العنوان ماذا يجري في مدريد؟ (3-3)
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر السبت 23-يوليو-2005
مشاهدات 64
نشر في العدد 1661
نشر في الصفحة 38
السبت 23-يوليو-2005
في صالة التحكيم
إنها محاكمة للإسلام والمسلمين وللوجود الإسلامي في إسبانيا وأوروبا
محامٍ إسباني: لا تدعوا مهمة هذه المحكمة تنحصر في محاكمة الإسلام.. فهو جزء من تاريخ هذا البلد مهما زعمت وسائل الإعلام غير ذلك
محامٍ آخر وقف أمام قاضي التحقيق وخلع رداء المحاماة قائلًا له: لقد كفرت بالعدل والقضاء الإسبانيين.. ثم بكى!
ذات يوم خرجت من بلادنا بحثًا عن شيء من العدل والحرية.. وأمل في العيش في أرض تضمن حقوق الإنسان ولا يحدث فيها مثل هذا الذي يحدث في مدريد.. فحياة العرب والمسلمين في مدريد تبدو جحيمًا.
أربعة وعشرون متهمًا، معظمهم من أصل سوري، بعضهم مغربي، واحد إسباني باسكي، يجلس تسعة عشر منهم في غرفة زجاجية محصنة معدة لمحاكمة كبار المجرمين الدوليين على مقاعد من خشب لا مساند لها، وعن يمينهم المدعي العام في هذه القضية.
المتهمون الخمسة الباقون، كانوا يجلسون خارج هذه الفقاعة الزجاجية، ثلاثة منهم من رجال الأعمال السوريين المرموقين في إسبانيا لم يتجاوز أكبرهم سنًا الخامسة والأربعين، وطبيب سوري شاب، وتيسير علوني، كانوا جميعهم قد أفرج عنهم بكفالات مالية ضخمة، ولكن كان عليهم حضور جميع جلسات المحاكمة والمثول يوميًا بين يدي أجهزة الأمن.
المحامون الثلاثون يعلمون أن هذه محاكمة سياسية إعلامية مهما نفى القضاء والسياسة والإعلام هذا الأمر يقولون إنها محاكمة للإسلام والمسلمين وللوجود الإسلامي في إسبانيا وأوروبا، استعملوا هذه الفكرة لدى مداخلاتهم للدفاع عن موكليهم، كلهم يسألون ما علاقة دعم هؤلاء المتهمين لمنكوبي البوسنة وكوسوفا والشيشان بقضية الحادي عشر من سبتمبر؟!
محاكمة العصر
أحد هؤلاء المحامين كان مغمورًا قبل «محاكمة العصر»، هذه، وقف أمام قاضي التحقيق وخلع رداء المحاماة وقال له: لقد كفرت بالعدل والقضاء الإسبانيين.. بكي. نعم لقد بكي محامي أحد المتهمين الأبرياء عندما أعيد اعتقال موكله دون وجه حق. ولم تكن تهمة هذا الرجل إلا أنه ذهب يزور أهله في البوسنة بتكليف من والده عالم الدين الجليل السوري بوسني الأصل، فحمل إليهم الأدوية وبعض المساعدات في محنتهم.
هذا الرجل متهم كذلك بمساعدة زوجة «أحدهم» يوم انتقلت من دارها في نقل أمتعتها. وأنه قد حضر عرس «أحدهم»، وأنه يستخدم شركته لتشغيل المجاهدين العائدين من أرض المعارك!
هذا الرجل لديه شركة صغيرة متواضعة للتجارة وأعمال صيانة الأبنية، ويمتلك سيارة نقل تجعل أصحابه ومعارفه يطلبون مساعدته في نقل أمتعتهم كلما غيروا منازلهم، ثلاث مرات قام عبد الرحمن بمساعدتنا في نقل أمتعتنا من منزل إلى منزل، وحضر كل الأفراح والأتراح التي أقيمت في بيتنا، بل قام بها كأنه واحد من أفراد البيت لم يطلب أحد من «عبد الرحمن » مساعدته إلا هرول هو وزوجته وأخو زوجته وكل عائلته إلى نجدة الناس، كان الشباب من المهاجرين الجدد إلى إسبانيا يأتونه -كما يأتون غيره- طالبين إليه أن يجد لهم عملًا في زمن صار الإسبان يرفضون فيه تشغيل كل من يتسمى بأحمد ومحمد وعبد الله وعبد الرحمن، فكان يمنحهم أعمالًا تمكنهم من العيش الشريف وعدم التشرد في الشوارع ريثما يجدون فرصًا أخرى.
مثل «عبد الرحمن» كان «أبو النور» شريك عبد الرحمن في عمله وفي كل مظاهر سلوك حياته.. فمتى تفرغ هذان الشابان للتحضير والتخطيط وتقديم الدعم «اللوجيستي»، لأولئك الذين ضربوا أبراج نيويورك؟!
لم يكن «أبو النور»، وعبد الرحمن بالنسبة لأسرتي مجرد جارين يسكنان معنا نفس الحي. ولكنهما أخوان في الغربة، وصديقان، تصلي الأسرتان في نفس المسجد، نأخذ أولادنا إلى نفس المدارس نخرج الى نفس المتنزهات، نشتري من نفس السوق.
أسرة «عبد الرحمن» كانت معنا يوم خرجنا إلى «أتوتشا» محطة قطارات مدريد التي اعتدى عليها «أولئك القوم» بتفجيراتهم الإجرامية فقتلوا مائتي بريء ظلمًا وعدوانًا وتسببوا في جرح ألفي شخص وتضرر ستين ألف إنسان بصورة مباشرة أو غير مباشرة ودون وجه حق، عدا عن الجريمة النكراء التي ارتكبوها بحق الإسلام والمسلمين في أوروبا كلها، زوجة عبد الرحمن كانت إلى جانبي في تلك المسيرة التي خرج فيها مجموعة من الشباب المسلم في مدريد يريدون أن يقولوا لمدريد: إن الإسلام بريء من هذا الاعتداء الوحشي على الأبرياء، صورة زوجة «عبد الرحمن» وأخيها كانت في أكثر من مائة وسيلة إعلامية وهما يحملان لافتة كتب عليها «لا للإرهاب، الإسلام يرفض الاعتداء على الأبرياء» كيف يمكن لأسرة مثل هذه أن تكون متورطة هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟!
الحقيقة..
من منا لا يريد أن يعرف الحقيقة؟ ومن منا يعترض على مساءلة من لهم ضلع حقيقي في هجمات سبتمبر ٢٠٠١؟ يوم بدأت المخابرات الإسبانية بالتنصت على هاتف عبد الرحمن عام ١٩٥٩م، كان عبد الرحمن مجرد فتى حديث السن، ويوم اعتقل عبد الرحمن أول مرة علمت زوجته باعتقاله وهي في زيارة أهلها في دمشق وعلمت بذلك وهي ترى صور بيتها تعرض على قناة الجزيرة بعد أن انتهكت حرمة البيت والأسرة بشكل غير قانوني ولا ديمقراطي ولا إنساني، كل ذلك من أجل أن ترضى الولايات المتحدة عن حكومة «أثنار»، ولتعلم أن إسبانيا ساهرة على مكافحة الإرهاب العالمي بكل الوسائل، حتى لو كانت ذلك بيوت الأبرياء.
القضاء الإسباني أفرج عن عبد الرحمن لاحقًا بكفالة مالية متواضعة نوعًا ما بسبب سخافة الاتهامات الموجهة إليه، لكن.. أعيد اعتقاله وجميع هؤلاء المتهمين يوم أصبحت الحكومة الاشتراكية الجديدة في حاجة إلى التقرب من جديد إلى الولايات المتحدة بعد الخصام النكد الذي نشأ بين الدولتين بسبب قيام رئيس الحكومة الحالي بسحب القوات الإسبانية بصورة فجة وغير ذكية من العراق.
في الجلسة الخاصة ببدء مرافعات المحامين.. بدأ المرافعة محامي «عماد الدين جركس» «أبو الدحداح» المتهم ليس فقط بالتنسيق مع كوماندو الحادي عشر من سبتمبر، ولكن كذلك بالتخطيط والإعداد لهجمات الحادي عشر من آذار رغم أنه كان حينها في السجن!! «أبو الدحداح»، هذا، فقد أكثر من أربعين كيلوغرامًا من وزنه أثناء هذه السنوات الأربع التي قضاها في السجن عرفنا ذلك لأن صورته القديمة لم تختف من وسائل الإعلام الإسبانية يومًا واحدًا باعتباره أكبر مجرم موجود على وجه الأرض، ولكن بعد أن كادت تتهاوى كل الأدلة ضده وتنهار الصورة الإعلامية التي رسمتها له وسائل الإعلام اعتمادًا على المذكرة المقدمة ضده من قاضي التحقيق «غارثون» ظهر في المحكمة رجل غامض يدعي أنه رأى في برشلونة «أبو الدحداح» هذا مع من؟ لا أقل ولا أكثر.. مع محمد عطاء!! هذا الشاهد ظهر بشكل إعجازي في المحكمة وادعى بأنه رآهم مع آخر يدعى «شيبة»، وأنه تذكرهم لأنه أستاذ في كلية للفنون حيث قال: إنهم كانوا ثلاثتهم يرتدون سترات جلدية سوداء. وكان ذلك بالطبع في عز الصيف لأن عطاء معروف أنه كان في شهر أغسطس في إسبانيا في طريقه نحو نيويورك! انهار أبو الدحداح في زنزانته الزجاجية حتى اضطر قاضي الصالة أن يتدخل ليهدئ من روعه وليقول له إن المحكمة لن تأخذ بعين الاعتبار أقوال هذا الشاهد الغريب الذي صمت دهرًا ثم نطق بهذه العجيبة على حين غرة.. و..
دولة الحق والقانون
محامي أبو الدحداح... بدأ مرافعته بأن وجه للمدعي العام تأنيبًا وردًا عنيفًا: «دولة الحق والقانون لا تريد أحكامًا «مثالية»، تكون عبرة لمن اعتبر.. إنها يجب أن تحكم بعقوبات عادلة مقسطة وتتطابق مع نوع الجرم الحقيقي وإنه لا يوجد دليل واحد لدى المحكمة على هذه الافتراءات، وأن كل الاتهامات الموجهة إلى موكلي ساقطة إلا بعض الأمور التي تعتبر من فئة الجرائم العادية الصغيرة والتي لا ينبغي أن يحكم فيها بأكثر من عامين أو ثلاثة».
وقال المحامي: «لم يثبت في مئات الآلاف من صفحات التحقيق والاتهامات الموجهة إلى هؤلاء القوم أن واحدًا منهم عرف عنه حادث عنف واحد هل نحن أمام محاكم تفتيش؟ بنت قضية ملفقة على مجموعة من الحيثيات القائمة على تقارير كاذبة وادعاءات مغرضة وترجمات مشوهة وأقوال مجموعة من الجواسيس المندسين بين أفراد هذه الجالية يغتصبون كل قوانين دولة الحق وحقوق الإنسان؟ هل هذه هي الصورة التي يجب أن يعرفها العالم عن القضاء في إسبانيا»؟!
«إن حجم الفساد الذي اكتشفناه في هذه القضية أكثر من مذهل وليس أهم ما فيه أن التسمع الذي دام ثمانية أعوام على هواتف هؤلاء الرجال، استخدم لتوريطهم رغم أنوفهم في تفجيرات حدثت بعد عشرة أعوام من بدء التنصت على هواتفهم»!!
ومضى المحامي في مرافعته السياسية الإعلامية يقول: «٥٠٠٠ مختطف في غوانتانامو، ٣٠٠٠٠ إسلامي مفقود في أنحاء الأرض لا يعرف أحد مصيرهم، لا أحد يعرف ماذا يجري في أفغانستان ولا في الشيشان حيث يحق للجنود البريطانيين والروس تعذيب البشر بأقبح وسائل التعذيب ماذا يجري في هذا العالم الضحايا في البوسنة هم المسلمون في الشيشان هم المسلمون في العراق كذلك. مسلسل فضائحي زنان هذا الذي يجري تحت سمع العالم وبصره».
ثم أنهى المحامي مرافعته بالقول: «لا تدعوا مهمة هذه المحكمة تنحصر في محاكمة الإسلام. فالإسلام جزء من تاريخ هذه البلد مهما زعمت وسائل الإعلام غير ذلك، وإن الإسلام موجود بيننا بوجود هؤلاء المواطنين الذين تريد وسائل الإعلام أن تصورهم سرطانًا يفتك بمجتمعاتنا مع أنهم ليسوا إلا مواطنين يعيشون بيننا منذ عقود في حالة طبيعية يبحثون عن عيش شريف بعيدًا عن القهر الذي تعانيه بلادهم».
أقول: إن قوى الأمن الإسبانية حاولت أن تكون شديدة الحذر في التعامل مع هذه القضية. لكن التنصت على الهواتف ودس الجواسيس في كل مكان ومراقبة الحركات والسكنات والحسابات المصرفية وتوجهات الفكر وحركات الأيدي على من تسلم ومن تحيي وهل ترفع للدعاء أم تحمل مجلة أو كتابًا، كل هذا جعل حياة العرب والمسلمين في مدريد تبدو جحيمًا حمل كل من يستطيع من السوريين بشكل خاص أن يعقد مصالحة مع الأمن في بلده ليستطيع العودة إليها.
إننا نشهد محاكمة للفكر الإسلامي المعاصر. لسلوكنا كأمة وحركات إسلامية وأفراد لطريقة تفكيرنا في معالجة قضايانا المصيرية.
أتذكر.. عندما كنا صغارًا جدًا شنق حاكم مصر كاتبًا إسلاميًا استثنائيًا وأديبًا عظيمًا يدعى سيد قطب... رأيت جدي يومها يبكي في حرقة، ويقول:«لقد أعدوا الحكم بالإعدام قبل أن تبدأ المحاكمة، قتلوه قتلهم الله»...
لا أدري كم من السنوات مضت منذ ذلك اليوم، ولكن كل الذي أدريه أنني ذات يوم خرجت من بلادنا بحثًا عن شيء من العدل، وشيء من الحرية، وأمل في العيش في أرض تعامل الإنسان إنسانًا تضمن حقوقه وكرامته ولا يحدث فيها مثل هذا الذي يحدث في مدريد على عتبات القرن الواحد والعشرين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل