«حرب القرن» حقيقة؟

 فالمعلن عن هذه الحرب العجيبة الغريبة أنها: حرب ضد «الإرهاب» حرب غير تقليدية، حرب طويلة غير محددة بفترة زمنية غير محدودة جغرافيًا، أي لا تقتصر على أفغانستان، حرب لیست ضد فرد معين فقط أو تنظيم معين فقط أو حركة معينة فقط، وإنما تمتد ضد أفراد أخر وتنظيمات أخرى، وحركات أخرى، بل ودول أخرى، وإن كانت - كمرحلة أولى - ضد أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة وحركة طالبان ودولة أفغانستان، حرب - كمرحلة ثانية - ضد أكثر من خمسة وعشرين تنظيمًا وأكثر من ستين دولة، حرب معلنة وسرية في الوقت ذاته، حرب جندت لها الجيوش وحشدت الدول في تحالف ضد «الإرهاب»!

قامت هذه الحرب واعتمدت على عدد من المبادئ القيمية أو التحكمية الغريبة، منها:

1- أنه من ليس مع أمريكا فهو مع «الإرهاب»!، دون تعريف محدد للإرهاب، سوى كل عمل يسيء إلى المصالح الأمريكية !

2- إنه صراع بين الخير والنور ممثلين في أمريكا وحلفائها من جانب، والشر والظلام ممثلين في كل من يعمل بالحق أو بالباطل ضد المصالح الأمريكية - بغض النظر عن السياسة الأمريكية!

3- إن اغتيال الأفراد، وغزو الدول أمر مشروع براجماتياً للولايات المتحدة، اكتسب مشروعية دولية ذرائعية - تكاد تكون مغتصبة مادام هؤلاء الأفراد وتلك الدول يهددون - بصورة أو بأخرى - المصالح الأمريكية.

وبالرغم من أن الجميع أفرادًا ودولًا، أدان ويدين قتل الأبرياء كما حدث في انفجارات سبتمبر، وبالرغم من أن الجميع أفرادًا ودولًا أهاب ويهيب بالولايات المتحدة أن تتحلى بالحكمة وضبط النفس وتركن إلى التعقل والتفكير الرشيد، ورغم غضب الشارع الأمريكي والأوروبي حيال هذه الأحداث، وبالرغم من أن التحقيق في الأحداث لم يصل بعد إلى نتائج نهائية ودلائل قطعية الثبوت، وبالرغم من أن الولايات المتحدة بوصفها القوة الكبرى والقطب الأوحد في العالم . حتى الآن - يتعين عليها بهذه الصفة أن تتصرف بمسؤولية أكبر وعقلانية أكبر وعدالة أكبر، بالرغم من ذلك، شنت الحرب بأسلحة دمار رهيبة، ليس ضد ند أو طرف مماثل، ولكن ضد فرد، وتنظيم وحركة، ودولة فقيرة حقًا وفعلًا. 

وهنا نتساءل هل الهدف قتل بن لادن أم هزيمة وسحق تنظيم القاعدة، أم هزيمة وسحق حركة طالبان، أم إبادة وتشريد شعب أفغانستان أم ذلك كله؟ وحتى إذا تحقق ذلك كله، فإنه لا يتطلب من الناحية الفنية العسكرية، ومن الحقائق على أرض الواقع كل هذا الحشد من الجيوش وأسلحة الدمار ، وهنا نتساءل ثانية هل الغرض هو اقتناص الفرصة لوجود عسكري في هذه المنطقة الحساسة من آسيا. قريباً من الصين وروسيا والهند، وقريباً أيضا من دولتين إسلاميتين باكستان وإيران، قد يكون لهما إمكانات نووية أم أن الهدف من الوجود هو السيطرة على ثروات بحر قزوين التعدينية؟ وهل تسارع دول أوروبا واليابان وكندا وغيرها - إلى حد الهرولة - للمشاركة في تشكيل النظام العالمي الجديد بغرض الاستفادة من هذه الفرصة أو الكعكة؟

بكل أمانة، وبالرغم من التهديدات الواضحة . من الجانب الأمريكي - والمصالح الأوضح للمتحالفين علنًا أو سرًا، كما في حالات : الصين (السكوت عما يحدث للمسلمين في تركستان الشرقية ) وروسيا (السكوت عما يحدث في الشيشان) والهند (السكوت عما يحدث في کشمير) والكيان الصهيوني (السكوت بل الدعم لما يحدث في فلسطين )... إلخ، لا يمكن أن يكون كل هذا الحشد من أجل محاربة فرد أو تنظيم أو حركة أو دولة، وإذا كان ذلك كذلك حقيقة، فإنه يشكل بكل المعايير إهانة لا توصف للدولة القطبية الكبرى ذات الترسانة الحربية الرهيبة، كما لا يعتقد الكثير من الخبراء أن هذا الحشد بهدف الوجود العسكري في هذه المنطقة، ففي ظل الأسلحة عابرة القارات لا توجد هناك حاجة ملحة للوجود اللوجستي القريب من الأهداف- على الأقل - خلال المراحل الأولى للمواجهة. 

إذًا ماذا تريد أمريكا؟ هل تريد استعراضًا لقوتها الرهيبة ؟ هل تريد استعادة لهيبتها التي اهتزت بعنف ؟ هل تريد فرضًا نهائيًا لسيطرتها. وضمانًا نهائيًا - من وجهة نظرها - لاستمرار الحفاظ بل تنامي مصالحها الحيوية في العالم ؟ هل تريد إرهابًا حقيقيًا للجميع لتشكيل نظام عالمي جديد، تتحكم فيه منفردة وبلا منازع  لصالحها، ولصالحها فقط ؟ هل تريد أن ترهب العرب والمسلمين، من خلال تلويح البعض في الإدارة الأمريكية وبعض الإدارات الأوروبية بصراع الحضارات والحرب الصليبية – رغم اعتذارهم؟ ربما ما تريده أمريكا هو مزيج من هذا كله.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي على الولايات المتحدة والعالم أجمع، فالقوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية والأمنية لن تقدم مناعة كاملة أو حماية مطلقة لأي مجتمع، وليست بالقطع ضمانًا أكيدًا لأمن الإنسان، والوطن، وأمن العالم، بينما التمسك بقيم الحق والعدل والمساواة والخير والحرية والديمقراطية واحترام حقوق وأدمية الإنسان - أي إنسان - وكرامته هو السياج المنيع الضمان الأمن والأمان للإنسان وللوطن وللعالم كما أن الشراكة وليس الانفراد في إدارة شؤون العالم، وتفعيلًا حقيقيًا لدور المؤسسات الدولية هما صمام الأمان لضمان مستقبل واعد للبشرية جمعاء.

إن الأمن والأمان والمناعة للإنسان وللوطن وللعالم لا تأتي أبدًا بتكديس السلاح وحشد

مظاهر القوة واستخدامها بعنف، ظلمًا وعدوانًا واستكبارًا، وإنما تتوافر هذه البيئة الصحية فقط بإحقاق الحق وإشاعة العدل والنزوع إلى السلام، في إخاء ووئام وحب بعيدًا عن صهيونية مجرمة أو صليبية حاقدة، أو عنف أعمى بعيدًا عن كل تعصب أو عنصرية، في جو حقيقي من الحرية والعدل، مصداقًا لقول الحق تبارك وتعالى ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ﴾ (البقرة"، الآية 256).

وأنه ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة"، الآية 8).

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة، الآية 8).

الرابط المختصر :