; ماذا في المخيمات؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا في المخيمات؟

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1988

مشاهدات 64

نشر في العدد 850

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 05-يناير-1988

الفلسطينيون في مخيم الرشيدية في جنوب لبنان:

حصار ومعاناة وصحوة إسلامية

الجماعة الإسلامية عملت بكل قواها وما تزال لإدخال المؤن والمواد الطبية إلى المخيم.

لا خوف على الشعب الفلسطيني في جنوب لبنان بعد أن تغلغل الوعي الإسلامي.

منذ بداية الحصار وحتى الآن مازال المخيم يعاني من انتشار الأوبئة.

جنوب لبنان «مراسل المجتمع»:

مخيم الرشيدية أحد أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان وأقربها إلى حدود فلسطين المحتلة حيث يقع جنوبي مدينة صور وعلى بعد عشرات الكيلومترات من الحدود مع الأرض المحتلة.

وقد أصيب هذا المخيم بأضرار فائقة نتيجة للحرب والحصار اللذين فرضتهما حركة «أمل» على أبنائه؛ مما أدى إلى استشهاد العديد من أبنائه وتهدم معظم منازله.

وقد زارت «المجتمع» مخيم الرشيدية وكان لمراسلها مشاهدات ومقابلات مع أبنائه تنقل صورة واضحة عن مأساة هذا المخيم ورحلة العذاب التي يواصلها أبناؤه مع كل مطلع شمس طلبًا للرزق وبحثًا عن القوت، كما تنقل صورة واضحة عن الصحوة الإسلامية التي تعم هذا المخيم الآن.

يقع مخيم الرشيدية على هضبة صغيرة بجوار البحر ويعتقد أنه مشيد على أطلال قلعة قديمة من القلاع التي بناها المسلمون لحفظ الثغور الإسلامية في مواجهة هجمات الصليبيين البحرية. وتوجد حوله آثار قديمة تعود للعهدين الروماني والإسلامي مما يشير إلى عمران هذه المنطقة عبر أطوار التاريخ، وإثر الاحتلال الفرنسي للبنان في مطلع هذا القرن اتخذ موقع المخيم كقرية صغيرة لإيواء «الأرمن» وهم طائفة نصرانية شرقية نزح أبناؤها من تركيا مع مطلع القرن الحالي.

على هذه الهضبة يقع المخيم تحيط به مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والبساتين التي امتد عمران المخيم من الهضبة ليجاورها وترتفع على هضبته مئذنة أصابها القصف بأضرار ما تزال ماثلة يعيش سكان المخيم بشكل أساسي معتمدين على الزراعة وقد أتاحت لهم الينابيع التي تزخر بها أرض المخيم وفرة في الحصاد وغزارة في الإنتاج.

وللمخيم طريق معبد يتفرع من الطريق العام المؤدي لفلسطين وطريق أخرى ترابية تؤدي إلى مدينة صور بالقرب من ثكنة الجيش غالبًا ما يسلكها أبناء المخيم في تنقلاتهم نظرًا للحصار الذي تفرضه حركة «أمل» على الطريق الأساسي.

وعلى الطريق الترابية في منطقة الشواكير «كمائن» متحركة «لأمل»، الويل لمن يقع بأيدي رجالها ولكننا توكلنا على الله وتوجهنا إلى المخيم برفقة عدد من الإخوة وما إن وصلنا إلى منتصف الطريق حتى أسرع قائد السيارة مشيرًا باتجاه البحر حيث كانت تمر سيارة عسكرية لمسلحي «أمل» لم تلاحظ مرورنا نظرًا للتلال الترابية التي تفصلنا.

وما هي إلا دقائق حتى وصلنا إلى المدخل الجنوبي للمخيم.. براميل ومتاريس رمل وعوائق في الطريق مسلحون وصبية يلوحون لنا.. عرّفنا على أنفسنا ففتحت لنا الطريق ودخلنا لنشاهد عن كثب المخيم المحاصر.. الناس في حركة جيئة وذهابًا وهم يرون سيارة تدخل المخيم يقبلون إلينا مرحبين وبينهم الكثير من الإخوة المؤمنين، فإن في المخيم صحوة إسلامية لا يدركها إلا من دخل المخيم وعايش أبناءه ولو لفترة وجيزة سنتحدث عنها لاحقًا.

المخيم هذه الأيام يعيش حالة من الهدوء.. الحصار مازال ولكن المعارك توقفت منذ مدة إلا مناوشات صغيرة قد تحدث أحيانًا بين المسلحين الفلسطينيين ومسلحي حركة أمل.. نتوجه من ساحة المخيم حيث مركز لهيئة غوث اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» مقفل منذ بداية الأحداث.

نتوجه إلى عيادة المخيم لنشاهد آثار الدمار وانفجار القذائف الثقيلة في مبنى العيادة المكون من طابقين.. وقد دمرت القذائف أجزاء كثيرة منه.

وفي العيادة طبيب وممرض وممرضة هذا هو الطاقم الطبي الموجود داخل مخيم الرشيدية الذي يفوق عدد سكانه العشرين ألف نسمة.. الدكتور صلاح الأحمد «طبيب المخيم» ومدير جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في منطقة صور يعرفنا بنفسه:

صلاح الأحمد من قضاء عكا في الجليل، تلقيت العلوم الطبية في القاهرة وتخرجت في العام 1976 حيث التحقت بالهلال الأحمر الفلسطيني وعملت في مخيم البرج الشمالي جنوب لبنان وكذلك في مخيم البص وكمدير لمستشفى صور ومن ثم في مخيم الرشيدية منذ 30/9/1987.

دكتور صلاح نلاحظ عدم وجود أية خدمات طبية لهيئة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» فهل بإمكانكم كعيادة «للهلال الأحمر الفلسطيني» وحيدة تأدية الخدمات الطبية لكل سكان المخيم؟

- منذ بداية الأحداث منذ سنة تخلت «الأونروا» عن واجباتها فلم يوجد في عيادتها أي طبيب أو ممرض وبقي العبء الأكبر على عيادتنا وبالطبع لا يمكن لعيادة طبية واحدة تقديم كافة الخدمات فضلًا عن عدم كونها مجهزة لإجراء العمليات الجراحية أو التصوير الشعاعي وهذا ما جعلنا في ضيق شديد أيام الأحداث.

د. صلاح الأحمد نرجع بك سنة إلى الوراء لتروي لنا معايشتك الحصار ومعارك الرشيدية في تشرين الأول أكتوبر 1986؟ كيف قضيتم فترة الحصار والمعارك على أشدها؟

- كنت الطبيب الوحيد في العيادة مع ستة ممرضين وعامل صيانة.. واجهنا حربًا حقيقية حيث كانت جميع الأسلحة تقصفنا واستقبلنا الجرحى بالعشرات كل يوم.

ونظرًا لعدم وجود مستشفى داخل المخيم ولتعذر نقل المصابين للمستشفيات في المنطقة اضطررنا يومها لتحويل العيادة إلى ما يشبه المستشفى حيث عالجنا جميع الجرحى ونجحنا في إنقاذ حياة الكثيرين.

هل تحدثنا عن نوعية الإصابات التي عالجتموها في ظل فقدان التجهيزات الطبية؟

- كانت إصابات مختلفة في شتى أنحاء الجسم ومعظمها كان خطيرًا في الرأس والبطن والصدر مع الكسور.

ومع فقدان التجهيزات الطبية اضطررنا لمعالجة الكسور مثلًا بطريقة بدائية بحيث كنا نرفع قدم المصاب عن السرير ونشدها بحبل ونعلقها بألواح من الخشب مع تثقيلها بثقل من التراب، فلا توجد أجهزة للتصوير الشعاعي أو أدوات لجبر الكسور حديثة.

وقد مارست عملية التخدير لأول مرة خلال الأحداث وتمكنت من إجرائها بشكل جيد وبعض المصابين كان يحتاج لتخدير مدة 6 ساعات خلال العمليات الجراحية فاستخدمنا المخدر المعروف «كتلار».

وبفضل الله عالجنا الكثير من الإصابات الخطيرة ولكن توفي العديد من الجرحى بفعل الطلقات المتفجرة التي تنتشر داخل الجسم بشكل يصعب ملاحقتها واستئصالها بدون أجهزة طبية متطورة.

هل هناك إحصاء إجمالي لعدد الضحايا التي سقطت بفعل الأحداث منذ اندلاعها وحتى الآن؟

نتيجة الأحداث سقط من أهالي المخيم 110 شهداء معظمهم من النساء والأطفال والرجال المسنين الذين أصيبوا بالقصف العشوائي أو خلال بحثهم عن لقمة العيش فكانوا يخرجون للبحث عن برتقالة أو كمية من الأعشاب بعد أن نفدت مؤن المخيم كما سقط في المخيم نحوًا من 450 جريحًا أصيبوا بإصابات مختلفة في أنحاء الجسم.

هل خلفت المعارك كثيرًا من المعاقين؟

- نعم هناك أشخاص فقدوا بصرهم نتيجة القذائف المحرقة وهناك بضعة أشخاص أصيبوا بالشلل النصفي واثنان بترت أقدامهم وقد أصيب البعض بالتشوه بفعل الحرائق.

إصابات عالجتها وقصص شاهدتها؟

أحد الجرحى ويدعى أحمد أبو الشباب أصيب برصاصة قنص من الخلف في القفص الصدري من الناحية اليسرى كانت مواجهة للقلب مباشرة لكنها دخلت الجسم واستدارت حول القلب وخرجت من فوق رأس القلب دون أن تصيب الجريح بأدنى أذى يفقده الحياة ومازال الجريح حيًّا يرزق.

الجريح محمد عارف المصري أصيب برصاصة قنص في رقبته استقرت في العمود الفقري في الرقبة وهذه الإصابة علميًّا يجب أن تحدث الشلل الكامل لجميع الأطراف وأجهزة الجسم لكنها لم تصبه بأي أذى ومازال الجريح سليمًا معافى وحكمة الله وقدرته واضحة في هذه المشاهدات.

سنة مرت على المعارك والحصار مازال باقيًا هل أثّر الحصار على الناحية الصحية لأبناء المخيم؟

- منذ بداية الحصار وحتى الآن ما زلنا نعاني من انتشار بعض الأوبئة والأمراض كالتيفوئيد والأمراض كالنزلات المعوية الحادة؛ فنحن نفتقد أي تعقيم للمياه كما نفتقد اللقاحات اللازمة للأطفال والمصابين.

ما سمي بمبادرة «بري» ينص على إدخال التموين وفك الحصار عن المخيم، هل نفذت هذه المبادرة بالنسبة للرشيدية؟

- نحن نؤكد أن المخيم مازال محاصرًا طبيًّا وتموينيًّا.. أهله مازالوا سجناء يتعرضون للإذلال على حواجز الحركة نساء وأطفالًا، فإدخال الدواء حتى الأدوية الشخصية ممنوع فلو عولج أحد المرضى من سكان المخيم لا نستطيع تأمين الدواء له وكثيرًا ما تتلف الأدوية أمام أعين أصحابها على حواجز الحركة المحيطة بالمخيم.

د. صلاح الأحمد.. بوصفك طبيب المخيم ومدير جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في منطقة صور ما الذي تحتاجه وتطلبه لتمارس مهمتك بشكل تام؟

- نرجو من جميع الفئات المؤمنة الضغط بمختلف الوسائل على حركة «أمل» لتسمح بإدخال المواد الطبية والتموينية، وأرجو أن يشاد في المخيم مستشفى مجهز بأحدث المعدات الطبية حتى لا تستمر تصفية الجرحى الذين ينقلون إلى مستشفيات منطقة صور، هذا الكلام موجه إلى المسلمين في العالم والهيئات الصحية العالمية وكل المعنيين بشؤون الشعب الفلسطيني.

ونحن نشكر العلماء والجماعات الإسلامية التي وقفت ضد هذه الفتنة وعملت منذ بداية الأحداث على تطويقها وتخفيف وطئها، ونخص بالذكر الشيخ محرم العارفي ومسؤولي الجماعة الإسلامية التي عملت بكل قواها وما تزال لإدخال المؤن والمواد الطبية إلى المخيم.

وبعد هذه الصورة الموجعة.. نتابع جولتنا في أحياء المخيم وأزقته الضيقة فنشاهد بذور صحوة إسلامية واسعة تتمثل في محافظة الفتيات على ارتداء الجلباب الشرعي وملازمة الحجاب، ونلاحظ عمران المسجد بالمصلين حتى يكاد يضيق بهم حيث يقبلون على تلاوة القرآن واستماع الدروس الإسلامية من العلماء الذين يزوروهم كلما سمحت الفرصة.

أبو سعيد والصحوة

ونتعرف إلى الأخ أبو سعيد شاب فلسطيني في العقد الثالث من عمره خرج من الأسر الإسرائيلي إثر عملية التبادل الأخيرة التي تمت بين منظمة التحرير الفلسطينية وسلطات العدو في الـ1985 ولأنه قد أسر خلال عملية فدائية في غور الأردن قبل خمس عشرة سنة قضاها في سجن عسقلان.

يطالعنا بلحيته المهيبة وكله شوق ليخبرنا عن الصحوة الإسلامية لا في المخيم فحسب وإنما داخل الأرض المحتلة وفي السجون الإسرائيلية حيث يواظب الكثير من المعتقلين على أداء فروض الإسلام والاستماع إلى أشرطة الدعاة والعلماء كالشيخ عبدالحميد كشك والشيخ سعيد شعبان وفتحي يكن.

يبتسم أبو سعيد ويقول: نحن ولله الحمد مسلمون ولا عزة لنا بغير الإسلام كل وقت قضيناه بعيدًا عن نصرة هذا الدين لا يزيدنا من فلسطين إلا بعدًا ومسؤوليتنا أمام الله عظيمة..

يرحب بنا ويصطحبنا إلى منزله حيث يرينا رسائل نقلها إليه الصليب الأحمر الدولي من رفاقه الذين مازالوا معتقلين في سجن عسقلان بالأرض المحتلة.

نقرأها بإمعان فنطالع صفحة مشرقة من الالتزام بالإسلام عقيدة وعبادة وجهادًا، ونحمد الله عندما نجد هذا الكلام ينبع من قلب مؤمن يقبع صاحبه في سجون الاحتلال في عسقلان ونستبشر خيرًا بقرب الفتح.

ونلمس تغلغل الوعي الإسلامي في النفوس عندما نجد الشيوخ والشباب والنساء يحدثونا عن الإسلام ولأنه في مجتمعه الأول تضحية وجهاد أو وفاء لا تشغلهم المعارك المفروضة عن معركة الإسلام في أرض فلسطين فندرك أن الفتح بات قريبًا.. وإنه لا خوف على الشعب الفلسطيني في جنوب لبنان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل