العنوان ماذا فعل عرفات في غزة؟
الكاتب عماد عبدالرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1994
مشاهدات 80
نشر في العدد 1107
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 12-يوليو-1994
·
حرص
عرفات على مغازلة حركة حماس في خطابه لكن القلق لم يفارقه حينما شعر بحجم وقوة
معارضيه في الأرض المحتلة.
لوّح ياسر عرفات للرئيس المصري حسني مبارك
الذي وقف يودعه على الجزء المصري من معبر رفح، ثم انطلق بسيارته المرسيدس إلى
الجزء الذي تسيطر عليه إسرائيل من المعبر الحدودي بين قطاع غزة ومصر. وفي رفح
احتشد أنصار عرفات مع مجموعات من المصورين والصحفيين المحليين الذين قدموا لمشاهدة
عملية صناعة تاريخ الشرق الأوسط من جديد.
بدأ الاضطراب على منظمي الاستقبال في رفح؛ إذ
أحاطت كتل بشرية برئيس السلطة الفلسطينية -القادم من وراء البحر لتسلم مقاليد
السلطة الناشئة بموجب اتفاق الحكم الذاتي مع إسرائيل- فيما راح حراسه وأنصاره
يربتون على ظهره، وفي حركة بدت وكأنها تستهدف إثبات وجوده لعدسات التصوير التي
كانت تلاحق الكرة البشرية المحيطة به دون جدوى.. رفعه أنصاره للحظات قصيرة قبل أن
يستقل سيارته المرسيدس السوداء متجهًا إلى مدينة غزة.
تباينت الروايات هل قبّل عرفات الأرض التي
غادرها قبل 37 عامًا أم أدى التحية العسكرية لها؟ كما تضاربت رغم وجود آلاف الشهود
هل ظل عرفات يبكي عاجزًا عن السيطرة على دموعه طوال الطريق أم كان منشغلًا
بالابتسام والتلويح لمستقبليه. غير أن الجميع اتفق على أن الزعماء المحليين وأعضاء
مجلس السلطة وأعضاء المجلس الوطني الفلسطيني الذين سمحت لهم إسرائيل بالدخول إلى
مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، والذين احتشدوا لتحيته في رفح اضطروا لملاحقة
سيارته التي انطلقت تنهب الأرض في طريقها إلى غزة التي دخلها بعد ثلاثين دقيقة من وصوله
إلى رفح..
بدت الطرق شبه خالية من المستقبلين بين رفح
وغزة، فيما احتشد آلاف الفلسطينيين من أنصاره ومن الفضوليين في ساحة عامة في مدينة
غزة.. بعد ساعة من وصوله إلى مبنى المجلس التشريعي في غزة وقف عرفات على شرفة
المجلس مستقبلًا الحشود التي لم تتمكن من الاقتراب منه بسبب إجراءات أمن مشددة
تخللها إطلاق نار كثيف في الهواء قبل ظهور عرفات، ودعوات للجموع -التي قدرتها
المصادر الصحفية بأنها تراوحت بين 20 و30 ألف مواطن- بأن تجلس على الأرض دون جدوى.
عانق عرفات بحرارة الدكتور حيدر عبد الشافي
الذي استقال من رئاسة الوفد المفاوض احتجاجًا على اتفاق الحكم الذاتي الذي تمكن
عرفات من العودة بموجبه إلى قطاع غزة. كشف العناق المسرحي حجم القلق الذي يعتمل في
صدر عرفات من قوة معارضيه، وظهر هذا القلق أوضح ما يكون عندما أصر عرفات على ترديد
اسم الشيخ أحمد ياسين باحترام وتبجيل على مسمع من الجموع.
أحمد ياسين ما زال في سجنه مع نحو 10 آلاف
معتقل فلسطيني آخر، ويعتبر الشيخ ياسين قائد التيار الإسلامي الرئيسي المعارض
لاتفاق أوسلو، ولكن عرفات الذي تعهد أمام الجميع أنه «لن يهدأ له ضمير ولن يقر له
جفن» قبل إطلاق سراحه أصر على مناداته بكلمة «أخي» فيما تعالى هتاف الجماهير.
و لم تثمر محاولات عرفات لمغازلة حركة «حماس»
كثيرًا؛ إذ أصر قادة الحركة الميدانيين في قطاع غزة وكوادر وأنصار الحركة على
تجاهل مغزى الزيارة. وفي تحية لاذعة قال الدكتور محمود الزهار أحد قادة الحركة في
القطاع: إنهم يرحبون بقدوم عرفات كما يرحبون بعودة أي فلسطيني هُجر من أرضه بسبب
الاحتلال، وأضاف الزهار في سياق ترحيبه بالرمز الفلسطيني يقول: «إن الحركة كانت
تتمنى أن يعود عرفات ولكن بعد عودة ثلاثة ملايين منتشرين في الأرض إلى مناطقهم
التي طردوا منها».
لم يأت بجديد
في خطابه لم يضِف عرفات جديدًا للفلسطينيين
القلقين.. فبالرغم من الانقسام السياسي والمصلحي الذي أحدثه اتفاق أوسلو في صفوف
المسلمين تبعًا لموقفهم السياسي أو موقعهم الجغرافي، فإن القلق ظل هو العامل
المشترك بين الجميع. أنصار عرفات قلقون على مصير الاتفاق ومصيرهم معه، والمعارضون
له قلقون من القمع القادم على يد الإخوة القادمين من وراء البحر وطريقة التعامل
بينهم، وبين سلطة تهيمن عليها حركة «فتح». وأهالي منطقة الحكم الذاتي قلقون على
أوضاعهم الاقتصادية، وأهالي الضفة خائفون من مماطلة إسرائيل وتوسيع حدود الحكم
الذاتي، واللاجئون في لبنان قلقون من مصيرهم المتأرجح كالبندول بين التوطين
والتهجير إلى منافٍ جديدة.
وهكذا كان الكل قلقًا؛ لكن عرفات لم يقدم لأي
منهم ما يطمئنه، وباستثناء وعود عامة كإطلاق سراح المعتقلين «والتمكين في الأرض»،
لم يضف عرفات في خطابه الكلاسيكي شيئًا جديدًا للجموع التي بدأ جزء منها يغادر
مكان الاحتفال قبل أن ينهي عرفات خطابه.. العواطف الجياشة غابت عن الاحتفال بلقاء
القائد مع شعبه، ولم يذرف أحد دموع الفرح -من بين الذين تجمعوا للقائه رغم الحرارة
المرتفعة- ولم يتسم الحضور بالعصبية والانفعال باستثناء الواقفين على شرفة المجلس
التشريعي بجانب عرفات.
أما الجمهور الذي ضم عددًا غير قليل من
الفضوليين، فبدت عليهم اللامبالاة أحيانًا، والشعور بالضيق من الجو الحار،
والتنظيم كان غائبًا عن الاحتفال، فالإسعاف الأولي لم يكن موجودًا رغم تصريحات
الدكتور رياض الزعتون عن العيادات المتنقلة. واضطر الحضور لنقل مصابين سقط عدد
منهم عند جذع شجرة بينما كانوا ينتظرون قدوم عرفات، فيما انهار جزء من منزل فور
بدء عرفات بخطابه.
غياب المعارضين عن استقباله
لم يشارك أي من المعارضين الرئيسيين لاتفاق
الحكم الذاتي في حفل الاستقبال.. غير أنهم كانوا أبرز الحاضرين في الخطاب القلق
لعرفات أو حتى في عيون الباحثين عنهم في المكان، وزاد الاضطراب الذي اعترى تنظيم
الاحتفال والفوضى من حدة التذكير بوجودهم في مكان آخر.. وحتى خليل الوزير (أبو
جهاد) أحد رموز حركة «فتح» والثورة الفلسطينية كان في المكان بصورة ضخمة تصدرت
الساحة وبزوجته التي وقفت إلى جانب عرفات، وكلما تعالى اسم أبو جهاد سارع عرفات
لرفع يده مع يدها في إشارة تضامنية للجماهير. وباختصار كان الغائبون هم أبرز حضور
استقبال عرفات.
تعرض نصر يوسف قائد الشرطة الفلسطينية للإحراج
عندما حثه الحضور وآخرون كانوا على المنصة على الإسراع في خطابه الافتتاحي؛ ليفسح
المجال لرئيس السلطة بالحديث، فقد بدا أن الجماهير غير مستعدة للإصغاء إلا لعرفات،
غير أن المشهد تكرر مع عرفات عندما بدأ الجميع ينفضّ من أطرافه، فيما كان عرفات
يواصل توجيه تحياته وشكره لأصدقائه من الزعماء العرب، وبدا كأن الجماهير الواقفة
في الشمس غير مستعدة للإصغاء. ويقول فلسطينيون في قطاع غزة: إن الجميع حضر
للاحتفال بعرفات إلا أنهم كانوا أيضًا بحاجة لما يطمئنهم على المستقبل القادم معه.
ختم عرفات حديثه بمخاطبة الفلسطينيين في النقب
والخليل، ووعود التمكين في إشارة مبهمة جدًّا أرادها إشارة، وحرص على إخفائها كي
لا تغضب «جيرانه» الإسرائيليين الذين وقع معهم «سلام الشجعان»، ودخل إلى المبنى
ليجتمع مع مسؤولي الحكم الذاتي وزعماء حركة «فتح» في قطاع غزة والضفة الغربية..
وفي السماء تم تفجير ألعاب نارية إيذانًا بأن التاريخ قد تمت صناعته.
انتهت مراسم الاستقبال وانفض الجمع، وبدأ
عرفات زيارته «ذات المغزى» على حد قول الدكتور عبد الشافي الذي رفض وصفها بأنها
«تاريخية»، فالرمزية تغلب على كل تفاصيلها، والعمل الجاد الذي تحدث عنه عرفات في
خطابه الأول أصبح «ألمًا وجوعًا» في انتقاداته التي وجهها في اليوم الثاني للدول
المانحة التي تأخرت في دفع ما التزمت بدفعه لمجلس السلطة.
وأشاد عرفات -في سياق حديثه عن المساعدات-
بشعبه الذي كان زعيمه متأكدًا أنه سيتحمل «الأمل والجوع» معه، وتعكس كلمات عرفات
هذه المستقبل السياسي والاقتصادي غير الواضح لمناطق الحكم الذاتي، ومخاوف عرفات من
الفخ الذي يمكن أن تسقط فيه السلطة إذا قررت الدول المانحة عدم الوفاء بالتزاماتها
المالية.
يؤمن الفلسطينيون أنهم دخلوا مع دخول عرفات
إلى غزة مرحلة جديدة، إلا أن أحدًا منهم لا يستطيع أن يحدد ملامح هذه المرحلة سوى
الضبابية الشديدة التي تحيط بها وبسماتها. ويؤكد هؤلاء بمن فيهم أنصار عرفات أن
زيارة عرفات للقطاع تشكل خطوة جادة في أن تبدأ السلطة الفلسطينية ممارسة مهامها
الكبيرة على الأرض، من أجل إعادة إعمار البنية التحتية المدمرة في القطاع، حسب
تعبير وليد زقوت أحد زعماء الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني «فدا» في الأراضي
المحتلة.
إلا أن معضلات أخرى تواجه عرفات، لعل أبرزها
تقاسم السلطة بين عرفات وحلفائه في السلطة وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية؛ إذ
يؤكد زقوت رغم «إيمانه بضخامة المسؤوليات الملقاة على السلطة» أن وفدًا من حزبه
سيلتقي عرفات؛ ليبحث معه «ضرورة استيعاب كل الكفاءات»، وهي عبارة تعني من زاوية
أخرى استيعاب كوادر الحزب في السلطة.
لم يغير شيئًا
إن دخول عرفات الرمزي لا يشكل تغييرًا على أرض
الواقع، فرغم تهديدات عرفات لم تدفع الدول المانحة المبالغ المقررة لمجلس السلطة،
كما أن هياكل مجلس السلطة لم تستكمل بعد، والشرطة مازالت غير قادرة على بسط نفوذها
بشكل مطلق على الأوضاع في مناطق الحكم الذاتي.. وما زالت قيادة السلطة الفلسطينية
مشغولة بقضايا كان يفترض أن تكون هامشية أو «تحصيل حاصل»، مثل إطلاق سراح
المعتقلين وعودة المبعدين وكوادر منظمة التحرير الفلسطينية على الأقل إلى مناطق
الحكم الذاتي الفلسطيني.
أكد عرفات في سياق كلمته أن إسرائيل ستنهي
إعادة نشر قواتها في بقية أنحاء الضفة الغربية في موعد أقصاه شهر أغسطس «آب»
القادم، وهو ما نفاه في اليوم التالي رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين. كما لم
ينس الزعيم الفلسطيني الذي غلبت على تصرفاته سمات الاضطراب التأكيد على أن
الانتخابات الموعودة ستجري بعد توسيع نطاق الحكم الذاتي ليشمل الضفة الغربية. إلا
أن الملاحظة الأبرز التي يصعب تغييبها أن أحدًا من أعضاء السلطة الفلسطينية لا
يتحدث عن خطط هذه السلطة لإقامة بنية تحتية متطورة وانتشال الفلسطينيين داخل مناطق
الحكم الذاتي من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وتنفيذ الوعود التي جرى إغراق
الفلسطينيين فيها لإقناعهم بجدوى الاتفاق.
إن المخاوف تطفو على السطح من استمرار الوعود
واستدرار العواطف، والشلل الذي مازالت تعاني منه السلطة في المناطق التي أعاد
الجيش الإسرائيلي الانتشار فيها، ويحذر أنصار الاتفاق من مخاطر فشله، غير أن أيًا
منهم لا يستطيع تحديد المدى الزمني الذي لا يستطيع الاتفاق أن يواصل طريقه فيه
بقوى الدفع الخارجي وقوانين القصور الذاتي، فدخول عرفات لا يعدو كونه ورقة جديدة
توضع في مرجل الاتفاق لمنحه دفعة إضافية!