العنوان ماذا يدور في عقلية القيادة الفلسطينية؟
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1983
مشاهدات 61
نشر في العدد 613
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 22-مارس-1983
- هاني الحسن: قرارات فاس
نحن صنعناها.
- صلاح خلف: «فاس» خيار
عربي فرض علينا.
ماذا يدور في عقلية القيادة
الفلسطينية؟
أسئلة
كثيرة تشغل بال القيادة الفلسطينية والإنسان الفلسطيني أو العربي، بل كل مسلم في
بقاع الأرض من هذه التساؤلات ما وجدنا الإجابة عليها ومنها ما يزال قائمًا
يحتاج إلى جواب، ولن نراعي في الإجابة على هذه الأسئلة الترتيب والتسلسل كما لن
نقتصر عليها ونسأل الله أن يلهمنا الصواب.
المجلس
الوطني الفلسطيني، الذي تبنى في اجتماعاته الأخيرة بالجزائر قرارات قمة
فاس «الثانية» كان يطارده شبح انهيار قمة فاس الأولى وما نتج عن هذا الانهيار
من مأساة مروعة للمقاومة الفلسطينية في لبنان؛ ولذلك صرح ياسر عرفات لإحدى
المجلات العربية بعد الخروج من بيروت بأن «الذين خربوا قمة فاس الأولى هم
الذين جرونا إلى هذه المأساة في لبنان»، ويبدو أن عرفات كان يقصد سورية
وليبيا اللتين حاولتا أن تهيمنا على القرار الفلسطيني عن طريق السيطرة على بعض
التنظيمات الفلسطينية سواء بالمال أو الإرهاب دون أن تقدما شيئًا يذكر للمقاومة
الفلسطينية أثناء حصارها الرهيب في بيروت؛ ولذلك كان الحرص كل الحرص في
اجتماعات المجلس الوطني الأخيرة على استقلالية القرار الفلسطيني.
اجتمعت
كوادر الثورة الفلسطينية في الجزائر وكان أمامهم مشروعان: مشروع ريغان ومشروع
فاس «الثانية»، وكان هناك تيار داخل المجلس مدفوع من خارج المجلس لرفض
المشروعين دون تقديم البديل العملي المعقول والمقبول، إلا تقسيم البلاد العربية
إلى رجعية خائنة وتقدمية وطنية، هذا التقسيم الذي رفعه ذات يوم عبدالناصر شعارًا
للوصول إلى مآربه.
كان
المطلوب من المجلس أن يرفض مشاريع السلام لا لأنها تعترف ضمنًا بإسرائيل بل لأن
هناك بقية من الفلسطينيين في لبنان لم يذبحوا بعد.. والمطلوب القضاء عليهم
نهائيًا.
وكان
المطلوب أن يرفض مشروع ريغان لا لأنه يتجاهل اعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي
الوحيد للشعب الفلسطيني كما يتجاهل حق تقرير المصير للفلسطينيين وإنما ليؤدي رفضه
إلى انقسام وصراع فلسطيني- عربي، وعربي- عربي، أكثر مما هو قائم تكون
نتيجته مزيدًا من سفك الدماء لصالح أعداء هذه الأمة، وذلك مثلما حدث عندما
رفض الفلسطينيون مشروع روجرز الذي قبله عبدالناصر 1969 فكانت النتيجة تصفية الثورة
الفلسطينية في الأردن 1970. ومثلما حدث أيضًا عندما رفض الفلسطينيون في قطاع غزة-
وبعضهم من قادة الثورة الفلسطينية المعاصرة- «مشروع سيناء»، وهو مشروع أميركي
لتوطين الفلسطينيين في سيناء عام 1955 الذي قبله عبدالناصر فكانت النتيجة اعتقال
مئات الفلسطينيين في القطاع ثم بعد ذلك احتلال اليهود للقطاع وسيناء معًا 1956.
كل
هذه الهواجس- التجارب- دارت في عقل الثورة الفلسطينية وهي تجتمع في
الجزائر، ولذلك كانت قراراتهم المعروفة برفض مشروع ريغان ليس رفضًا
مطلقًا ولا من أجل إسقاطه كما دعا البعض. وإنما لأنه لا يحقق «طموح
الشعب الفلسطيني»، كما وافقوا على قرارات فاس «الثانية»، بل تبنوها
واعتبروها الحد الأدنى الذي يمكن قبوله والذي لا تنازل بعده.
