; ماذا قالوا بالشهيد عبد الله عزام؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا قالوا بالشهيد عبد الله عزام؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1989

مشاهدات 66

نشر في العدد 944

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 05-ديسمبر-1989

تلقت المجتمع عددًا كبيرًا من الكلمات والمقالات من قادة العمل الإسلامي في العالم.. حول استشهاد المرحوم الدكتور عبد الله عزام الذي نال مبتغاه في الشهادة ظهر يوم الجمعة ٢٥ من ربيع الثاني ١٤١٠هـ وفي هذا العدد ننشر بعض تلك الكلمات والرسائل وذلك كما يلي:

المرشد العام للإخوان المسلمين:

الشهيد مضى في سبيل إعلاء كلمة الحق وقتال أعداء الدين من المستعمرين المعتدين

المرشد العام للإخوان المسلمين محمد حامد أبو النصر وإخوانه ينعون إلى العالم الإسلامي فضيلة الشيخ عبد الله عزام الذي لقي ربه شهيدًا ومعه ولداه محمد وإبراهيم وأحد مرافقيه نتيجة حادث غدر نسفت فيه سيارته قبيل صلاة الجمعة الأخيرة من شهر ربيع الآخر.. ندعو الله أن يتقبلهم شهداء في سبيل إعلاء كلمته، وأن يتقبل منهم جهادهم وبذلهم وأن يفسح لهم في جناته وأن يلهم ذويهم الصبر والاحتساب، كما نسأله تعالى أن يحقق للجهاد الأفغاني النصر المؤزر- إن شاء الله.

وقد أبرق فضيلة المرشد العام إلى الأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة مراقب عام الإخوان المسلمين في الأردن برقية التعزية التالية.

فضيلة الأخ محمد عبد الرحمن خليفة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

تلقينا ببالغ الأسى نبأ العدوان الغادر الآثم الذي أودى بحياة الأخ المجاهد الشهيد د. عبد الله عزام وولديه ومرافقيه، وهم الذين بذلوا كل غال في سبيل إعلاء كلمة الحق وقتال أعداء الدين من المستعمرين المعتدين. نسأل الله أن يتقبلهم مع الشهداء الأبرار والصالحين في أعلى درجات الجنة ولكم ولأسر الشهداء الأبرار وللإخوة جميعا خالص عزائي وجميع إخواني.

محمد حامد أبو النصر

المرشد العام للإخوان المسلمين

حركة حماس

أرض الإسراء عرفت الشيخ عزام مجاهدًا صادقًا في قواعد الشيوخ بغور الأردن

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (آل عمران:196).

تنعى حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في فلسطين إلى العالم العربي والإسلامي العلامة الداعية المجاهد الدكتور عبد الله عزام الذي قضى شهيدًا هو وفلذتا كبده بعملية اغتيال مدبرة في مدينة بيشاور الباكستانية يوم الجمعة ٢٤ نوفمبر ١٩٨٩.

ولئن كان استشهاد الشيخ المجاهد قريبًا من أرض الجهاد في أفغانستان المسلمة وليس على أرض الإسراء في فلسطين التي أحبها وجاهد لتحريرها حين تيسر أمر الجهاد فإن ذلك عائد إلى الحصار الذي يعاني منه المجاهدون خارج فلسطين للحيلولة بينهم وبين أعداء الله من بني يهود من جهة، ورمزًا لوحدة الهم الإسلامي في كل أنحاء العالم من جهة أخرى. ولقد عرفت أرض الإسراء الشيخ عزام مجاهدًا صادقًا في «قواعد الشيوخ» في غور الأردن أعوام 68، 69، 70 وقد استشهد الشيخ ونفسه تهفو إلى الجهاد في فلسطين التي بقي معها ومع مجاهديها بقلبه ولسانه وقلمه، فكتب- رحمه الله- كتابه الأخير «حماس- الجذور التاريخية والميثاق» نصرة لإخوانه في «حماس» وحرصًا على إبقاء فلسطين متربعة على عرش قلوب المجاهدين في كل مكان.. ولقد قال الشيخ المجاهد رحمه الله- قبل استشهاده في مقابلة صحفية معه بأن من أسباب الهجوم عليه شخصيًّا: أن اليهود يعلمون أنني فلسطيني وهم يخشون أن ننقل المعركة إلى بيت المقدس- إن شاء الله- مع جند الله الذين خاضوا أشرس المعارك حول جلال آباد وقندهار وسواها من المدن الأفغانية.

إن الشيخ المجاهد لم يمت- كما ظنت يد الغدر التي امتدت إليه- فقد ترك خلفه جحافل من المجاهدين الذين رباهم على عينه وتركهم أشواكًا في حلوق الكفرة والظالمين.

إن حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في فلسطين وهي تحتسب عند الله شهداءها وفي مقدمتهم المجاهد الشيخ عبد الله عزام لتعاهده سبحانه على مواصلة الجهاد لتحرير فلسطين كل فلسطين والتي كان تحريرها من أجل أهداف الشيخ الشهيد وأغلى أمانيه.

رحمه الله ومن معه رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

حركة المقاومة الإسلامي «حماس» فلسطين

كامل الشريف: الدور الذي قام به الشهيد عزام كان أكبر من الحزبيات والتقسيمات

لقيته قبل أسبوعين في الكويت خلال اجتماع الهيئة الخيرية الإسلامية، وعند بحث القضية الأفغانية استأذن في الحديث لدقائق معدودة، لكنه تحدث حديث العارف المشارك الملم بالدقائق والتفاصيل، تحدث في جذور القضية التاريخية وملابساتها الدولية ووضع القوى المتحاربة في الصراع الكبير، وأثر ذلك كله على مستقبل الإسلام، ظل يهدر حتى كاد يبكي الأعين وهو يروي أحداثًا أقرب للمعجزات، وكأنه يقص أخبار السلف الصالح الذي يقبل على الموت كما يقبل الناس على الحياة، وكلما أراد أن يسكت طلب المستمعون منه المزيد.

كان عبد الله عزام صورة للجهاد الأفغاني في كل شيء حتى في الزي المميز، واللحية الكثة، والعيون المتقدة التي تحمل العزم والتصميم، وهي صورة شارك هو في صنعها خلال أعوام طويلة حين هجر الوطن وانضم إلى الجهاد الأفغاني في أيامه الأولى حين كان المجاهدون حفنة من المثاليين العالمين وكان سلاحهم الخناجر والبنادق القديمة، وكان العالم كله يندد بالعصابة التي تحارب أعظم جيوش العالم الحديث الصورة القديمة التي نقرأها في كتب التاريخ عن الرعيل الأول الذي جاب هذه الأقطار في جيش قتيبة الباهلي، أو محمود الغزنوي رجال ارتبطت قلوبهم بالسماء فلم يلقوا بالًا لما تزخر به الأرض من العقبات والصعاب طلبوا الشهادة فأعطاهم الله عز الدنيا والآخرة.

لا أريد أن أتحدث عن الملابسات السياسية والعسكرية للقضية الأفغانية فلذلك مجال غير هذا المجال، ولكن يشدني للحديث هذا النموذج الإنساني الفذ الذي مثله الشهيد الغالي أصدق تمثيل والذي يستحق إحناء الرأس من الخصم قبل الصديق.

في الصيف الماضي كنت في بيشاور أساهم في تنظيم الإغاثة للاجئين الأفغان، وفي طريقي للاجتماع لقيت عبد الله عزام مدججًا بالسلاح مع كوكبة من المجاهدين قلت له: أريد أن أراك قال: تعال معنا إلى جلال آباد أو انتظرني حتى أعود من المعركة، ثم أشرق وجهه بابتسامة عريضة صافية مردفًا: أو في الجنة، أمنية صادقة ورجاء.. لم يخب، وسعي مبرور وصل به حيث أراد.

في حديثي مع قادة الجهاد الأفغاني أدركت ضخامة الدور الذي يقوم به عبد الله عزام؛ كان أكبر من التقسيمات والحزبيات لقد جعله تجرده وصفاؤه موضع الثقة والمرجح الحكيم حين تثور الخلافات والحزازات.

لقد استوعب هذه القضية وأخلص لها وتفانى فيها وباع نفسه لله ابتغاء الجنة والرضوان، ولكي يبرم الصفقة ويضمن القبول وضع معه ولديه: محمدًا وإبراهيم في كفة الميزان.

حين يكتب تاريخ الحرب الأفغانية، وتظهر رموزها الكبيرة، سوف يسجل اسم عبد الله عزام أستاذ الجامعة الأردنية كأبرز الرواد الذين نفخوا في الشرارة الخافتة حتى أصبحت حربًا تحريرية شاملة، ثم دعا إلى نصرتها بمنطقه المؤمن وحجته البليغة، قبل أن يشارك فيها بالسلاح، ويقدم دمه وفلذات كبده على ساحات الشرف والجهاد.

قلب الدين حكمتيار:

عهدًا لله ولأسرة الشهيد لنثأرن للشهيد عزام

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (آل عمران:196).

لقد تلقينا بحزن عميق وأسى بالغ نبأ استشهاد الشيخ الدكتور عبد الله عزام العالم الجليل مع أنجاله: محمد وإبراهيم، وذلك عن طريق تفجير سيارته بلغم زرعته يد الخيانة والغدر والمؤامرة على الإسلام والمسلمين وجهادهم؛ ذلك الرجل الشريف الذي شارك بنفسه إخوانه المجاهدين على جبهات القتال وعمل مخلصًا لجمع كلمتهم وتوحيد صفوفهم حتى ينصرهم الله على طواغيت الأرض وكان ينتظر إقامة الدولة الإسلامية في أفغانستان ويجني ثمار النصر.

لقد أحزن استشهاد هذا الشيخ الجليل كافة إخوانه المجاهدين والمهاجرين الذين يعلمون أن يد الخيانة والغدر والمؤامرة على الإسلام والمسلمين لن تنتهي أبدًا. وصدق الله العظيم القائل ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا  (البقرة:217). إن جريمة الاعتداء على الشيخ عبد الله عزام هي اعتداء على الإسلام والمسلمين ولله عهد أن هذه الجريمة البشعة لن تمر دون عقاب ونحن نؤمن بقضاء الله وقدره ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (التوبة:51). لقد عاهد الشهيد رب العالمين أمام الناس جميعًا أنه لن يخرج من هذه الأرض إلا بعد انتصار الإسلام أو أن يموت شهيدًا ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23) صدق الله العظيم.

عهد لله ولأسرة الشهيد الطاهرة الكريمة مرة أخرى لنثأرن لشهيدنا والله نسأل أن يسكنه فسيح جناته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.

قلب الدين حكمتيار

أمير الحزب الإسلامي بأفغانستان

عرفتك متجردًا.. صادق اللهجة

بقلم: د. إسماعيل الشطي

وداعًا أبا محمد.. وداعًا لا لقاء بعده إلا أن يشاء الله في الحياة الأخرى.. وداعًا والفراق صعب.. وقد حققت ما تريد وما تصبو إليه.. لقد كنت تتطلع إلى الشهادة ونحن نتطلع إلى الدنيا.. حملت روحك على راحتيك تسوقك إلى أرض المسرى أرض فلسطين ورغم القنابل والرصاص.. والكر والفر.. والهجوم والدفاع.. والنجاح والإخفاق.. إلا أن الشهادة تمنعت ولم تزف نفسها إليك.. ولولا الخيانات العربية لربما ظفرت بها على أرض المسرى.. وما زلت أذكرك على هضاب إربد وجبالها.. وبين كهوفها وصخورها.. وفي الأغوار.. وعلى ضفاف اليرموك.. ترتدي «الكاكي» وتحمل الكلاشينكوف ومصحفك الذي لا يفارقك، في جيب صدرك.. وما زلت أشعر بصلابة يديك تمسك يدي وتعلمها كيف أسدد.. وكيف «أقنبل».. وكيف أرش.. وما زلت أذكر دمعاتك المنسابة على لحيتك تبكي فراق الشهداء من إخواننا أثناء عملياتهم.. وأذكرها عند وقفاتك مع كتاب الله أمام صور الفزع الأكبر والوقوف بين يدي الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

وتمضي الأيام لنلتقي مرة أخرى على أرض الكنانة.. يوم أن أوصدت أبواب الجهاد في فلسطين وأغلقت الأرض أمام مقاتليها.. وغدت القضية في المحافل والمجالس وبين الساسة وأهل الكلام الجدد..

يومها قررت أن تستزيد من العلم والفقه وتحمله كما حملت السلاح.. والتقينا من جديد في «قاهرة المعز» يوم أن كانت قابعة تحت طغيان مراكز القوى.. وكان أهل الحق سكان السجون.. ومضينا إخوة على نفس الطريق.. يوم كنا على قلب وفكر وحركة واحدة.. لم نبال بالمكر الرسمي المحيط بنا.. ولم يعقنا من إسعاف أسر الدعاة وإعانتهم.. ورغم أن ذاك الدرب كان مخيفًا إلا أن إقدامك المعهود على أرض المسرى واندفاعي المعروف لم يدع فينا ترددًا.. كما أن ثقتك المتينة بالله لم تترك في صدرك خشية أو رهبة من سلطان.. ومضينا خمسة أعوام على نفس الطريق.. وتعلمنا الكثير.. عاندتنا الأيام تارة.. وحفرنا جدرانها الصماء بأظافرنا تارة.. وكان تعاملك المميز مع ربك يأسرنا جميعًا.. وكانت لغة الإيمان التي تعبق من كلامك تخجلنا، وأحيانًا تعري ما بأنفسنا.. ما زلت أذكر الصغار من أبنائك فاطمة ووفاء ومحمد الذين كنت أسميهم «غنماتي» ألاعبهم.. أداعبهم.. وما زلت أذكر محمدًا ابنك الذي كنا نسميه «أبا ذر» وطريقة افتراسه الدجاج والتهامه الرز وكان موضع دعابتنا «رحمه الله» وكنت ترسلهم إلىَّ أحيانًا وتقول خذ غنماتك وما زلت أذكر انبهاري بحفظهم لسور القرآن رغم صغر أعمارهم.. ولقد كان محمد يردد عبارات لسيد قطب دون أن يدري معناها.

وقضينا سنوات مع آل قطب وآل الهضيبي وأحيانًا مع الحاجة زينب الغزالي وكنا نتعلم الصلابة والتحدي والصمود من تلك البيوت.

وافترقنا من جديد.. وغدا كل إلى دنيا وأنت كنت دائمًا في دنيا يريدها الله.. وامتدت السنوات نلتقي فيها مرات متفرقات؛ ترانا نأينا وابتعدنا.. ونراك ثابتًا لم تبتعد.. صادقًا لم تتبدل.. صلبًا لم تلن.. وكان ثمن ذلك أن أغلقت أبواب الرزق في وجهك فذهبت إلى الأرض الحرام.. إلى موطن الرسول- صلى الله عليه وسلم.. تعلم هناك.. وتستزيد.. ولكنها فترة لم تطل حتى برقت لك فرصة كانت حلمًا يسود نومك وأملًا يملأ يقظتك.. الجهاد في سبيل الله.. هناك في أفغانستان ورحلت لم تكن تدري أن الشهادة عروس أفغانية تنتظرك هناك.. رغم أنك كنت تريدها فلسطينية.. ولم ترحل لوحدك بل رحلت معك المرأة الطيبة «أم محمد» حاملة أولادها الذين تجاوزوا «عشرة أبناء» وصحبت معها والدك ووالدتك ليقفوا وراء جهادك هناك.. وظللت تعدو وراء الشهادة، والشهادة أكثر سبقًا منك.. ويوم أن وضعت يدك عليها كانت أيادي محمد وإبراهيم تسبقانك إليها..

واليوم رحلت يا أبا محمد.. وبقينا في هذه الدنيا بكل أدرانها التي تعلمها.. والتي تتوق لها أنفس القاعدين.. لقد نلت ما كنت تتمنى.. وصنعت الخاتمة التي تريد.. ومضيت وبقينا ننتظر خاتمتنا المجهولة.. إني أشهد الله أنني لا أعرف بين من عرفت أكثر تجردًا منك ولا أزكي على الله أحدًا.. وإنني لا أعرف لهجة صادقة أصدق من لهجتك.. وإنني لأستحي منك وأنا أودعك.. فأنت من القلة.. ونحن من الكثرة.. ونسأل الله ألا يجعلنا من الغثاء.. الوداع يا عبد الله.. الوداع يا أبا محمد.

جاسم مهلهل الياسين :

تلقينا نبأ استشهاد الشيخ عبد الله عزام بمزيد من الألم الذي يعتصر القلوب

إنا لفراقك يا أبا محمد لمحزونون

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعد

فقد قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:169-171).

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التوبة:20- 22).

وقال تعالى: ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء:٧٤).

بمزيد من الألم الذي يعتصر القلوب والأفئدة ويفتت الأكباد تلقينا نبأ استشهاد الشيخ الداعية المجاهد عبدالله عزام الذي عرفته مجاهدًا أينما حل في بيته في درسه، في حبه في بغضه في هزله في جده مجاهدًا في كل شأنه.

قاد الكتائب في زمان باسر

فيه اعتلى الطغيان فوق الأربع

تآمرت زمر الطغاة لوأده

بالمكر والغدر الخسيس الأبشع

قد ضم إلى سفر الجهاد صحائفًا

حلت من الأمجاد أسمي موضع

هذه هي صورته التي رسمت في نفسي منذ أول يوم التقيت به- رحمه الله- في أغوار الأردن منذ عشرين عامًا، قلت: من صاحب الوجه الأنور هذا؟ وإذا به الشيخ المجاهد عبد الله عزام. لقد أصبحت الشهادة في سبيل الله ضالته وغايته بحث عنها في كل خندق وفي كل ميدان وأخيرًا وجدها.

نلتها يا أبا محمد- إن شاء الله- تفضلًا من الله ومنة. ثم لم لا تفارق وقد فارق من هو أعز؟ أنبياء الله جاءوا بالبينات طاهرة نقية، فجاهدوا بدين الله حق جهاده حتى أتاهم أمر الله: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23).

تبكي الديار لفارس يحنو لها

ويغيظ كل مطاول ذي مطمع

لقد كنت يا أبا محمد جبهة من جبهات القتال وحدك، بدأت وحدك وإذا اليوم ساحة الجهاد الأفغاني في كل بقعة بها مجاهد من بلاد العرب. فلقد حفظت العهد غير مفرط

وتركته في القوم غير مضيع

نعم.. لقد أحسنت حين أخذت طريق الجهاد طريقًا للموت، كما اتخذت طريق العلم طريقًا للحياة، وبلغت أقصى مراتب الحياة والآخرة فإن كان مداد العلماء يوزن بدم الشهداء فيرجح، فمدادك ودمك واحد ولن توفيك حقك موازين الأرض كلها، ولن يوفيك إلا ميزان السماء.

وإننا إذ نبكيك اليوم بحكم الحب الذي بيننا ونسأل الله أن يجعلك في عليين، فسنبكي أنفسنا وإخواننا العرب في أفغانستان، لذهاب أستاذ ومجاهد وقائد ومربي، والرجال في الناس قليل فأسأل الله أن يعوضنا ويجبر كسرنا في الدنيا ويجمعنا وإياك مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا. ولا نقول إلا ما قاله نبينا- صلى الله عليه وسلم: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون».. إنا لفراقك يا أبا محمد لمحزونون.. وموعدنا الجنة- إن شاء الله- تحت لواء سيد المرسلين- صلى الله عليه وسلم- وأنتم يا شباب الدعوة ورجالها، ما أجدركم بأخذ العظة والعبرة من هذا الدرس الأليم الذي تلقيناه بوفاة الشيخ عبدالله عزام رحمه الله. فهل ترص الصفوف وتنبذ الفرقة، وتتوحد الكلمة حتى يعلو لا إله إلا الله في كل مكان وينام شهداؤنا وقد قرت عيونهم وتحققت غايتهم في الدنيا والآخرة إنا مؤملون..

عبدالرحمن عبدالخالق:

الحرب الاعلامية التي شنها عبد الله عزام على الأعداء تعادل الحرب العسكرية

تعجز كلماتي أن تصور الخطب الفادح الذي منيت به الأمة الإسلامية بمقتل بطل من أبطالها الأفذاذ، وهو المجاهد عبد الله عزام.. عرفته طالبًا مجدًّا ومجتهدًا في الوقت الذي كان فيه مجاهدًا لا يتحرك إلا وسلاحه معه، عرفته في قواعد المجاهدين في الأردن معه كتبه الدراسية، حيث كان يدرس الدراسات العليا في الأزهر ومعه «الكلاشينكوف» لا يفارقه.. عرفته إذا أراد أن يحتفل بمناسبة طيبة نجاح أو غيره.. يدخل إلى عملية فدائية في الأرض المحتلة.. عرفته فارسًا للسيف والقلم والمنبر والمحراب..

وقلما تجتمع هذه الخصال الشريفة في رجل واحد، لقد كان رحمه الله عابدًا زاهدًا خاشعًا في صلاته منيبًا إلى الله، موصولًا بربه- سبحانه وتعالى، وكان فقيهًا متبصرًا بل عالمًا واعيًا- بصيرًا بأحوال أمته، وأوضاع زمانه، هذا إلى كونه سياسيًّا باهرًا، يعلم ألاعيب أعداء الأمة، ومكايد خصوم الإسلام، ثم يملك بعد تلك الرؤية الموضوعية والصراط الذي يكفل للأمة الخروج من هذه المتاهات..

وكان صراطه الذي لا يرى غيره هو الجهاد الذي أحبه من كل قلبه، وبذل له حياته ومهجته، فحيثما كان الجهاد في سبيل الله كان الشيخ عبد الله عزام في معمعته وجحافله.. ولقد كان مع ذلك رحمه الله خطيبًا لا يبارى ومحاضرًا لا يجاري، جعل همه الجهاد في سبيل الله، فلا ينطق إلا به ولا يعيش إلا في ظلاله، ولا يتحرك إلا في رحابه.. أحب الشعب الأفغاني من كل قلبه، وبهرته فيهم الصلابة والبأس، والشدة والقوة، والثبات على الرأي، فوجد فيهم ضالته وعندهم بغيته.

فلما التقى بهم كأنه التقى بأعضائه، ومهجة نفسه، عاش معهم سراءهم وضراءهم.. بل رضاءهم فقط، لم تكن لهم سراء إلا أن ينالوا الشهادة أو يكسروا عدو الله وعدوهم.

جمع أخبارهم بالإسناد، والتقى ما أمكنه بأصحاب كل حادثة وخارقة من خوارقهما وبطولة من بطولاتهم، وكان وحده رحمه الله «وكالة أنباء» كاملة لجهاد الشعب الأفغاني فهو الذي نشر عطر هذا الجهاد في العالم أجمع، وهو الذي جمع عليه النفوس، واستصدر من أجله فتاوى العلماء وأقنع به كل مشارك فيه، وأبطل شبهات كل معاد له.

لقد كانت حربه الإعلامية لأعداء هذا الجهاد تعدل الحرب العسكرية التي خاضها المجاهدون فلقد كان أعظم نافذة لهم على العالم يطلون من خلالها.. فمن أمريكا إلى الدول العربية سافر الشيخ عبد الله عزام مبشرًا بالجهاد وداعيًا إلى الجنة والشهادة، وداحضًا شبهات أعداء هذا الجهاد، ومزيلًا الغشاوة عن بصائر الشاكين والمترددين.. وهو- رحمه الله- مع كل ذلك كان جندي معركة وفارس ملحمة.. ومهما ذكرت في وصفه فلن أوفي حقه وقدره.

وإني لأسأل الله جل وعلا، وقد منّ عليه بهذه الميتة الشريفة أن يبلغه منازل الشهداء الذي ارتضاهم لصحبة أنبيائه والصالحين من عباده.. وقد خسرنا للأسف بدرًا منيرًا وما زلنا في الليلة الظلماء «وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر».

والله إنه المصاب جلل، والله المسؤول سبحانه أن يهيئ من يسد الثغرة، ويقيم الجانب الذي وهي بفقد هذا المجاهد الفذ.

إنا لله وأنا إليه راجعون.

الرابط المختصر :