الثلاثاء 13-يناير-1981
قال وزير الإعلام السعودي الدكتور محمد عبده يماني: إن جميع الدول الإسلامية ستحضر مؤتمر القمة الإسلامي المزمع عقده في الطائف في ٢٤/ يناير ۱۹۸۱. وذكر الوزير أن ٤٢ دولة وأربع دول بصفة مراقب قد لبت الدعوة للمؤتمر. وأعرب عن اعتقاده بأن الدول الإسلامية ستستغل هذا التجمع الإسلامي الكبير لمناقشة قضاياها المصيرية بجدية وموضوعية. وأشار يماني بأن القمة ستتناول بالبحث المشكلات الحقيقية للأمة الإسلامية التي تمثل قوة دولية ذات قدرات ضخمة.
وذكرت الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي أن المؤتمر سيتناول مختلف الموضوعات الهامة على الساحة الإسلامية وخاصة قضية فلسطين وأفغانستان.
ومما لا شك فيه أن مؤتمر القمة الإسلامي الثالث هذا يحمل في طياته أهمية قصوى... فهو إما أن ينهار وينتهي كما انهارت وانتهت عشرات المؤتمرات العربية والإسلامية التي لم تسفر عن شيء تذكره الأمة بالقبول... وأما أن يكون بداية صحيحة وصحوة حقيقية للأمة الإسلامية التي تنتظرها الدنيا؛ لتعطيها الحضارة المتوازنة بعد أن صار التوازن مفقودًا لدى جميع الأمم.
وحتى لا يذهب بنا الخيال، ونحلق لوحدنا في عالم وردي... وكذلك حتى لا يسيطر علينا التشاؤم... والتشاؤم يقتل الخير، ويربك الطاقات... حتى لا نكون كذلك لا بد لنا من أن نطرح على أنفسنا عدة أسئلة تحدد لنا مسار القضية:
- ماذا يتوقع المسلمون من هذا المؤتمر؟
- وهل مؤتمرات القمة هي السبيل الأمثل للإصلاح؟
- وهل ينوي المؤتمرون خدمة شعو بهم ورفعة أمتهم بالفعل، أم أن الأمر لا يعدو مصالح شخصية للحكام؟
نبدأ بالسؤال الأول... ماذا يتوقع المسلمون من هذا المؤتمر؟
ربما لا يتوقع المسلمون الكثير من هذا المؤتمر، فتجاربهم مع مؤتمرات القمة غير مشجعة، وإن كانوا في أمس الحاجة إلى سلسلة من الإجراءات الهامة وفي كل الميادين.
ففي الميدان الداخلي:
تشعر الشعوب أنها ومصالحها في وادٍ والحاكم ومصالحه في وادٍ آخر. وتشعر الشعوب أنها لا تقول كلمتها في أحداث أمتها ومصيرها. وإذا قالتها فلا يسمعها أحد.
وتشعر الشعوب أن عقيدتها وشريعتها الربانية تخلى عنها الحكام، واستبدلوها بنظريات الغرب أو الشرق في الحكم، وهي لا تعدو نظريات من فعل البشر تحمل قصورهم وجهلهم، وتشعر الشعوب أن سفينة الحكم والقرارات تتخذها فئة ممتازة لها كل الامتيازات... ويصعب على الطبقات الأخرى اجتياز هذا الحاجز الكبير. وتشعر الشعوب أن علاقتها بحكامها علاقة الريبة والاتهام، والمواطن متهم حتى يثبت ولاءه... ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم» - أبو داود والحاكم.
وتشعر الشعوب بأن الإنسان يولد حرًّا، ويظل حرًّا طوال حياته، في ظل احترامه للتشريع، وأنه مهما أخطأ فإنه لا تهدر آدميته.
فالحرية أغلى حقوق الإنسان وأعزها وأسماها، وبغيرها لن يكون الإنسان إنسانًا يستحق هذا الوصف الكريم، مهما كان مأكله وملبسه ومسكنه ومركبه، تشعر الشعوب بأن حريتها مفقودة، وأن آدميتها مهدورة وبلا سبب.
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق».
وتشعر الشعوب أن الحاكم رجل منها، وليس المؤمن الأول والعامل الأول والفقيه الأول والإداري الأول والمواطن الأول، وأنه قد أحاط بكل شيء علمًا...
وتشعر الشعوب أن الحاكم مترف غني لا يشاطرها الفقر والعوز والحاجة وأمور كثيرة تشعر بها الشعوب، وتجد بينها وبين الحكام أمدا بعيدا. فهل تجري في هذا المؤتمر جرده كاملة ومحاسبة شاملة يعود فيها الحاكم إلى شعبه وإلى ربه، فيحكم بما أنزل الله، ويكون الضعيف فيهم قويًا عنده؛ حتى يأخذ له الحق، والقوي فيهم ضعيفًا عنده؛ حتى يأخذ الحق منه؟ حتى علاقات الشعوب المسلمة بعضها مع البعض الآخر تراها تتأثر بعلاقات الحكام ونزواتهم الفردية ومزاجهم الوقتي؛ وقضايا المسلمين أين هي من دائرة الاهتمام...
ماذا فعل حكام المسلمين ودولهم لقضية فلسطين المقدسة... هل جمعوا أمرهم ورموا المغتصب عن قوس واحدة، فالحقوق تؤخذ ولا تعطى... أم استبدلوا ذلك بالتقاعس ووصل حبال المودة مع العدو والدول التي تحميه.
ماذا فعل حكام المسلمين ودولهم لقضية أفغانستان... هل نصروا إخوانهم النصر المؤزر الذي يمكنهم من قهر الغزاة وتحرير البلاد... أم ما زالوا يختلفون على طبيعة الاحتلال الروسي... هل هو استعمار أم مساعدة وتكريم...
ماذا فعل حكام المسلمين ودولهم لقضايا العالم الإسلامي الكثيرة... هل وقفوا إلى جانبها... أم تركوها للدول الشامتة الحاقدة تعالجها برواسب الحقد المزمن في طبعها...
هل استخدم المسلمون ثرواتهم في خدمة مصالحهم ومصالح شعوبهم؟ هل وضع حكام المسلمين شعوبهم على الطريق الصحيح الموصل إلى الحق والعدل أم ما زالوا ينظرون لهذه الشعوب بأنها متهمة حتى يثبت ولاؤها.
إن المسلمين يتوقعون الكثير... وينتظرون الكثير... ولئن كانت تجارب الماضي لا تشجع، ولكن الأمل العريض ما يزال يدفع الإنسان لانتظار المزيد.
على هامش مؤتمر القمة الإسلامي الثالث
فكرة المؤتمر الإسلامي:
المؤتمر الإسلامي... أو بصيغة أكثر دقة مؤتمر الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي هو تجسيد للفكرة التي برزت في أعوام الستينيات، والتي دعت إلى عقد لقاءات إسلامية بأعلى المستويات.
وقبل انعقاد المؤتمر الأول عام ١٩٦٩ للقمة في العالم الإسلامي... كانت المنظمات الإسلامية ورجال الفكر والدعوة من قادة هذا الدين تعقد مؤتمراتها السنوية... وتنشئ منظماتها الدولية، وتمارس فعالياتها على صعيد التحرك لإقامة تعاون بين الشعوب والأقطار الإسلامية؛ خدمةً ودفاعًا عن المصالح المشتركة التي تربط هذه الشعوب والأقطار في ظل الإسلام الذي يدعو المؤمنين إلى الاعتصام بحبل الله جميعًا، واجتناب التفرقة والتباعد بهدف تحقيق رسالة هذا الدين الحنيف في هداية البشر وصلاحيتها.
ولما نزلت الدواهي المريرة بأمة الإسلام في الأرض العربية في الستينات... ووصلت تلك الدواهي إلى قمتها بنكسة وهزيمة العرب أمام شراذم اليهود عام ١٩٦٧... فقد دعت المنظمات الإسلامية ورجال الدعوة والفكر زعماء العالم الإسلامي إلى وحدة الموقف والاستعداد في وجه العدو المشترك... وكان إحراق المسجد الأقصى عام ١٩٦٩ هو الصاعقة التي هزت الأصقاع الإسلامية... عند ذلك قرر زعماء العالم الإسلامي عقد مؤتمرهم الأول على مستوى القمة لدراسة الوضع النازل بالأمة.
فلسفة اللقاءات الإسلامية:
في البدء نشأت الدعوة إلى اللقاءات الإسلامية لدى الدعاة ورجال الفكر الإسلامي في فلسفة إسلامية ذات عناصر هي أقرب إلى الوحدة الإسلامية الشاملة... من اللقاءات الرسمية التي تكتفي بتصنيف التوصيات وتدبيج البيانات.
• ففي مواجهة التحديات التي يجسدها التآمر الاستعماري الصهيوني على ديار الإسلام... كان لا بد للعمل العربي الإسلامي المشترك أن يتحول إلى موقف فعال وجهد عملي من أجل جمع كلمة العرب والمسلمين، وتوجيه طاقاتهم، ورص صفوفهم لحماية المصالح العربية الإسلامية والدفاع عنها.
• وقد غدا التلاحم الإسلامي ضرورة للشعوب الإسلامية التي وحدت بينها عقيدة مشتركة تؤلف أيديولوجية شاملة ومتكاملة، تملأ الفراغ في العالم الثالث بخاصة.
• واللقاء الإسلامي بما يعززه من مواقف وما يرافقه من مجهودات... إنما يخدم الإنسانية، ويدعم مسيرة التطور الحضاري... ويوفر للبشرية أفضل فرص لبناء المجتمعات الآمنة السعيدة.
تكوين منظمة المؤتمر الإسلامي:
انطلاقًا من رغبة الشعوب والمنظمات الإسلامية في عقد منظمة إسلامية شاملة قرر ملوك ورؤساء العالم الإسلامي تكوين هذه المنظمة من الدول التي اشتركت في مؤتمر القمة الإسلامي الأول الذي عقد في الرباط عام ١٩٦٩. والدول المشتركة بمؤتمر وزراء الخارجية الأول المنعقد بجدة... والمؤتمر الثاني المنعقد في كراتشي.
ويحق لكل دولة إسلامية أن تنضم إلى منظمة المؤتمر الإسلامي بطلب يتضمن رغبتها واستعدادها لتبني ميثاق المنظمة؛ حيث يعرض الطلب على مؤتمر وزراء الخارجية، ويتم الانضمام بموافقة أعضاء المؤتمر عليه بأغلبية ثلثي أعضاء المؤتمر.
ويجوز لأي دولة من الدول الأعضاء أن تنسحب من المؤتمر الإسلامي بإشعار خطي للأمين العام، ويبلغ جميع الأعضاء بذلك.
هيئات المؤتمر الإسلامي:
يضم المؤتمر الإسلامي:
١- مؤتمر ملوك ورؤساء الدول والحكومات.
۲- مؤتمر وزراء الخارجية.
٣- الأمانة العامة والمؤسسات التابعة لها.
ويعتبر مؤتمر الملوك والرؤساء لدى الدول والحكومات هو الجهاز الأعلى لمنظمة المؤتمر الإسلامي. وهو يعقد - كما هو منصوص في مقررات المنظمة - حينما تقتضي مصلحة الأمة الإسلامية.
وذلك للنظر في القضايا العليا التي تهم العالم الإسلامي. ويتم تنسيق سياسة المنظمة تبعًا لذلك.
مؤتمرات وزراء الخارجية:
يعقد المؤتمر الإسلامي على مستوى وزراء الخارجية كل سنة مرة. كما يدعى للاجتماع كلما دعت الحاجة، وقد عقد وزراء الخارجية حتى الآن أحد عشر مؤتمرًا سنويًا؛ فضلًا عن مؤتمرين طارئين؛ الأول في فاس بالمغرب، والثاني في عمان بالأردن.
ويحق لمؤتمر وزراء الخارجية التوصية بعقد مؤتمر لملوك ورؤساء الدول أو رؤساء الحكومات. ويمكن الحصول على الموافقة لعقد هذا المؤتمر بتعميم الرغبة في ذلك على جميع الأعضاء.
أما أول مؤتمر إسلامي لوزراء الخارجية فقد عقد بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية بتاريخ ۱۷- ۱٥ محرم ١٣۹۰ ه الموافق ٢٣ إلى ۲٥ مارس ۱۹۷۰م.
• مؤتمر القمة الإسلامي الأول:
انعقد المؤتمر الأول إثر الجريمة اليهودية في إحراق المسجد الأقصى... وقد تم انعقاد المؤتمر في مدينة الرباط بالمغرب في الفترة من ٩ حتى ١٢ رجب ١٣٨٩ هـ ٢٢ حتى ٢٥ سبتمبر ١٩٦٩م. وقد حضرت معظم الدول العربية المؤتمر، وقاطعته سوريا التي كان يحكمها الحاكم العسكري الطائفي النصيري آنذاك. اللواء صلاح جديد.
ويذكر هنا أن المؤتمر الذي عقد من أجل مسألة النزاع مع العدو اليهودي... قدم فيه اقتراح دعا الدول الإسلامية إلى قطع علاقاتها الديبلوماسية مع إسرائيل... لكن بعض حكام العالم الإسلامي لم يتحمسوا لهذه الدعوة، واستمروا في إبقاء العلاقات مع العدو اليهودي، ومنهم شاه إيران وحكام تركية.
• مؤتمر القمة الإسلامي الثاني:
في لاهور عاصمة إقليم البنجاب في باكستان انعقد المؤتمر الثاني فيما بين ۳۰ محرم و۲ صفر ١٣٩٤ هـ و٢٢ و٢٤ فبراير ١٩٧٤. وقد رأس المؤتمر آنذاك... جلاد الشعب الباكستاني «بوتو». وإبان المؤتمر تم اعتراف حكومة «بوتو» باستقلال «بنغلادش» عن باكستان.
ثم دعيت بنغلادش لحضور المؤتمر مستقلة في ذلك عن باكستان.
وقد ناقش المؤتمر ورقتي عمل:
الأولى: وتتناول قضية الصراع العربي - الإسرائيلي بعد أحداث حرب عام ۱۹۷۳.
الثانية: وتتناول وجوب الوصول إلى صيغ للتعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية في ضوء أزمة الطاقة.
• مؤتمر القمة الإسلامي الثالث:
من المقرر أن يعقد ملوك ورؤساء الدول الإسلامية مؤتمر القمة الثالث لهم في مكة المكرمة يوم السبت ١٨ ربيع الأول ١٤٠١ه الموافق ٢٤ يناير ۱۹۸۱.
وسوف تعقد جلسة الافتتاح في مكة المكرمة. ثم ينتقل الملوك والرؤساء إلى الطائف لعقد اجتماعات مؤتمرهم فيها؛ حيث ينتظر أن يشتمل جدول أعمال المؤتمر على القضايا الآتية:
١- القضية الفلسطينية.
٢- عروبة القدس ومستقبلها.
٣- الحرب العراقية - الإيرانية.
٤- التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية.
٥- اقتراح سمو أمير الكويت بصدد إنشاء محكمة العدل الإسلامية.
بعد هذا التقرير قد يجد الإنسان المسلم نفسه أمام سؤال يطرح نفسه هو: ماذا قدمت منظمة المؤتمر الإسلامي على طريق معالجة مشكلات المسلمين؟؟ وهل سيتناول المؤتمر الثالث للقمة الإسلامية مواضيع تطرحها الشعوب الإسلامية على مسؤوليها؟ أم أن الاجتماع لن يتمخض عن شيء من ذلك سوى بعض التوصيات التي ما عادت الشعوب تكترث لها؟!!