وعلى
حين أن صلاح خلف في خطابه بالمجلس الوطني يقول: «نحن مع «فاس» لأنه خيار عربي فرض
علينا» فإن هاني الحسن في خطابه بجامعة الكويت يوم 12/ 3/ 83 يقول: «قمة فاس
وقراراتها نحن صنعناها، وقد أصبنا تمامًا».
وبغض
النظر عن أن مشروع فاس خيار عربي بمباركة فلسطينية أم هو خيار فلسطيني بمباركة
عربية، فإن ما يهمنا في فاس هو وجهة النظر الفلسطينية وكيف تفسر قراراته.
يقول
صلاح خلف بهذا الصدد: «أنا لا أرى في فاس اعترافًا بإسرائيل ولا يمكن لأحد أن يفرض
علينا الاعتراف بإسرائيل».
ويقول
هاني الحسن بهذا الخصوص: «الفرق بين مشروع فاس «الثاني»، والمبادرة التي
طرحت في قمة فاس الأولى أن المبادرة الأولى تقر بحق جميع دول المنطقة في العيش
بسلام بما في ذلك إسرائيل، بينما مشروع فاس الثاني يطلب من مجلس الأمن العمل على
ضمان السلام لشعوب ودول المنطقة بما فيها الدولة الفلسطينية التي عاصمتها القدس».
ولذلك
فإن صلاح خلف يعتبر قمة فاس «نهاية التنازل الفلسطيني»، بينما يعتبر
هاني الحسن أن «فاس مشروع للنضال السياسي وليس مشروعًا للتفاوض».
ولكن
ما الفرق بين النضال السياسي والتفاوض؟ لعل هاني الحسن يعني أن النضال السياسي
يحمل معنى المواجهة والتصدي والمناورة بينما التفاوض يعني التنازل، إذ لا معنى
للتفاوض بين طرفين إذا لم يكن لدى كل طرف الاستعداد للتنازل عن شيء من مطالبه،
وكلما كان أحد الطرفين أكثر قدرة وأكثر انتصارًا كان أقل تنازلًا. ثم إن
التنازل من أي طرف لابد أن يقابله تنازل من الطرف الآخر يبرره وإلا كان استسلامًا،
ثم إن هناك من الأمور الحيوية ما لا يمكن التنازل عنها طواعية ولا حتى قسرًا،
فالتنازل عن الأوطان أو أجزاء منها للغزاة أمر لا يملكه أي جيل من
الأجيال. وكل توقيع يقر بأن فلسطين أو جزءًا منها ملك لليهود فهو باطل حتى
وإن ضمنته الدول الكبرى.. ففلسطين التي بارك الله حولها لن تكون لغير
المسلمين المؤمنين وأما اليهود الفاسدون المفسدون فهم إلى زوال، وإن الله لهم
دائمًا بالمرصاد فقد أفسدوا في فلسطين أول مرة بقتلهم زكريا عليه السلام -كما يقول
المفسرون- وأفسدوا في المرة الثانية بقتلهم يحيى عليه السلام. ولقد
عاقبهم الله في المرة الأولى بتسليط «بختنصر» عليهم فقتل منهم سبعين
ألفًا. وعاقبهم في المرة الثانية بتسليط الفرس عليهم فقتلوهم وشردوهم ودمروا
مملكتهم. ويتوعدهم الله بقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ (الإسراء: 8)؛ أي
إن عدتم إلى الإفساد عدنا إلى العقاب.
يقول
سيد قطب رحمه الله «في ظلال القرآن»: «ولقد عادوا إلى الإفساد فسلط الله
عليهم المسلمين فأخرجوهم من الجزيرة كلها، ثم عادوا إلى الإفساد فسلط الله عليهم
عبادًا آخرين، حتى كان العصر الحديث فسلط عليهم «هتلر» ولقد عادوا اليوم
إلى الإفساد في صورة «إسرائيل»، وليسلطن الله عليهم من يسومهم سوء
العذاب تصديقًا لوعد الله القاطع. وفاقًا لسنته التي لا تتخلف»: ﴿وَعْدَ
اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ (الروم:6).
نعود
إلى موضوع المقاومة والتفاوض، فهاني الحسن يعتبر نصوص التفاوض واضحة بينما نصوص
النضال غير واضحة فمثلًا: البند السابع من مشروع فاس يقر بوجود دولة لليهود
في فلسطين لكنه لا يعين حدود عام 1948 مثلًا هذا نص للتفاوض.. ولذلك يلخص
هاني الحسن قرارات فاس في هذه العبارة «نعم للنضال، لا للتفاوض» وفي
الحقيقة يظل هذا الكلام مبهمًا. فإذا كانت منظمة التحرير لا تنوي التفاوض مع
اليهود فلماذا تتبنى قرارات فاس «الثانية»؟ والجواب أنها تتبانها للنضال.. النضال
من أجل ماذا؟
يقول
هاني الحسن- وهو المستشار السياسي لياسر عرفات- قررنا مواجهة أميركا ليس
من نقطة المصلحة الفلسطينية بل من نقطة عودتها إلى المنطقة، ولذلك قررنا
تبني «فاس». والحديث عن فلسطين في هذه المرحلة في نظره لم يعد حديثًا عن
إعادة ما ضاع وإنما الحفاظ على ما لم يضع بعد. ثم يضيف: في السياسية حق
وفي السياسة استحقاق، أما الحق فهو مطلق باق لا يضيع وأما الاستحقاق فيكون
بمقدار التضحية ولذلك- في نظر هاني الحسن- فلا خوف على القضية ولكن
الخوف على المرحلة، في المرحلة التاريخية يكون هناك صراع، فيحتدم، فيتنامى ثم يصل
إلى مرحلة الحسم، ثم يعقب ذلك هدوء يفرضه المنتصر إلى حين تبدأ مرحلة أخرى، فلكل
مرحلة من المراحل غالب ومغلوب. ثم يقول: «ومعركة بيروت هي معركة الحسم ما قبل
الأخيرة، وكنا نود أن تكون الأخيرة».
فالثورة
الفلسطينية تعمل في هذه المرحلة ليس لتحرير فلسطين وإنما لإيقاف ابتلاع الأراضي
وطرد السكان والتوسع الإسرائيلي، أما التحرير فهو مؤجل لمرحلة قادمة ولا خوف عليه
باعتباره حقًا لا يضيع، أما ما نستحقه الآن فهو الذي في قدرتنا وفي استطاعتنا فإذا
استطعنا في هذه المرحلة أن نوقف عودة أميركا إلى المنطقة وأن نوقف التوسع
الإسرائيلي وأن نعيد إسرائيل إلى حدود عام 1967 وأن نقيم لنا دولة في الضفة
والقطاع وأن ننشئ جبهة شرقية متماسكة وقوية فإننا نكون قد حققنا النصر في هذه
المرحلة ونحن نناضل الآن من أجل ذلك، إذ إننا لابد أن نجني ثمار ما
زرعنا «ومجرم من يزرع ولا يحصد» فنحن لا نقاتل من أجل القتال ولقد قدمنا
تضحيات كثيرة ولقد آن الأوان لنحصل على شيء سياسي مقابل هذه الدماء التي
أريقت. ونحن «لن نتفاوض مع أحد إذا كان المسدس مصوبًا إلى رؤوسنا».
ولعل
الثورة الفلسطينية في هذه المرحلة لا تريد أن تسير عكس التيار السياسي السائد
ولكنها تريد أن تتعامل مع هذا التيار بما يحقق لها شيئًا. فلا داعي لمواجهة
فلسطينية عربية جديدة تستهدف البقية الباقية من ذراع الثورة العسكري الجريح ومن
وضعها السياسي المستهدف بالتطويع إذا كان في الإمكان الحصول على شيء للفلسطينيين
من مشروع فاس ومشروع ريغان، وإذا لم يمكن الحصول على شيء فهل في الإمكان تحقيق
المواجهة بين أصحاب المشروع الأول وأصحاب المشروع الثاني؟
لا
شكّ أن السير في هذا الطريق يعتبر مغامرة غير محمودة العواقب؛ إذ إن رهان السياسية
العربية أو تنامي المعارضة داخل إسرائيل، أو دعم الاتحاد السوفييتي، أو تشكيل جبهة
شرقية قوية.. كل هذه المراهنات في ظل هذه الأيديولوجيات السائدة في الوطن
العربي وفي إسرائيل وفي أميركا لا تبشر بإمكانية الحصول على شيء ذي بال، بل بالعكس
فإن كل الشواهد والحقائق التي نراها ونسمعها تشير إلى أن هناك مؤامرة دولية لا
تستهدف كيان هذه الأمة وأرضها فحسب، بل عقيدتها أيضًا.
والعلاقة
بين الأمة والعقيدة علاقة الجسد بالروح، فلا حياة لأمة بلا عقيدة ولا وجود لعقيدة
بلا أمة، ثم إن بين فلسطين والإسلام رباطًا لا ينقطع، فليس مسلمًا من لا
يعتبر تحرير فلسطين قضيته، وليس فلسطينيًا من يعزل الإسلام عن قضيته، وإن
انتصار المسلمين للإسلام انتصار لفلسطين كما أن تحرير فلسطين انتصار للإسلام ومن
يهز كتفيه إعراضًا عن هذه الحقائق وعنادًا فليفسر لنا لماذا هتف موشى ديان
وحاخامات اليهود عند دخول القدس «محمد مات خلف بنات» وماذا تعني
عبارة: «حط المشمش على التفاح دين محمد ولى وراح»، ولماذا تزداد الأحزاب
الدينية اليهودية يومًا بعد يوم ولماذا يلبس المستوطنون اليهود الطاقية الصغيرة
على رؤوسهم- وهي شعار المتدينين؟- ولماذا أميركا البروتستانتية التي
تؤمن بالتوراة تدعم اليهود؟ ولماذا الصليب عاد يتحرك من جديد ولماذا اتفاقات
سالت 2 بين الإلحاد والصليب ومن قبلها مؤتمر
يالطا 1945. لماذا الفكر الديني الزائف يشكل العمود الفقري في
الأيدولوجية الصهيونية بينما الفكر الإسلام يطارد في ديار المسلمين بينما يشجع
الفكر العلماني ولا نقول العلمي؛ إذ لا تعارض بين الدين والعلم بل التعارض بين
الدين والعلم من جهة وبين العلمنة والإلحاد من جهة أخرى.. أليس ذلك كله دليلًا على
أن الصراع في جوهره هو صراع عقائدي بين الحق والباطل، بين الكفر والإيمان، بين
منهج الله ومنهج الطواغيت؟
ما
الذي يعصمنا من الوقوع في الخطأ؟ ما الذي يعصمنا من الاعتراف بإسرائيل (أي التنازل
عن فلسطين)؟ ما الذي يعيد إلى هذه الأمة روح الجهاد والنصر؟ ما الذي يوقف انحدار
هذه الأمة إلى الهاوية إذا كان تهويد فلسطين قائم على عقيدة زائفة فإن عودة فلسطين
إلى المسلمين لابد أن تقوم على عقيدة حق، عقيدة الإسلام.
نقول
لكل الساخطين اليائسين الذين يلعنون الظلام من حولهم، أضيئوا نفوسكم بنور الإيمان
يتلاشى الظلام من حولكم تدريجيًا.. تذوقوا جمال الإسلام في نفوسكم تجدونه في
واقع حياتكم.
نقول
إن تحرير فلسطين كهدف لا ينبغي أن يجرنا إلى الاعتراف بإسرائيل كوسيلة وإلا ضاع
الهدف هناك وأصبحت الوسيلة هي الهدف وهنا الطامة الكبرى.
وإن
تحرير فلسطين لا يتم ابتداء بهذه العقلية واحتكاكًا بهذه الرموز السياسية المتربعة
على صدر الأمة في مرحلة الانحطاط هذه، بل لابد من التغيير، تغيير النفوس أو تغيير
الرموز، وإلا فسنظل ندور في حلقة مفرغة. بل سنظل ننحدر من هاوية إلى هاوية، ولن
يوقف العصر الإسرائيلي هذا الفكر الإحباطي الغريب، وهذا المسلك الاستخذائي العجيب.
نقول
هذا لكل مسلم يريد لهذه الأمة أن تنهض من كبوتها سواء كان هذا المسلم حاكمًا أو
محكومًا، قائدًا أو مقودًا: عودوا إلى الله تعد إليكم كرامتكم المفقودة
وعزتكم الضائعة وبلادكم المسلوبة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ
عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:106).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل