العنوان ماذا وراء حملات استهداف المسلمين في أمريكا؟
الكاتب عز الدين يوسف
تاريخ النشر السبت 22-مارس-2003
مشاهدات 65
نشر في العدد 1543
نشر في الصفحة 32
السبت 22-مارس-2003
لم يكن أمام الكيان الصهيوني إلا تحري القوي اليهودية في العالم لتوسيع دائرة الحلفاء المطلوب توريطهم في المعركة القادمة.
اللوبي الصهيوني منزعج من انتشار الصوت الإسلامي في الساحة الأمريكية التي ظل مسيطرًا عليها سنوات طويلة.
الحملة التحريضية لن تقف عند حدود د. سامي العريان.. هناك ملفات أخرى يجرى تحضيرها بالتعاون مع الموساد وأجهزة الأمن الإسرائيلية لإدانة واتهام مؤسسات عربية وإسلامية أخرى.
السعي لإظهار الحركة الإسلامية كخطر قائم وبالتالي تجريد الإسلام من فعله السياسي.
منذ الحادي عشر من سبتمبر والجالية العربية والإسلامية تعاني من حملات مداهمة واعتقال لا تنتهي، حتى إن قيادات الجالية أصبحت تتساءل في مجالسها وملتقياتها من الضحية المقبلة؟ فالأجهزة الأمنية الأمريكية ليس على أجندتها إلا ملفات الجمعيات الخيرية والمؤسسات الإغاثية الإسلامية، تتابعها وتلاحق حساباتها وأحيانا قوائم المتبرعين لها.. والذي يعاظم من مخاوف الجالية المسلمة أن الأسباب والدواعي التي تقدمها الجهات الأمنية في أغلبها واهية أو جاءت من مصادر استخباراتية إسرائيلية.. ويمكن الإشارة هنا إلى ما ذكرته صحيفة «فورورد» اليهودية خلال هذا الشهر من أن إسرائيل زودت الولايات المتحدة بكل المعلومات التي استند عليها مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي أي) في قضية اعتقال الدكتور سامي العريان وثلاثة أشخاص آخرين من ذوي الأصول الفلسطينية.
وتعود جذور الحملة إلى أوائل التسعينيات، وعلى خلفية التصريحات الإسرائيلية المتعاقبة عام ١٩٩٣ بالقضاء على الأنشطة والجهات التي تقف خلف الدعم الإغاثي والمعنوي للشعب الفلسطيني، وتساهم في تصعيد الفعل الإسلامي المقاوم للاحتلال في الحملة التي تم الاصطلاح على تسميتها بسياسة تجفيف الينابيع، وهي الحملة التي طالت العديد من المؤسسات والأشخاص، وتسببت في إغلاق الكثير من المنظمات الإغاثية مثل مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية، وهى واحدة من أهم المؤسسات الإسلامية – الأمريكية التي كانت تقدم الدعم للآلاف من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة إضافة لجهودها الإغاثية المتميزة في مخيمات اللاجئين في لبنان والأردن وبلدان إسلامية أخرى.
تساؤلات وعلامات استفهام:
ما الدلالات التي تطرحها حملات التشهير والتحريض التي تشنها وسائل الإعلام الأمريكية- الواقعة تحت دوائر التأثير الصهيوني والتيارات اليمينية المحافظة والمسيحية المتطرفة – على القيادات والمؤسسات الإسلامية في الولايات المتحدة، والتي يتم ترجمتها – من حين لآخر – على شكل مداهمات وحملات أمنية غير إنسانية؟ وما الهدف من وراء حملة التحريض والمداهمات تلك؟ وهل هناك من خطوات ومواقف عملية اتخذتها المؤسسات الإسلامية المواجهة تلك الحملات التي تحركها دوافع سياسية لا تخطئها عين المراقب أو بصيرة صاحب النظر الثاقب؟ إن الحملات الأمنية والإعلامية على العمل الإسلامي الأمريكي ومؤسساته ونشاطه بعد أحداث سبتمبر ٢٠٠١ لم تكن إلا تتويجًا للجهود الصهيونية من وراء تلك الحملة الشرسة، والتي انطلقت فعليًا وبشكل مكثف بعد المحاولة الأولى لتفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك عام ۱۹۹۳، والتي أدين فيها مسلمون من أصول عربية مصرية وفلسطينية.
وقد تصاعدت الحملة أكثر مع بدء تصاعد ظاهرة العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة أوائل عام ١٩٩٤، وما رافقها من تصعيد مقابل في الحملة الصهيونية الشرسة على مؤسسات العمل الإسلامي بالولايات المتحدة – وخصوصًا الخيرية منها – بدعوى أنها تمول فصائل المقاومة الإسلامية الفلسطينية مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي، ثم عادت الحملة لتستعر أكثر وأكثر مع بروز تيار القاعدة وتهديداته للمصالح الأمريكية الخارجية في أواخر التسعينيات والتي تمثلت في عدد من العمليات أهمها تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام عام ۱۹۹۸، ثم البارجة الحربية كول في ميناء عدن.
هذه المحطات من الأحداث والأعمال الانتقامية التي اتهمت فيها عناصر مسلمة، ساعدت القوى الصهيونية بالولايات المتحدة على النجاح في مخططاتها الرامية إلى تقديم الأصولية الإسلامية كعدو بديل، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وابتعاد نذر المواجهة بتفكك الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو في بداية التسعينيات.. ومن الملاحظ أنه يتم - عادة – استخدام تعبير الأصولية الإسلامية أو «التطرف الإسلامي» لكي يتجنبوا الحساسيات التي تترتب على استخدام تعبير الإسلام ذاته.. إن الهدف الإسرائيلي في البداية كان يتمثل في البحث عن العدو البديل لحفظ الدور الوظيفي الذي كانت تلعبه «إسرائيل» إبان سنوات الحرب الباردة، إلا أن هذه المقاربة الإسرائيلية عرفت في عام ۱۹۹۳ تضمينًا جديدًا على مستوى الأهداف، حيث وجدت نفسها وجهًا لوجه مع فصائل المقاومة الإسلامي الفلسطينية، وخصوصًا حماس، التي عرف عمله العسكري تطورًا نوعيًا وقفزات كبيرة في ذلك العام.
«إسرائيل» التي سبق لها أن واجهت فصائل المقاومة الإسلامية الفلسطينية قبل ذلك بسنوات وعرفت بالتجربة الميدانية خطورة هذه التيارات عليها سواء من الناحية العقدية والحضارية والثقافية أم من ناحية المقاومة ورفض الاعتراف أصلًا بوجوده وشرعيتها، أخذ ينتابها الخوف والحذر.. وعندما بدأت تتوثق عرى تلك الرؤى الإسلامية وآفاقها المستقبلية، وتأخذ لها امتدادات وعمقًا شعبيًا غير مسبوق بتصاعد إمكانيات القوة والعمليات العسكري لهذه الفصائل الإسلامية، أصبح الأمر هنا جدًا يحتمل الهزل، فالمنطق الذي يريد الاحتلال غرسه وتوطينه في الذهنية الفلسطينية، والمتمثل في استحالة هزيمة إسرائيل أو انهيارها – على الأقل في المدى المنظور – قد يتحول مع نجاح ضربات المقاومة الإسلامية إلى إرهاصات بقرب زواله، وهي ثقافة إذا سادت فإنها ستعجل بحركة استنهاض الأمة للتسريع به.
عندئذ لم يكن أمام الدولة العبرية إلا تحريك القوى اليهودية في العالم – وخاصة في الولايات المتحدة – لتوظيف نفوذها ومكرها لتوسيع دائرة الحلفاء المطلوب توريطهم في معركتها القادمة مع الإسلام والقوى الإسلامية. وبالطبع لن يكون هناك فضل من الولايات المتحدة القوة الكبرى الوحيدة المتبقية في العالم، والضامن الأول لأمن إسرائيل وسلامة وجودها! وقتها عمل اللوبي الصهيوني على تطويع الماكينة الإعلامية الأمريكية الأخطبوطية لبدء حملة الترويج للمفاهيم الجديدة والمندرجة تحت لافتة التحذير من الإسلام والتحريض ضده، وتقديمه على أساس أنه الخطر القادم على أمريكا والتهديد الأول لها، مستفيدة في كل ذلك من أحداث وقعت هنا وهناك، في فترات ومراحل زمنية متقطعة.
لقد نجحت الحملة الصهيونية – في سنواتها الأولى – في لفت الأنظار إلى ما أسمته بالخطر الأصولي الإسلامي، وكانت محاولة تفجير مبنى التجارة العالمي الأولى رافعة لجهودها في هذا الصدد، حيث ما لبث واحد من أبواق الدعاية الصهيونية وهو ستيف أميرسون أن أعد الشريط التليفزيوني التحريضي الأول عن خطر «الأصولية الإسلامية»، تحت عنوان جهاد في أمريكا، وقد سعی معد هذا الشريط جاهدًا إلى إثبات أن العمليات العسكرية التي تنفذها حماس في الساحة الفلسطينية، يتم تمويلها وربما حتى توجيهها من الولايات المتحدة، مع إعطاء الانطباع بأن هذا التحدي الجديد الذي تواجهه إسرائيل لن يلبث أن يتحول نحو الولايات المتحدة. وتصاعدت الحملة أكثر فأكثر، ووصلت إلى حد التنصت والمراقبة للجمعيات والمؤسسات الفكرية والدعوية والرصد للأنشطة والشخصيات الإسلامية. ووجدت المؤسسات الإسلامية – وخاصة الخيرية منها – نفسها عرضة للاتهام والتدقيق وإثارة الشبهات والشكوك حولها, ووسائل الإعلام الصهيونية تلاحقها وتحاصرها من كل مكان وتتهمها بأنها تمول فصائل المقاومة الإسلامية الفلسطينية، ثم ما لبث الأمر أن تصاعد أكثر واتخذ مناحي أشد خطورة، إذ بدأت السلطات الأمريكية باستهداف بعض الناشطين الإسلاميين لا على مخالفات ارتكبوها، بقدر ما أنها كانت على أراء سياسية وفكرية يحملونها، ومن بين هؤلاء كان الدكتور عبد الحليم الأشقر وإسماعيل البرعصي اللذان وجدا نفسيهما خلف القضبان بسبب من قناعاتهما، ونشاطهما المشروع لخدمة قضية فلسطين.
وعلى الرغم من شراسة الحملة وقسوتها، فإن السنوات الخمس التي سبقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر ۲۰۰۱ مثلت سنوات استثنائية في تاريخ الجالية العربية والإسلامية في أمريكا، وخصوصًا مع سن واستعمال قانون الأدلة السرية عام ١٩٩٦ وإدخال بعض نشطاء الجالية غياهب السجون كأمثال الدكتور مازن النجار والنائب البرلماني السابق ممثل جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر أنور هدام، إلا أن هذه الحملة بقيت في إطار محدود وتتعلق بمتابعة بعض المؤسسات والناشطين الإسلاميين دون أن تطال كل المكونات والفاعليات الأساسية للجالية العربية والإسلامية، كما حدث في المرحلة التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر.
لقد مثلت أحداث سبتمبر الفرصة الذهبية المواتية للقوى الصهيونية التي وجدت فيها ضالتها والمبتغى، فما كادت الحكومة الأمريكية تلقي بتبعة الأحداث على تنظيم القاعدة، حتى اكتظت وسائل الإعلام الأمريكية ومحطات الأخبار بالمسؤولين الصهاينة من رؤساء ووزراء سابقين أمثال شمعون بيريز وبنيامين نتنياهو وإيهود باراك، فضلًا عن عدد من المحللين وخبراء الإرهاب اليهود أو الصهيونيين المحسوبين عليهم، وكانت كل تحليلاتهم تصب في جملة واحدة أن العدو الذي تواجهه أمريكا وإسرائيل عدو واحد وهو الأصولية الإسلامية!! موظفين في ذلك الإيماء والتصريح بأن هجمات سبتمبر مستوحاة في أسلوبها من منطق الهجمات الاستشهادية الفلسطينية التي هي مستوحاة من فكر «الأصولية الإسلامية».. في تلك اللحظات كان الرأي العام الأمريكي مهينا لتقبل مثل هذه الطروحات والأقاويل، وتعززت مواقع القوى الصهيونية والادعاءات الإسرائيلية مع دخول تيار المحافظين الجدد والجماعات المسيحية المتطرفة على الخط متحالفة بذلك مع القوى الصهيونية على أسس عقدية ومصالح استراتيجية تستهدف إضعاف الوجود العربي – الإسلامي، والقضاء على المستقبل السياسي للمسلمين في الولايات المتحدة.
هنا تبدلت الظروف واشتد البلاء على الجالية العربية والإسلامية، وساءت الأمور وتعقدت الأحوال وبدأت مرحلة جديدة من الحملات المخططة والتآمرية عليها لم يعد فيها ضوابط أو كوابح قد تساعد في تخفيف حدتها.. ودفعت الجالية العربية والإسلامية الأمريكية ثمنًا باهظًا جراء هذه الحملة، وأغلق العديد من المؤسسات الإسلامية الخيرية مثل مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية، ومؤسسة الإحسان الدولية، ومؤسسة النجدة العالمية، ومؤسسة أعن إلى السجون دون تهم محددة أو حتى تعليلات، ثم بدأت عملية مطاردة المؤسسات الإسلامية الأخرى حتى العاملة منها في الحقل الأكاديمي كالمعهد العالمي للفكر الإسلامي..!! وأصبح الهجوم على الإسلام والمسلمين أمرًا غير مستغرب في الإعلام الأمريكي وتم ربط الإسلام بالإرهاب مباشرة، وتعرض لأكبر حملة تشويه في تاريخ الولايات المتحدة.
إهدار الحقوق المدنية
لقد أتت الحملة الإعلامية والسياسية والأمنية على الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة على قسم كبير من حقوق الجالية المدنية، وعملت وزارة العدل بزعامة اليميني المحافظ جون أشكروفت على إبقاء الجالية ومؤسساتها في حالة لهاث وخوف وترقب مستمرين، وواجهت المؤسسات الإسلامية واحدة من أصعب الحملات وأقساها، بما تمثله من ظلم وانتقاص لحقوقها المدنية والدستورية، فضًلا عن حالة الهلع التي تعيشها والاستنزاف القسري لإمكاناتها المالية لتغطية نفقات المحامين لرد التهم عنها بالمحاكم الأمريكية. لقد وجدت القوى الصهيونية في هذه الأجواء – وهي أحد المساهمين في خلقها أصلًا- فرصتها لتصفية حساباتها مع الجالية الإسلامية خصوصًا مع النشطاء ذوي الأصول الفلسطينية.. فكان التعقب لبعض نشطاء الاتحاد الإسلامي لفلسطين كالسيدين غسان دحدولي, وحسن صبري من مدينة دالاس – تكساس وإبعادهما إلى الأردن, كذلك الدكتور صبري سميرة – رئيس منظمة اتحاد المسلمين الأمريكيين (أمة) الذي منعته السلطات الأمنية الأمريكية من العودة إلى الولايات المتحدة مقر إقامته.. ومن قبل ذلك تم إغلاق مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية، وملاحقة بعض العاملين فيها، وصولًا أخيرًا وليس آخرًا – إلى اعتقال الدكتور سامي العريان الأستاذ الجامعي في جامعة جنوب فلوريدا في تامبا، في حين لا تزال حملة التحريض هذه مستمرة، والكل بانتظار المزيد من حملات المداهمة والانقضاض على ما تبقى للمسلمين من جمعيات ومؤسسات.
لا شك أن تطور أداء المؤسسات العربية والإسلامية الأمريكية السياسي – الذي تجسد بوضوح في الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٠- كان له دوره وتأثيره في زيادة الحساسية الصهيونية تجاه الجالية العربية والإسلامية، ومن ثم فقد مثلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر اللحظة المناسبة لتصفية حسابات مؤجلة مع هذه الجالية ومؤسساتها, وإجهاض أي تفعيل مستقبلي لها، قد يهدد يومًا ما هيمنة القوى اليهودية واللوبي الصهيوني على دوائر صنع القرار الأمريكي، أو حتى الإعلام وتوجيه الرأي العام، خصوصًا أن اللوبي الصهيوني وجد نفسه ولأول مرة مضطرًا لأن يدافع عن صورة «إسرائيل» في وسائل الإعلام بعد أن عرتها المشاهد الوحشية وغير الإنسانية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي بالمناطق الفلسطينية المحتلة بدعوى قمع الانتفاضات الفلسطينية.
لقد حملت المؤسسات السياسية والنخب الفكرية الإسرائيلية والواجهات الإعلامية الصهيونية جميعها رسالة واحدة للكيد والتحريض ضد الإسلام، تتلخص في مجموعة التصريحات التي أطلقها المسؤولون الإسرائيليون في العواصم الغربية ونشرتها بتوسيع شبكات الإعلام الصهيوني في الولايات المتحدة.
هذه اللغة في الخطاب التحريضي والتآمري على الإسلام يمكن وضعها ضمن السياق القائم على استغلال أي حدث فردي، أو جريمة عابرة أو حتى موقف وطني لإدانة الإسلام ومحاكمة الإسلاميين.
ويتحرك الإعلام الصهيوني المنظم في إطار سياسة إسرائيلية وعقلية يهودية بالغة الحبك والتعقيد استطاعت حتى الآن استغلال تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر وبعض الأحداث المأساوية التي كان مسرحها منطقة الشرق الأوسط وتوظيفه لتحقيق عدة أهداف أهمها:
۱ – تشويه صورة الإسلام وربطه بالتطرف والإرهاب، وبالتالي توريط أمريكا في حروب ما الإسلام والمسلمين تجني فوائدها إسرائيل.
۲ – إظهار الحركة الإسلامية كخطر حقيقي قات أو محتمل، وبالتالي تجريد الإسلام من فعل السياسي، وحصره فقط فيمن يقبل الارتهان للسياسة الغربية إجمالًا، وهذا معناه تطويق الحركة السياسية الإسلامية واحتواؤها، والقضاء على فرص الإسلاميين في الوصول للحكم.
٣- إيجاد نظام سياسي «ديمقراطي» في المنطقة العربية للعمل مع «إسرائيل» على ضرب حركة الصحوة الإسلامية وفعلها الجهادي المقاوم، والحفاظ بذلك على واقع «القصعية» و«الغثائية» من حيث التمزق والتجزئة والتبعية والهوان على الناس.
لقد فاجأت هجمات سبتمبر المؤسسات العربية الإسلامية وأصابتها بالصدمة، إذ كان من المفترض أن تلتقي بعض القيادات الإسلامية والدينية في ذات يوم مع الرئيس الأمريكي لتلقي الشكر منه على جهودها في تعبئة الجالية للتبرع له وللحزب الجمهوري والتصويت له في الانتخابات الرئاسية أخيرة، وكان موضوع قانون «الأدلة السرية» الذي عانت منة الجالية طويلًا على رأس أجندة اللقاء, خصوصًا وأن الرئيس جورج بوش الابن كان قد وعد أيام حملته الانتخابية - بالعمل على إلغاء العمل به إن نجح في الانتخابات وحصل على دعم الجالية العربية والمسلمة تحركت المؤسسات العربية الإسلامية بسرعة متجاوزة هول الصدمة، وحققت نتائج إيجابية وجيدة من مثل حث الرئيس وإقناعه على توجيه خطاب للشعب الأمريكي يبرئ فيه الجالية العربية والمسلمة الأمريكية من الهجمات ويدعو فيه إلى احترامهم وعدم الاعتداء عليهم، وفعلًا لبي الرئيس الدعوة بعد أيام قليلة من الهجمات, إلا أن مدة الحملة والإمكانات التي رصدت لها والجهود والطاقات الصهيونية التي تم تفريغها لها قد تجاوزت قدرات وإمكانيات هذه المؤسسات على مغالبة الحملة والجهات اليهودية – الصهيونية التي تقف خلفها.. يضاف لما سبق غياب الرؤية أصلًا لدى هذه المؤسسات، وحساسياتها المفرطة تجاه بعضها بعضًا, ورغبة البعض منها بالاستحواذ على العمل الإسلامي، وتسخير جهود الجالية وإنجازاتها حسابها مما أسهم وبشكل كبير في تقليص حجم تأثير لحملتها المضادة.
إن الجالية العربية والإسلامية الأمريكية تمر في واحدة من أدق وأحرج مراحل وجودها في الولايات المتحدة.. القلق والتخوف مما هو قادم يمثل عنوان الرحلة الأشد صعوبة بالنسبة لها، حيث تكاد عبارة القادم أسواء تسيطر على كل لسان وبدورها لعبت الحكومة دور المصعد، فمن قانون «باتريوت أکت ۱» الذي يعطي صلاحيات غير مسبوقة للأجهزة الأمنية كالتجسس غير المحدود مثلًا، إلى مرحلة الحديث عن مشروع «قانون باتريوت أكت ۲»، الذي يبيح للحكومة, إن تم إقراره أن تجرد المواطن الأمريكي حتى من جنسيته، بغض النظر إن كان مولودًا في أمريكا أم لا.
إنها لحظات صعبة، وسنوات عجاف تعيشها الجالية عربية والإسلامية الأمريكية، لا يعلم إلا الله أين ستنتهي وتقف.
لقد نجحت بعض المؤسسات الإسلامية في اختراق الحصار الإعلامي، وتقديم برامج إسلامية تدعو إلى التعاون والتقارب مع الغرب، وعدم استسلام للهجمة الصهيونية التي تحاول أن تجعل الإسلام في مواجهة صدامية حضارية مع الغرب، إلا أن هذه الجهود والمحاولات ما زالت دون المستوى المطلوب، ولكنها ستبقى جهودًا ومحاولات، مشكورة من أهلها، وتنتظر أمتهم الإسلامية منهم من مثلها المزيد.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.