العنوان ماذا وراء الخط الحديدي بين كينيا وجنوب السودان؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مارس-1976
مشاهدات 93
نشر في العدد 293
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 30-مارس-1976
عندما احتل الاستعمار الإنجليزي البلاد السودانية عمد إلى إقامة حاجز سميك بين شمال البلاد ذي الطابع العربي الإسلامي وجنوبها حيث لا تزال الدعوة الإسلامية وعملية التعريب في بدايتها بين قبائله الوثنية. هذا الحاجز سمي بقانون المناطق المقفولة.
وبمقتضى هذا القانون تم فصل الجنوب إداريًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا، حيث وضع نظام للإدارة خاص بالجنوب في حين استقل نظام الإدارة في الشمال استقلالًا بلغ ذروته في إنشاء المجلس الاستشاري لشمال السودان ممثلًا للإدارات الأهلية الشمالية. كما أصبح التعليم في الجنوب خاضعًا لبرامج الإرساليات التبشيرية الأوروبية، وأقيم كيان اقتصادي منفصل غير متأثر بالاقتصاد القومي وغير مرتبط به تحت ستار الاكتفاء الذاتي.
وأصبح ممنوعًا على أي مواطن سواء من شمال البلاد أن يدخل جنوب وطنه إلا بإذن خاص من المراجع العليا في السلطة الإنجليزية. كما منع إنشاء مساجد أو التعامل باللغة العربية في الجنوب.
وكان من أبرز ما فعله الاستعمار في هذا الخصوص هو عدم ربط الشمال بالجنوب بأي خط من خطوط المواصلات التي تسهل الاتصال والانتقال بين جزئي الوطن، فالسكك الحديدية «وسيلة النقل الرئيسية» اقتصرت على مناطق الشمال وحده. كما لم تعبد أي طريق برية للسيارات علمًا بأن الطريق إلى الجنوب تكثر فيها الأنهار وتهطل فيها الأمطار طوال العام بغزارة كما تغطيها الغابات الكثيفة، وأصبحت وسيلة الانتقال الوحيدة هي الوسيلة البدائية القديمة.. استعمال المسالك المائية «نهر النيل» حيث تستغرق الرحلة من جنوب الخرطوم وحتى مدينة جوبا ٢١ يومًا، ويتعذر الاتصال بها بأنحاء الجنوب الأخرى.
كان الهدف من هذه السياسة هو عزل الجنوب عن الشمال وإقامة حاجز حضاري أمام الزحف الإسلامي العربي إلى الداخل الأفريقي. كما استهدفت هذه السياسة قيام قومية زنجية تدين بالمسيحية لتفصل بين عرب الشمال وإخوانهم المسلمين في شرق أفريقيا «كينيا وتنزانيا»؛ حتى يسهل استئصال الإسلام في تلك المنطقة والقضاء على العنصر العربي فيها.
(لاحظ مذابح زنجبار اللاحقة).
ومثلما أفلح الاستعمار في إقامة كيانات صليبية معادية للإسلام والعروبة في تنزانيا وكينيا وبقية الشرق الأفريقي بما فيه جزر المحيط الهندي.. أفلح أيضًا في إعداد جيل من خريجي الإرساليات في الجنوب شحنهم بالحقد على الإسلام والعروبة، وزرع في صدورهم حاجزًا نفسيًّا تجاه الشمال. من هؤلاء المتنصرين برزت القيادات السياسية لشباب الجنوب.. تلك القيادات التي قادت فتنة الانفصال منذ بدأت إرهاصات الاستقلال وحتى يومنا الحاضر.
وإن كان الإجماع القومي المستيقظ قد أفشل جميع مؤامراتهم التي حركتها الكنائس الغربية والاستعمار وإسرائيل على مر العهود الوطنية المتعاقبة، إلا أنهم وجدوا فرصتهم الآن بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا عام ۱۹۷۲.. حيث تسلموا الحكم في الإقليم الجنوبي وبدؤوا تنفيذ سياساتهم التي حلم بها الاستعمار ولم يتمكن من إقرارها حتى أيام الاحتلال.
وآخر ما أنجزه هؤلاء العملاء في غيبة الإرادة الوطنية هو إنشاء خط حديدي يربط بين جوبا عاصمة الإقليم وكينيا. وقد تم التوقيع على هذا المشروع بين الدولتين بعد أن زار أحد الوزراء الكينيين السودان في الأسبوع الماضي. وقد كان التبرير المصطنع من الجانب السوداني لإقامة هذا المشروع هو تخفيف العبء على ميناء بورتسودان في الشمال. ولكن الهدف واضح ومعروف وهو ربط جنوب السودان بالإدارات التي يسيطر عليها المسيحيون في شرق أفريقيا وعزله عن الشمال، وقطع الطريق على فكرة إنشاء خطوط مواصلات تربط جنوب السودان بالشمال. ثم ربط الاقتصاد الجنوبي بدول شرق أفريقيا خصوصًا فيما يتعلق بالصادرات والواردات.
وأبعد من ذلك هو إرساء هيكل أساسي مستقل لدولة الجنوب؛ حتى لا تعوقها مسألة الثغور والمنافذ عن إعلان الاستقلال مستقبلًا. وقد رأينا كيف ثارت ضجة كبرى حينما أعلن اتفاقية شق قناة جونقلي التي يساهم فيها المصريون. وانطلقت الشائعات عن الاستعمار المصري والعربي لجنوب السودان. وقامت فتنة عارمة في الإقليم اضطرت الحكومة إلى محاكمة ثلاثة من أعضاء مجلس الشعب الإقليمي تزعموا الحركة. وبالطبع كان الأمر مختلفًا بالنسبة للخط الحديدي الجديد.
لقد استطاعت الفئات السياسية السودانية عقب ثورة ١٩٦٤ أن تقدم حلًّا سياسيًّا مقبولًا لدى الجنوبيين والشماليين، يرضي المطالب الإقليمية العادلة ويحفظ وحدة البلاد، وعاد بموجبه حزب «سانو» الذي كان يقود حركة الانفصال في الخارج إلى داخل البلاد يمارس نشاطه ضمن الفئات السياسية الوطنية الأخرى. وقد ثبت ذلك الحل في صلب مسودة دستور عام ١٩٦٧.. التي قبل بها حزب «سانو» وأحزاب جبهة الجنوب الأخرى على الرغم من التزامها الإسلامي الصريح.. وذلك لأنهم اقتنعوا بالضمانات التي قدمتها لهم، وللأسف جاء النظام الجديد عام ١٩٦٩ ليزايد على انتصار القوى السياسية الوطنية بمنح عملاء الكنائس صلاحيات انفصالية بدأت تؤتي ثمارها الآن، وللأسف الشديد لم تقضِ على النزعة الانفصالية حتى في صورتها القديمة- الحرب الأهلية- فها هي الأنباء تتواتر عن عودة «قوات الأنانيا» إلى الغابة، وها هي الجبهة الوطنية لتحرير جنوب السودان تقيم معسكرات التدريب في الدول المجاورة وتفتتح المكاتب في العواصم الأوروبية.
وقد تدهورت العلاقات مع الدول المجاورة- أثيوبيا ويوغندا- إلى درجة خطيرة في نفس الوقت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل