العنوان ماذا يجرى في السودان؟ «1» مدخل من الأحداث الأخيرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1975
مشاهدات 0
نشر في العدد 266
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 09-سبتمبر-1975
ماذا
يجرى في السودان؟
«1» مدخل
من الأحداث الأخيرة
منذ الجمعة
الماضية- يوم أن قامت حركة معارضة بتطويق معظم الأماكن الإستراتيجية في العاصمة
السودانية- والتصريحات وأخبار وكالات الأنباء تتضارب وتسأل: هل مسؤولية الحركة
الأخيرة تقع على «الجبهة الوطنية السودانية»؟
رغم كل شيء
فلا بد من أن يعرف الناس أن الحركة الأخيرة أيًا كانت الجهة التي تقف وراءها قد
انبثقت من سلبيات الوضع الراهن في السودان. وأنها ليست حركة صغيرة أو معزولة وإنما
تضرب بجذورها في عمق الواقع السياسي والاجتماعي الراهن.
الخريطة
السياسية لكل بلد تتضح في العادة تحت ظل المناخ الديمقراطي هنالك فقط نستطيع أن
نحدد القوة الحقيقية لكل تيار كما ونستطيـع أن نعرف عنه في العراء بعيدًا عن تضليل
الصحف المؤممة وأجهزة الإعلام الرسمية والستار البوليسي الذي يسدل على كل رأي
مناوئ وقبل الانقلاب العسكري الذي قاده العقيد -وقتها- جعفر محمد نميري عام ١٩٦٩،
كان السودان يحكم حكمًا ديمقراطيًا نموذجيًا- وكانت القوى السياسية العاملة هي:
·
الحزب الاتحادي الديمقراطي وهو تجمع السياسيين
القدامى ويتكون من قدامى الخريجين والتجار وجماهير المدن.
·
حزب الأمة: وهو الحزب الذي يضم أنصار الإمام
المهدي ويستند إلى تاريخ الثورة المهدية وتتبعه قطاعات قبلية واسعة خصوصًا في غرب
السودان.
·
جبهة الميثاق الإسلامي: وهي جبهة يقودها تيار
المثقفين الإسلاميين ولها نفوذ في القطاع الحديث والتشكيلات النقابية وتسيطر عـلى
حركة الطلبة وتمتد شعبيتها إلى القطاعات المتدينة وجماهير المسلمين في المدن
والأرياف
·
الحزب الشيوعي: وهو مع كونه أكبر حزب شيوعي في
أفريقيا والعالم العربي ويمتلك تجربة جيدة ومكانة عالية عند السوفيات إلا أنه لم
يستطع أن يمد جذوره في التراب السوداني المستمسك بالإسلام، ولكنه يتمتع بتأييد
المثقفين الليبراليين عمومًا.
في المرحلة
السابقة للانقلاب العسكري الذي جاء بالرئيس نميري كانت الجمعية التأسيسية منهمكة
في مناقشة مشروع الدستور وإجازته وقد سبق ذلك حملة سياسية واسعة دفعت بالعناصر
الإسلامية إلى إلقاء ثقلها في العمل السياسي لمقاومة أي اتجاه علماني قد يقوده
الشيوعيون والعناصر الكنسية والليبرالية للتأثير على الدستور السوداني ومن ثم على
القوانين والتشريعات الجديدة وعلى مستقبل السودان الاجتماعي والسياسي، هذا إلى
جانب حرص الحركة الإسلامية على تأكيد إسلامية الدولة انتماء ودستورًا. وبالفعل فقد
أثمرت هذه الحملة واستطاع الضغط الشعبي من قواعد الأحزاب أن يسفر عن قبول قياداتها
بإقرار صيغة الدستور الإسلامي المقدمة للبرلمان. وفيما بدئ في إجازة نصوصه فوجئ
الشعب السوداني بانقلاب عسكري قام به ضباط ينتمون إلى فئتين متحالفتين: الفئة
الأولى هي تنظيم المخابرات المرتبط بالناصرية في الجيش السوداني «الضباط الأحرار»
والفئة الثانية هي الضباط الشيوعيون، ونزل الشيوعيون إلى الشارع يسندون الانقلاب- وأسفر
الوضع الجديد عن تشكيل حكومة شيوعية وإرساء سياسة يسارية متطرفة داخليًا وخارجيًا.
حلت الجمعية التأسيسية وألغي الدستور الإسلامي وحلت الجامعة الإسلامية والمركز
الإسلامي الأفريقي وصودرت دار النشـر الإسلامي وجريدة الميثاق الإسلامي وألغيت
مادة الدين كمادة أساسية في المدارس وزج بقادة المسلمين وعلمائهم في السجون قبل
اعتقال الوزراء ورجال الحكم.
وهكذا وجدت
العناصر الإسلامية والوطنية نفسها أمام خطر داهم لم يكن بد من معارضته ومواجهته
دفاعًا عن الكيان الإسلامي في السودان. وكرد فعل أولي تحالفت العناصر الإسلامية
والعناصر الوطنية ذات الثقل الشعبي في جبهة واحدة لمواجهة الشيوعية والدكتاتورية
العسكرية.. وتشكلت «الجبهة الوطنية» وهي تنظيم قديم قاد المعارضة ضد نظام الفريق
عبود العسكري وتمكن من إسقاطه في أكتوبر عام ١٩٦٤ عن طريق ثورة شعبية مدنية، وكانت
مؤلفة من نفس العناصر. وبدأ الصراع مع السلطة العسكرية الجديدة في أكثر من جولة من
أشهرها حركة الجزيرة أبا في مارس عام ۱۹۷۰
والتي قمعتها قوات الانقلاب الشيوعي- الناصري بوحشية بالغة وقصفت آلاف المزارعين
بالطائرات والمدفعية وقاذفات اللهب وقتلت زعيم الأنصار الإمام الهادي بدون محاكمة
وهو أسير جريح.
كذلك حركة الإضراب
السياسي العام «حركة شعبان» عام ١٣٩٣ والتي أعلنت على أثرها حركة الطوارئ وقطع
الرئيس السوداني مشاركته في مؤتمر القمة بالجزائر عائدًا إلى الخرطوم. ولم تخل
السجون مطلقًا من زعماء الجبهة الوطنية وأعضائها منذ قيام ثورة مايو وحتى محاولة
الإطاحة بالنظام الأخيرة.
والمبادئ الواضحة
التي ينص عليها ميثاق «الجبهة الوطنيـة السودانية» هي:
ا- العودة إلى
الحياة الديمقراطية وإلغاء جهاز المخابرات الذي استحدثه النظام وإلغاء تأميم
الصحافة وتأكيد استقلال الجامعة والقضاء.
٢- القضاء على الفساد السياسي والإداري والأخلاقي
الذي استشرى عقب سقوط الديمقراطية
3- اعتبار
مسودة دستور عام ١٩٦٧ هو مشروع الدستور المقترح بكل ما فيه من مكاسب إسلامية.
والجبهة لا تقيم أي علاقات مع جهات أجنبية
وتعتبر الشيوعيين مسؤولين عما حدث من كوارث في السودان باعتبار أنهم شركاء نميري
في كل الخطوات الخطيرة التي تلت انقلاب ١٩٦٩. كذلك عملاء الاستعمار الذين باعوا
الجنوب للكنائس وعملوا على مسخ الانتماء العربي الإسلامي للسودان باعتبار السودان
بلدًا أفريقيًا وليس عربيًا.
ونعتقد أن نظام الحكم في السودان سواء أكانت
المحاولة الأخيرة قد ثبتت مسؤولية الجبهة الوطنية عنها أم لا، قد بيت النية لتوجيه
ضربة للجبهة بعد أن بدأ الشعب السوداني يتطلع إليها لتنقذه من الفساد الذي أحكم
قبضته على رقاب الناس، ولكن مهما كانت نتيجة المحاكمات الصورية فإنها لم تكن الأولى
ولن تكون الأخيرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل