; ماذا وراء الطاعنين على الحديث الشريف؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا وراء الطاعنين على الحديث الشريف؟

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1975

مشاهدات 1

نشر في العدد 250

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 20-مايو-1975



لم يعد المسلم الحق يفتح عينيه دهشة عندما يقرأ في الصحف والمجلات أو يستمع في الإذاعة أو يشاهد في التلفزة مقالا أو حديثا أو شريطا ناطقا يهاجم الإسلام والمسلمين في قرآنهم وحديثهم ولغتهم وأخلاقهم ذلك لأن مثل هذه الترهات أصبحت شيئا مألوفا مكرورا وأمرا عاديـا يوميا يصبح الناس ويمسيهم، ولقد شعر المخلصون من أبناء أمتنا بحاجتهم إلى سلوك طريقين مع السيول من الحراب المصلتة إلى صدورهم، أولهـا رد افتراءات المفترين وبيان أخطائهم وكشف الأقنعة عن وجوههم وأهدافهم، وثانيها السير في طريق البناء من أجل العودة بالأمة إلى سالف عهدها عزة وإباء وقوة وإيمانا.

والحق أن أنصار الدين الحنيف كانوا قادرين على لجم أفواه الناعقين والمتبجحين لو أتيح لهم ما أتيح لأعدائهم من سبل القول والنشر، ولكنهم جوبهوا ليس فقط بمنعهم من التعبير عن آرائهم ورد افتراءات أعدائهم وإنما أودعوا السجون والمعتقلات لسنوات أربت على العشرين بينما تركت الساحة خالية للكلاب الضالة والثعالب الماكرة تسرح فيها وتمرح دون حارس فطن أو مشفق أمین

ولا شك أننا نضيع أوقات القارئين لو أخذنا نستعرض ما تمارسه الإذاعات، المسموعة منها والمرئية، من هدم للأخلاق والزراية بالأمة في عاداتها الفاضلة ومثلها السامية، والنعي على المتمسكين بالفضيلة، واللمز في الدين والسخرية من اللغة، ذلك لأن هذه الأمور أصبحت مما يعلمه بداهة الرجال والنساء، العلماء والبسطاء، الصغار والكبار.

وتسهم الصحافة في هذا الخط المنحرف إسهاما كبيرا، ولكن الخطورة فيها أنها تموه على القارئين وتخفي أهدافها تحت ستار من الأدب تارة والفن أخرى والفكر ثالثة والعلــم رابعة، بل والدين في بعض الأحيان!

ولأن حديثنا هنا سوف يتناول موضوعا واحدا، بل فرعا من موضوع، مما تناولته الصحافة منذ زمن بعيد وعادت في الأيام الأخيرة تلح عليه فإننا سنسارع إلى القول بأن إحدى أخبث الطرق التي سلكتها الصحف والمجلات في سبيل إفساح الطريق واسعا أمام المغرضين والطاعنين هي تصدير صفحتها الرئيسية بعبارة خبيثة متجنية تقول فيها: «المجلة غير مسؤولة عما ينشر فيها من آراء»! أو «المقالات تعبر عن آراء اصحابها فقط»! تريد بذلك أن تبرئ نفسها والقائمين عليها والممولين لها من الجرائم التي تقترف على صفحاتها، وليت شعري إذا لم تكن الآراء التي تنشر صفحات المجلة تعبر عن أهداف القائمين عليها فما الذي يدفع هؤلاء الناس إلى إصدار صحيفة أو مجلة؟ بل إن إحدى أشهر المجلات التي تكتب مثل هذه العبارات تصرح دائما أنها تخسر! فما الذي يدفع مخرجيها إلى تحمل الخسارة إذا المجلة تحقق لهم أهدافا هم إليها ساعون وفي سبيلها مضحون! تالله إنها لفرية عصرية أوحى بها شيطان من شياطين الإنس ليضل عن سبيل الله.

الذي دفعنا إلى هذه المقدمة الطويلة ما قرأناه مؤخرا عن الحديث المتجدد دائما عن صحيح البخاري وكتب الأحاديث الصحيحة الأخرى، ومحاولة أعداء ديننا النيل من هذه الصحاح حتى تهتز مكانتها في قلوب المسلمين الذين تلقوها بالقبول خلفا عن سلف طيلة أربعة عشر قرنا من الزمان..

والطريق التي يحاول أن يلج منها الطاعنون إلى أهدافهم هي السخرية من بعض الأحاديث لأنه بزعمهم خالفت العلم وناقضته أو لأنها بزعمهم أيضا لا توافق العقل والمنطق، والعقل والمنطق هنا عقلهم ومنطقهم.

والحقيقة التي يجب أن نثبتها هنا أن الأحاديث الصحيحة ستبقى صحيحة في اعتقاد المسلمين لسبب بسيط واضح هو أنها صادرة عن رسول لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والطريقة التي يجب أن تتبع مناقشة الأحاديث الصحيحة الثابتة هي أن نعرض العلم على الحديث فإن وافق العلم الحديث كان هذا العلم صحيحا وإلا أعدنا النظر فيما توصلنا إليه من فرضيات علمية أما الخطأ فهو أن نعرض الحديث على العلم، ووجه الخطأ في هذه الطريقة يكمن في أن الحديث الصحيح حقيقة إلهية ثابتة لا يتطرق إليها الشـك بينما العلم فرضيات قد تخطئ وقد تصيب، وطالما انتشرت فرضية علمية في زمن ما على أنها حقيقة لا مرية فيها ودافع عنها المدافعون وتعصب لها المتعصبون ثم اكتشف العلم نفسه أن ما كان قد توصل إليه واعتبره حقيقة قد أصبح خطأ عاش عليه سنوات وسنوات!

إذن فالعلم يعرض على الحديث الصحيح وليس العكس، هذه هي القاعدة الثابتة التي يجب أن لا تترك.

وحديث الذباب من الأحاديث التي دار حولها جدل عريض منذ أكثر من عشرين عاما، وعاد ليتجدد مرة أخرى على الرغم من ثبوت صحته بعد دراسات علمية دقيقة سنوردها تاليا، وهذا يدل على الأهداف الخبيثة والنيات السيئة لمن يثيرون الغبار حول حقائق الأحاديث الصحيحة ولأصحاب المجلات التي تفسح لمثل هؤلاء صفحاتها رغم علم أصحابها بخطل ما يزعمون وخطأ ما يكتبون.

وحديث الذباب رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء».

ففي عام ۱۳۷۸ هجرية ثار جدل حول هذا الحديث الشريف تزعم الطعن على الحديث الدكتور محمد توفيق صدقي وأيده آخرون زاعمين أن الحديث لا يوافق العقل والعرف!

وتصدى له علماء الحديث من أساتذة الأزهر ودافعوا عن صحة الحديث وبالتالي عن المعلومات التي وردت فيه، ثم وجه علماء الأزهر دعوة إلى العلماء من أبناء المسلمين ليبحثوا في المعلومات التي تضمنها الحديث من الناحية العلمية التجريبية.

وتصدى لهذا الأمر عالمان جليلان هما الدكتور محمود كمال والدكتور محمد عبد المنعم حسين وتوصلا إلى حقائق هامة بهذا الشأن ثم نشروا تقريرا ضافيا عن الموضوع أرى أن أثبته هنا لما فيه من جليل الفائدة وعظيم الأثر.

يقول التقرير: «كثر التعرض لهذا الحديث «حديث الذباب» وخصوصا من جانب أطباء مكذبين للحديث لعلمهم بأن الذباب ينقل العدوى والجراثيم الحاملة للمرض، ونحن نعلم أن من بين الأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما هو صحيح وما هو مكذوب، وكان على فقهاء الحديث أن يبينوا الصحيح ويستبعدوا المكذوب، وتمسك رجال الحديث والفقهاء والأعلام بصحة الحديث -موضوع البحث- لاستناده لثقة من الرواة وتمسك بعض الأطباء بالناحية الصحية وكذبوا الحديث وكنا نود أن يفهم الحديث على أسس ثلاثة:

1- عدم التعرض لصحة الحديث لأن هذا من اختصاص فقهاء الحديث والعلماء الذين درسوا العلم والحديث كيف يستبعدون الأحاديث المكذوبة.

2- محاولة البحث العلمي اعتراض صحة الحديث للوصول إلى حقائق أنبأنا عنها النبي عليه الصلاة والسلام.

3- عدم الخوض في موضوع مادة الحديث قبل الرجوع إلى المراجع العلمية الكافية عن الحشرات وعن طفيليات الحشرات، لهذا وجدنا بعد قراءة الموضوع والمجادلات المتبادلة بين الفريقين في الصحف والمجلات منذ مدة طويلة أن نحاول أن نرد الحق إلى نصابه ذلك أن بعضنا بعد قراءة آراء فقهاء الحديث عن صحة الحديث لم يتردد في تصديقه وحاول أن يرجع إلى المراجع العلمية التي تؤيد صحة الحديث

وقد جاء في المراجع العلمية أن الأستاذ الألماني «بريفلد» من جامعة هال بألمانيا وجد عام ۱۸۷۱م أن الذبابة المنزلية مصابة بطفيلي من جنس الفطريات سماها «امبوزاموسكي» من عائلة «انتوموفتر» على من تحت فصيلة «سيجومايسيس» من فصيلة «فيكو ميسيس» ويقضي هذا الفطر حياته في الطبقة الدهنية داخل بطن الذبابة على شكل خلايا خميرة مستديرة ثم يستطيل ويخرج على نطاق البطن بواسطة الفتحات التنفسية أو بين المفاصل البطنية، وفي هذه الحالة يصبح خارج الذبابة، وهذا الشكل يمثل الدور التناسلي لهذا الفطر، وتتجمع بذور الفطر في داخل الخلية إلى قوة معينة تمكن الخلية من الانفجار وإطلاق البذور خارجها ولهذا سيكون بقوة دفع شديدة لدرجة تطلق البذور إلى مسافة حوالي ٢ سم من الخليـة بواسطة انفجار الخلية واندفاع السائل على هيئة رشاش، ويوجد دائما حول الذبابة الميتة والمتروكة على الزجاج مجال من البذور لهذا الفطر ورؤوس الخلية المستطيلة التي يخرج منها البذور حول القسم الثالث والأخير من الذبابة على بطنهـا وظهرها وهذا القسم الثالث أو الأخير دائما يكون مرتفعا عندما تقف الذبابة على أي مسند لتحفظ توازنها واستعدادها للطيران، والانفجار كما ذكرنا يحدث بعد ارتفاع ضغط السائل داخل البناء إلى قوة معينة وهذا قد يكون مسببا من وجود نقطة زائدة من السائل حول الخلية المستطيلة وفي وقت الانفجار يخرج من السائل والبذور جزء من السيتو بلازم من الفطر كما ذكر الأستاذ «لنجيرون» أكبر الأساتذة في علم الفطريات في عام ١٩٤٥م. إن هذه الفطريات كما ذكرنا تعيش في شكل خميرة مستديرة داخل أنسجة الذبابة وهي تفرز إنزيمات قوية تحلل وتزيد أجزاء الحشرة الحاملة للمرض.

ومن جهة أخرى تم في سنة ١٩٤٧م عزل مضادة للحيوية بواسطة «ارنش تین» و«كوك» من إنجلترا و-بوروليوس- من سويسرا في سنة ١٩٥٠م تسمى «جافاسين» من فطر من نفس الفصيلة التي ذكرناها والتي تعيش في الذبابة وهذه المادة المضادة للحيوية تقتل جراثيم مختلفة من بينها جراثيم السالبة والموجبة لصبغة جرام وجراثيم الدوزنتاريا والتيفود. وفي سنة ١٩٤٨م عزل «بريان وتوروتيس وهيمانج وجيفيريس وماكجوان» من بريطانيا مادة مضادة للحيوية تسمى «كلوشينيزين» من فطريات من نفس فصيلة الفطر الذي يعيش في الذبابة وتؤثر على جراثيم السالبة لصبغة جرام من بينها جراثيم الدوزنتاريا والتيفود. وفي ١٩٤٩م عزل «كوكس وافارمر» من إنجلترا. و«جرمان وروس واثلنجر وبلانتر» من سويسرا مادة مضادة للحيوية تسمى «انياتين» من فطريات من نفس صنف الفطر الذي يعيش في الذبابة تؤثر بقوة شديدة على جراثيم جرام موجب وجرام سالب وعلى بعض فطريات أخرى ومن بينها جراثيم الدوزنتاريا والتيفود والكوليرا. ولم تدخل هذه المواد المضادة للحيوية بعد الاستعمال الطبي ولكنها فقط من العجائب العملية لسبب واحد وأنها بدخولها كميات كبيرة في الجسم قد تؤدي إلى حدوث بعض المضاعفات بينما قوتها شديدة جدا وتفوق جميع مضادات الحيوية المستعملة في علاج الأمراض المختلفة وتكفي كمية قليلة جدا لمنع معيشة أو نمو جراثيم التيفود والدوسنتاريا والكوليرا وما يشبهها.

وفي سنة ١٩٤٧م عزل «مفتيش» مواد مضادة للحيوية من مزرعة الفطريات الموجودة على جسم الذبابة ووجد أنها ذات مفعول قوي في بعض الجراثيم السالبة لصبغة جرام التيفود والدوزنتاريا وما يشبهها، وبالبحث عن فائدة هذه الفطريات لمقاومة الجراثيم التي تسبب أمراض الحميات يلزمها وقت قصير للحضانة وجد أن واحد جرام من هذه المواد المضادة للحيوية يمكن أن يحفظ أكثر من ألف لتر لبن من التلوث من الجراثيم المرضية المذكورة. وهذا أكبر دليل على القوة الشديدة لمفعول هذه المواد.

أما بخصوص تلوث الذباب بالجراثيم المرضية كجراثيم الكوليرا والتيفود والدوزنتاريا وغيرها التي ينقلها الذباب من المجاري والفضلات أو البراز من المرضى وهي الأماكن التي يرتادها الذباب بكثرة في مكان هذه الجراثيم يكون فقط على أطراف أرجل الذبابة أو في برازها وهذا ثابت في جميع المراجع البكتولوجية وليس من الضروري ذكر أسماء المؤلفين أو المراجع لهذه الحقيقة المعلومة.

ويستدل من كل هذا أنه إذا وقعت الذبابة على الأكل فستلزم الغذاء بأرجلها الحاملة للميكروبات المرضية للتيفود والكوليرا والدزنتاريا أو غيرها، وإذا تبرزت على الغذاء كما ذكرنا والتي تفرز المواد المضادة للحيوية والتي تقتل الجراثيم المرضية الموجودة في براز الذبابة وفي أرجلها توجد على بطن الذبابة ولا تنطلق من سائل الخلية المستطيلة من الفطريات والمحتوي على المواد المضادة للحيوية إلا بعد أن يلمسها السائل الذي يزيد الضغط الداخلي لسائل الخلية ويسبب انفجار الخلية المستطيلة واندفاع البذور والسائل

وبذلك يحقق العلماء بأبحاثهـم تفسير الحديث النبوي الذي يؤكد ضرورة غمس الذبابة كلها في السائل أو الغذاء إذا وقعت عليه لإفساد أثر الجراثيم المرضية التي تنقلها بأرجلها أو ببرازها، وكذلك يؤكد الحقيقة التي أشار إليها الحديث وهي أن في أحد جناحيها داء «أي في أحد أجزاء جسمها الأمراض المنقولة بالجراثيم المرضية التي حملتها» وفي الآخر شفاء وهو المواد المضادة للحيوية التي تفرزها الفطريات الموجودة على بطنها والتي تخرج وتنطلق بوجود سائل حول الخلايا المستطيلة للفطريات «1»

هذا التقرير الذي أثبتناه كله يدحض افتراءات المفترين. ويعمق إيمان المؤمنين، ويحقق معجزة من معجزات رسولنا «الأمي» صلى الله عليه وسلم.

وفي رد أنصار الدين الحنيف على هذه الافتراءات التي تكال للحديث الشريف وغيره من أسس الدين لا يصرفهم عن السير في طريق البناء لمستقبل أزهر للدين الذي ارتضاه الله للعالمين، والله متم نوره.

أحمد لطفى عبد اللطيف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

•التقرير نقلناه بنصه كما هو عن كتاب «الإمام البخاري محدثا وفقيها» تأليف الدكتور الحسيني عبد المجيد هاشم. وكان التقرير قد نشر في مجلة الأزهر الصادرة في رجب سنة ۱۳۷۸ هجرية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 18

120

الثلاثاء 14-يوليو-1970

الفكر في الصليبخات

نشر في العدد 242

141

الثلاثاء 25-مارس-1975

رؤية مَاذا يقصدُون؟

نشر في العدد 243

100

الثلاثاء 01-أبريل-1975

بريد المجتمع (243)