; ماذا فعلت أمل خلال حرب المخيمات؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا فعلت أمل خلال حرب المخيمات؟

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1987

مشاهدات 74

نشر في العدد 803

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 03-فبراير-1987

في الوقت الذي تراوح فيه حرب المخيمات بين مرحلتين على جانب كبير من الخطورة مرحلة التفجير الشامل ومرحلة التقويم والتجميد التي عاشتها هذه الحرب اشتدت الوطأة على المخيمات الفلسطينية وخاصة في جنوب لبنان من خلال الممارسات التي انتهجتها حركة «أمل» والتي كانت تشكل وجبة يومية لا يكاد يسلم منها مخيم من مخيمات الجنوب.

فعلى الرغم من اعتصام الشيخ محمد العارفي -أمين الجبهة الإسلامية في صيدا- داخل مخيم الرشيدية منذ شهر ونيف في محاولة لإيقاف القتال إلا أن الاشتباكات ظلت تدور حول المخيم لتهدأ حينًا ثم تشتعل حينًا آخر.

 وعلى الرغم من أن مخيم الرشيدية كاد يكون الجبهة الوحيدة المفتوحة عسكريًا في جنوب لبنان ضد حركة أمل باستثناء الوضع في شرقي صيدا ومغدوشة، إلا أن مخيمات الجنوب ظلت فترة طويلة عرضة للممارسات الشاذة التي أدت إلى اشتعال جبهة الرشيدية وغيرها.

فقد أفادت المعلومات الواردة من مخيمات البرج الشمالي - البص - القاسمية - الشبريحة، أن هذه المخيمات كانت محاطة بالدشم والمتاريس داخل طوق أمني محكم. ولم يكن يمر يوم من الأيام دون إطلاق نار من قبل عناصر «أمل» باتجاه هذه المخيمات.

 ولم تكن عناصر «أمل» تكتفي بهذه الصورة بل كثيرًا ما كانوا يلجأون للقيام بجولات استفزازية بسياراتهم العسكرية مدججين بالسلاح حيث كانوا يقومون باعتقالات عشوائية للشباب الذين يصادفونهم أثناء هذه الجولة.

ففي مخيم البرج الشمالي فوجئ وفد من العلماء المسلمين كان في زيارة للمخيم برفقة بعض المسؤولين الإيرانيين بأعداد كبيرة من المواطنين متجمهرين في ساحة المخيم معظم هؤلاء من النساء والأطفال والشيوخ الذين ما إن رأوا العلماء حتى تعالت أصواتهم بالصراخ والنحيب فيما كانت عناصر من أمل تقوم بإخلاء المنازل ولما حاول العلماء استيضاح الأمر والاطلاع على ما يجري فوجئوا بأن عناصر أمل تعمل على إخلاء بيوت المخيم تمهيدًا لإحراقه! ولولا تدخل العلماء في اللحظة الحاسمة لكان مخيم البرج الشمالي أصبح أثرًا بعد عين.

وقد أفاد هاربون من المخيم قدموا إلى مدينة صيدا أن عناصر «أمل» قامت مؤخرًا باقتحام مسجد المخيم حيث دخل المسلحون بأحذيتهم إلى حرم المسجد وقاموا بتقليب الكتب الدينية وإحراقها وسرقوا بعض محتويات المسجد واعتقلوا عددًا من المصلين ومنهم رجال تزيد أعمارهم عن (٦٠) عامًا.

ولما حاول بعض المصلين تهدئة المسلمين ومحاورتهم وأخرج مصحفًا من جيبه مذكرًا بتعاليم الإسلام، انهال عليه المسلحون ضربًا بأسلحتهم وبخشب الطوبار (البناء) واستخدم بعضهم القدوم! ووسط وابل من الشتائم قالوا له: أنتم تعرفون الإسلام؟!

ومأساة الاعتقال اليومية كادت تستنزف ما بقي من الشباب الفلسطيني داخل المخيمات في الجنوب اللبناني وهذه العمليات لا تقتصر على اعتقال الشباب، بل تتعدى إلى حد اعتقال الفتيات والتحقيق معهن تحت وطأة التعذيب، كما تطال هذه الاعتقالات صغار السن ممن هم دون الخامسة عشرة من العمر دون مراعاة لحرمة منزل أو مسجد.

ويعاني المعتقلون الذين ينقلون من السجون المحلية داخل المخيمات إلى معتقل «زفتا» الشهير في منطقة الزهراني جنوب صيدا بأعداد كبيرة من وضع بالغ الصعوبة حيث يفترشون الأرض دون فراش أو غطاء لمدة تزيد عن 15 يومًا منذ بداية الاعتقال.. بعدها قد يعطى المعتقلون بعض الأغطية بمعدل غطاءين لكل ستة من المعتقلين!

أما التغذية داخل معتقلات أمل في الجنوب سواء في سجن زفتا أو سجن مخيم البص فتقتصر على نصف رغيف ويمنع إدخال أية أغذية قد يجلبها ذوو المعتقل إلى هذه السجون.. ولكن هذا لا يمنع من أن يتسلى مسلحو أمل بضرب بعض الأهالي الذين تجمهروا للاطمئنان على أبنائهم أو لمحاولة إدخال بعض الأطعمة إليهم، وقد يأخذون المال من البعض بحجة السماح لهم بإدخال الغذاء إلى أبنائهم وغالبًا لا يصل شيء من هذه الأطعمة.

أما الظروف النفسية التي يعيشها المعتقلون فتكاد تكون متشابهة مع ظروف إخوانهم في السجون الإسرائيلية حيث يجري إرهاب المعتقلين بصورة مستمرة، بل أن المسلحين من أمل بين اللحظة والأخرى يدخلون على المعتقلين مهددين بالتصفية بحجة أن أحد أقربائهم قد قتله الفلسطينيون!

كل هذه الممارسات التي كانت تقوم بها حركة «أمل» في الجنوب باتت واضحة الأهداف تمامًا.. وكما قال أحد عناصر «أمل» للصحافيين عندما سألوه: هل من حل لأزمة المخيمات؟ بادرهم قائلًا: نعم ليس للفلسطينيين خيار إلا الرحيل عنا أو الموت!

هذا ما تؤكده هذه الممارسات من استفزاز واعتقال وتهجير فقد أحرق مسلحو «أمل» مخيم «جميجم» وقاموا بطرد الأهالي وسط البرد القارس وتحت أمطار الشتاء، كما أحرقوا 28 منزلًا في مخيم البص قرب مدينة صور.

وتشديد الخناق على المخيمات لم يكن يقتصر على الحصار أو الاعتقال ومحاولات التهجير بل كثيرًا ما يطال بها أرزاق الناس وسبل معيشتهم من مواد غذائية وصحية، فإن أصحاب الدكاكين والمحلات التجارية داخل المخيمات لا يسمح لهم باستيراد أو شراء أية أنواع من الأغذية بدون تصريح من حركة أمل يحدد الكمية المسموح بها والتي غالبًا ما تكون زهيدة وتشترى بثمن باهظ لم يكن يكتفي بهذا، بل يرغم صاحب البقالة على ألا يبيع في اليوم أكثر من ثلاثة كيلوغرامات من الأرز أو السكر مثلًا، فلمن تكفي هذه الكمية في مخيمات أقلها يبلغ تعداد سكانه 15 ألف نسمة؟

وكان مسلحو «أمل» يقومون بمنع أي فلسطيني من القيام بضمان أو رعاية أي بستان داخل المناطق التي يسيطرون عليها في الجنوب والتي تزيد تكاليف ضمانها والعمل فيها عن بضعة ملايين من الليرات بحيث يمنع كل فلسطيني من العمل في هذه الأراضي الزراعية تحت طائلة القتل أو الاعتقال والتعذيب، كما كان الفلسطينيون يجبرون على بيع الشقق التي يملكونها وبأسعار بخسة لا تتجاوز 5% من الثمن الفعلي لهذه الدور والأبنية.

كما كانت عناصر «أمل» تقوم بالضغط على أصحاب السيارات من الفلسطينيين لبيعها بثمن بخس أو تسليمها لـ«الحركة» لاستخدامها في عملياتها العسكرية وإذا عادت السيارة تكون في حالة يرثى لها.. وقد تعطلت أو أصبحت غير صالحة للسير!

أما على الصعيد الصحي فإن هجمات مسلحي أمل على مكاتب وكالة غوث اللاجئين «الأنروا» واعتداءاتهم المتكررة على الموظفين اضطرت هذه الوكالة لإلغاء تقديم خدماتها للفلسطينيين في هذه المخيمات.

إذ كانت عناصر أمل تقوم باقتحام مراكز هذه الوكالة المنتشرة في مخيمات الجنوب حيث تسرق المعدات والتجهيزات والأدوية كما تعتقل الأطباء والممرضين بحجة مساعدتهم للفدائيين المناوئين للحركة، وتنسف سيارات الإسعاف المتوقفة أمام المراكز، كما كانت هذه العناصر تقوم بمهاجمة المعاهد المهنية ومراكز تعليم الخياطة.. هذه المراكز الهامة في الحقل الاجتماعي الداعم لصمود المخيمات وسد احتياجاتها فتسرق المعدات والآلات وتخرب المركز ولا تتركه إلا بعد أن تحتله وتحوله إلى مكتب عسكري أو تتركه وقد تحول إلى ركام.

إن هذه الممارسات اللاإنسانية لن تؤدي إلا إلى مزيد من التفجير الذي تخطط له إسرائيل وترعى تنفيذه بدقة تمهيدًا لتحقيق حلمها الأكبر «حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل» دون أن تتحمل مزيدًا من الخسائر التي قدمتها خلال اجتياحها للأراضي اللبنانية عام 1982 مادامت قد توافرت الدوافع والأدوات لتطهير طريقها وتمهيده!

الرابط المختصر :