; ماذا وراء التغييرات الجديدة في القيادة السوفييتية؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا وراء التغييرات الجديدة في القيادة السوفييتية؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1985

مشاهدات 59

نشر في العدد 724

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 09-يوليو-1985

  • غورباتشوف يطمح في ضبط «الكتلة الشرقية» والتنسيق مع الكتلة الغربية.
  • القيادة السوفييتية تقوي قبضتها في الداخل وتمد يدها للخارج.

مثلما يتطلع بعض العرب إلى البيت الأبيض كل خمس سنوات على أمل أن تفرز الانتخابات الجديدة قيادة قادرة أو راغبة في حل مشاكلهم الكبرى وفي مقدمتها المشكلة الفلسطينية فإن عرب روسيا أو المتذبذبين بين الروس والأمريكان يتطلعون إلى الكريملين لحل مشاكلهم الكبرى وفي مقدمتها المشكلة الفلسطينية، أو على الأقل الإسهام في حل هذه المشكلة حلًا دائمًا وعادلًا! 

ولكن هذا الحل المأمول لم يتحقق لا من الغرب ولا من الشرق ولا منهما معًا، وظل العرب المستغربون منهم والمستشرقون يعانون من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخلقية التي أسهم الغرب والشرق كلاهما في صناعتها بالإضافة إلى عوامل ذاتية تتعلق بغياب الوعي للذات العربية الإسلامية التي تتميز بالأصالة والحيوية والنقاء؛ لأن هذه الذات قامت أساسًا على منهج رباني فيه الخير كل الخير والعزة كل العزة والسعادة كل السعادة لنا في الدنيا والآخرة  ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.(الدخان:39)

من هذه المقدمة ندخل إلى ما طرأ من تغيير على القيادة السوفييتية مؤخرًا حيث أقصى «غريغوري رومانوف» المنافس الأول للزعيم السوفييتي «ميخائيل غورباتشوف»، ثم صدرت بعد ذلك سلسلة من القرارات تم بموجبها فصل رئاسة الحزب عن رئاسة الدولة حيث ظل «غور بتشوف» رئيسًا للحزب بينما أصبح «أندريه غروميكو» رئيسًا للدولة، وأسندت وزارة الخارجية إلى «إدوارد شيفار نادرة» بينما ظل «نيكولاي تيخونوف» رئيسًا للوزراء، وعين كل من «فلایمیر أورلوف» و «بيان فاغرس» نائبين الزعيم السوفييتي «غورباتشوف».

وكان «غورباتشوف»قد ألقى خطابًا في اجتماع مجلس السوفييت الأعلى الذي تمت فيه هذه التغييرات قال فيه: من المعروف أنه منذ عام ۱۹۷۷ أصبح الأمين العام للحزب يشغل منصب رئيس الدولة، وبسبب ظروف الفترة السابقة كان لذلك مبرراته، وفي الظروف الراهنة ونظرًا لمهام المرحلة الجارية فإن الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب اعتبر أنه من الأفضل أن يركز الأمين العام قواه وإمكاناته لقيادة جهاز الحزب ونظرًا لكل هذا فإن اللجنة المركزية وهيئة رئاسة مجلس السوفييت الأعلى قد كلفتني بأن أقدم إليكم اقتراحًا بانتخاب «أندريه غروميكو» رئيسًا لهيئة رئاسة مجلس السوفييت الأعلى وإعفائه من جميع مناصبه السابقة لما يتمتع به من سمعة دولية واسعة، فإن غروميكو معروف في بلادنا وخارجها كسياسي بارز وأحد قدماء الحزب، وقد ساهم بقسط كبير في تحقيق سياسة الدولة والحزب، ويملك خبرة فنية ومعارف واسعة ولدينا جميع الأسس لاعتباره مؤهلًا كامل التأهيل لممارسة مسئولياته الجديدة بمنصب رئيس الدولة السوفييتية وأكد «غورباتشوف»على أن تصبح مجالس السوفييت قوة فعالة لتحقيق البرنامج الغذائي، وأن تسعى إلى زيادة بضائع الاستهلاك اليومي وتحسين نوعيتها، وأن تعمل على تلبية الحاجات المعيشية ومراقبة فعالية الجهاز الإداري، وتحقيق العدالة الاجتماعية ونشر الديمقراطية.

ومن المعروف أن الاتحاد السوفييتي أصبح في السنوات الأخيرة يعاني من التسيب الوظيفي ومن مشاكل الهجرة الداخلية ومن انتشار الإدمان على شرب الخمور بشكل مزعج فأصبح من المألوف أن يحتجز الشرطة أحد المخمورين وهو يتأرجح في الشارع أثناء قيادته السيارة وأن يوقفوه في المخفر لحين عودة الوعي إليه ثم يطلقون سراحه معززًا مكرمًا، وأصبح من المألوف أن تجد العاملين والعاملات في الوظائف العامة وهم يتناولون الفطور «الثاني» الساعة الحادية عشرة صباحًا، ولا يستطيع المراجع أن يطلب منهم إنجاز معاملته قبل الانتهاء من الفطور.

 ولم يكن إبعاد «رومانوف» كما قال البيان السوفييتي لأسباب صحية ولكن بالإضافة إلى أنه كان من المدمنين على شرب الخمر ومن المعارضين لمنعه فإنه كان أيضًا من المعارضين للتقارب مع الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة لأن هذا التقارب في نظره سيكون على حساب الاتحاد السوفييتي ولصالح الغرب.

ولقد صدرت ردود فعل مختلفة، وتعليقات متباينة تفسيرًا لهذه التغييرات وتوقعًا لما هو آت، وكانت ألمانيا الغربية أكثر المهتمين والمعلقين على هذا التغيير فقد بثت محطات التلفزيون والإذاعة الألمانية الغربية برامج خاصة عن هذا التغيير وأجمع المعلقون والمراقبون في الأوساط الرسمية في بون على أن إبعاد «غروميكو» عن وزارة الخارجية وتعيين «شيفار نادزة» غير المعروف في الغرب في هذا المنصب يجسدان عزم الزعيم السوفييتي «غورباتشوف»على أن يمسك بزمام الأمور في الداخل والخارج بنفسه، وقال التلفزيون الألماني: أن انتخاب «غروميكو» رئيسًا للدولة السوفيتية كان الطريقة الذكية الوحيدة «لغورباتشوف» للتخلي عن هذا السياسي- يقصد غروميكو- الذي سيطر منذ ما يقرب من ثلاثة عقود- وبالتحديد ٢٨ سنة على السياسة الخارجية للبلاد، الأمر الذي يؤكد- حسب رأي المراقبين في بون- عزم «غورباتشوف»على رسم سياسة الخارجية الخاصة وتوجيهها بواسطة رجل من أتباعه والمقربين إليه، والمقصود به شیفا نادزه وزير الخارجية الجديد. 

وأضاف التلفزيون الألماني الغربي قائلًا أن «غورباتشوف» قد تنازل جزئيًا عن الانفراد بكل المناصب القيادية في الكريملين وحرص على الفصل بين قيادة الحزب والدولة إلا أنه نجح بهذه الاستراتيجية في تعزيز مركزه ونفوذه أكثر من أي وقت مضى في قيادة الكريملين ولا سيما بعد تصفية خصمه اللدود «رومانوف» سياسيًا.

وإذا كان إعفاء «رومانوف» الذي يبلغ من العمر ٦٢ سنة من جميع مناصبه أمرًا منطقيًا وطبيعيًا وهو الذي نافس «غورباتشوف» مرتين على زعامة الاتحاد السوفييتي، المرة الأولى بعد وفاة «أندروبوف» والمرة الثانية بعد وفاة «تشيرنينكو» فإن إعفاء «غروميكو» الذي يبلغ من العمر ٧٥ عامًا لم يكن سهلًا سيما وأن الأخير قد وقف مع ترشيح «غور بتشوف» لرئاسة الحزب. 

كما أن غروميكو هو أقدم وزير خارجية في العالم عرف وتعامل مع جميع رؤساء الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية وشارك في أهم المؤتمرات الدولية وأهمها مؤتمر طهران ومؤتمر بالطا ومؤتمر بوتسدان والمؤتمر الذي أدى إلى إنشاء منظمة الأمم المتحدة، كما أنه يتمتع بدعم قوي داخل المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي، وهكذا تخلى «غور باتشوف» عن طموحه برئاسة الدولة ليبعد غروميكو إلى فوق  «TO KICK HIM UP»عن طريق إعطائه هذا المنصب الفخري.

وحتى يضمن «غورباتشوف»سيطرته على السياسة الخارجية اختار «إدوارد شیفار نادزه» ويبلغ من العمر ٥٧ عامًا ليصبح وزيرًا للخارجية، وعلى الرغم من أن الوزير الجديد ليست لديه خبرة بالشؤون الخارجية إلا أنه وثيق الصلة بالزعيم السوفييتي كما أنه على علاقة متوترة وحذرة مع «فروميكو» وقد حرص «غورباتشوف» على دعم «شيفار نادزه» بتعيينه عضوًا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي قبل يوم واحد من اختياره وزيرًا للخارجية، وهو من ولاية جورجيا موطن ستالين وقد كان يشغل وزير الداخلية في هذه الولاية «الجمهورية» وقد عرف عنه الحزم حيث أنه أعلى بعض الكوادر من مناصبهم في جورجيا بسبب التقصير في العمل وعدم الالتزام بسلوك الحزب والدولة وعدم احترام مبادئ الحزب، كما أنه أعدم عددًا كبيرًا من الأشخاص رميًا بالرصاص لارتكابهم جرائم اقتصادية كما أعدم عام ١٩٨٢ تسعة من شباب جورجيا لمحاولتهم اختطاف طائرة تابعة للخطوط الداخلية، وكانت هذه المحاولة قد أدت إلى مقتل سبعة أشخاص.

خلاصة القول إن «غورباتشوف» أراد ترتيب أوضاع البيت داخل الاتحاد السوفييتي بحيث يتخلص من منافسيه ويمسك بزمام الأمور بقوة توطئة لإعادة ترتيب علاقة الاتحاد السوفييتي بالخارج، ويرى بعض المراقبين السياسيين أن تماسك دول الكتلة الشرقية من أولويات السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي التي يوليها «غور باتشوف» اهتمامًا زائدًا فيما يطلق عليه اسم «الدولية الاشتراكية» وهو طموح سوفييتي قديم لقيادة العالم، وقد وصف «غورباتشوف» في مناسبات عديدة اعتماد النظريات الاقتصادية القائمة على العرض والطلب بأنها خيانة للمجتمعات الاشتراكية.

ومع ذلك فإن «غور باتشوف» يدعو إلى التخلي عن نظام الكتلتين بزعامة واشنطن وموسكو، ولذلك عرضت موسكو مؤخرًا على رابطة السوق الأوروبية المشتركة إعادة إحياء المفاوضات الاقتصادية مع دول مجلس تبادل المساعدة الاقتصادية «كوميكون».

ولذلك أعلن رسميًا في موسكو يوم 2\7\1985 أن الزعيم السوفييتي سيقوم بزيارة رسمية لفرنسا في الفترة ما بين 2-5 أكتوبر «تشرين الأول» المقبل.

ومن جهة أخرى فقد أعلن في كل من موسكو وواشنطن عن اجتماع قمة بين «غورباتشوف» وريغان يومي ۲۰-۱۹ نوفمبر «تشرين الثاني» المقبل. وقال «شولتز» إن هذه القمة ستكون في جانب منها لقاء تعارف، ولكن أفضل أسلوب للتعارف هو المناقشة الجادة والموضوعية للقضايا الرئيسية مثل الحد من التسلح وحقوق الإنسان وأفغانستان وقضايا الشرق الأوسط التي تشمل لبنان والقضايا العربية الإسرائيلية والحرب العراقية- الإيرانية ومشاكل الخليج، وأضاف قائلًا إن المهم هو السيطرة على عنصر الضرر عبر المنافسات والمشاركة في المعلومات.

 وفي برقية بعثت بها هيئة مجلس السوفييت الأعلى إلى الرئيس الأمريكي يوم 4\7\1985 بمناسبة عيد الاستقلال الأمريكي جاء «أن الاتحاد السوفييتي مستعد للتعاون المثمر والمتكافئ مع الولايات المتحدة لما فيه مصلحة الدولتين وخير البشرية» وقالت وكالة ناس السوفييتية: «إن الاتحاد السوفييتي يعرب عن الأمل لإقامة علاقات مستقرة بناءة مع الإدارة الأمريكية».

إذا، فسياسة الوفاق بين روسيا وأمريكا قادمة بل هي قائمة وما جرى الاتفاق عليه في «بالطا» من توزيع لمناطق النفوذ. ما زالت شعوب «العالم الثالث» تعاني منه حتى اليوم سواء في آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية.

وأما حقوق الإنسان ومقاومة الإرهاب الذي تحدث عنه شولتز فليست إلا يافطات تخفي وراءها النوايا العكسية لكل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة فلن يحصل الشعب الفلسطيني ولا الشعب الأفغاني على حقوقه من وراء اجتماع القمة السوفييتي الأمريكي بل إن الدب الروسي والفيل الأمريكي يجتمعان لإعادة توزيع الغنائم  وسلب مزيد من الحقوق من الشعوب المستضعفة ونشر مزيد من الإرهاب المتمثل في أنظمة مستبدة وكيانات عنصرية تؤمن لهما- الدولتين الكبريين- مزيدًا من الهيمنة والظلم، فهل تعي شعوب «العالم الثالث» هذه الحقائق؟ وهل تتدارك الأمر أمة الإسلام؟

الرابط المختصر :