العنوان ماذا عن السلطنة العفرية؟ وكيف يناضل شعبها ضد الاحتلال الإثيوبي؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1986
مشاهدات 202
نشر في العدد 787
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 14-أكتوبر-1986
ما قصة الاحتلال الإثيوبي للسلطنة العفرية؟
لمعرفة قصة الاحتلال تجدر بنا الإشارة إلى عهد التسابق الأوروبي لاستعمار
القارة الإفريقية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حيث احتل القارة وأخضعها
وتقاسمها فيما بينه فأصبح لا تجد فيه موضع قدم إلا خاضعًا للاستعمار الأوروبي إلا
أن الاستعمار الأوروبي خاصة إيطاليا وفرنسا استثنى من استعماره مملكة الحبشة
المسيحية التي كان ينحصر وجودها في الهضبة الوسطى لمرتفعات الحبشة، إذ بدلًا من أن
يحتلها الاستعمار الأوروبي ويتقاسمها كما فعل للقارة الإفريقية كلها قام بدعم هذه
المملكة الحبشية وتسليحها وتقويتها في عهد منيليك الثاني ثم دفعها إلى احتلال
الممالك والسلطنات المحيطة بها وهي تزيد عن تسعة سلطنات وممالك إسلامية، ومنذ ذلك
الحين تحولت مملكة الحبشة إلى إمبراطورية إلا أن السلطنة التي ينحدر شعبها من أصول
عربية أصيلة والتي تدين بالدين الإسلامي الحنيف والتي تقع في شمال شرق الحبشة
والتي تقدر مساحتها بـ270 ألف كيلومتر مربع أي ما يوازي خمس مساحة الحبشة والتي
يبلغ تعداد سكانها ثلاثة ملايين نسمة لم تخضع يومًا لهذه الإمبراطورية ولم تضم
إليها لأنها قاومت كل غزو تعرضت له بشدة وضراوة فاحتفظت باستقلالها الكامل حتى عام
1930.
إن الوثائق الرسمية التاريخية الدالة على صحة هذه القصة لا تحصى ولا تعد وإن
كتب التاريخ المليئة بمعاهدات الصداقة وحسن الجوار التي تشهد عليها إيطاليا بين
السلطان محمد حنفري «سلطان الأوسا» ومنيليك الثاني ملك الحبشة هي أكبر دليل على
استقلال كيان العفر وتميزهم عنهم بالتقاليد واللغة والمعتقدات.
وهنالك دليل أكبر من ذلك كله ليس على استقلال سلطانة العفر وشعبها فحسب بل
على قوة هذه السلطنة وهيبتها قبل عام 1930 وهذا الدليل هو حماية الإمبراطور إياسو
المخلوع عندما لجأ إلى السلطان العفري وشعبه إذ مكث أربعة أعوام في حماية السلطان
معززًا مكرمًا دون أن تنال منه الإمبراطورية الإثيوبية بسوء رغم المحاولات
والاحتجاجات من الإمبراطورة زود يتو وولي عهدها تفري مكننن الذي عرف فيما بعد بهيلاسلاسي
واتهامهما السلطان العفري بنقض معاهدة الصداقة وحسن الجوار، وقد رفض السلطان تسليم
إياسو للحبشة باعتباره يتصرف بما يمليه عليه الوضع السياسي للسلطنة وهو الاستقلال
التام عن كل المؤثرات فضلًا عن استقلاله السياسي وجهزت الحبشة حملة عسكرية على
رأسها والي مقاطعة ولو وقائدان آخران من شوا لغزو السلطنة ولكنها باءت بالفشل
وعادت خاسرة ومن ثم أقرت الصلح مع السلطان يايو محمد وجرى إرسال الإمبراطور
المخلوع إياسو إلى حاكم مقاطعة تجراي بناء على رغبة إياسو نفسه.
وهكذا شاءت الأحداث أن تتطور الأمور لتصبح سلطنة الأوسا شبه معزولة عن
العالم الخارجي حيث أصبحت محاصرة بين ثلاثة أقوياء: الحبشة الطامعة فيه، إيطاليا
في أرتيريا، وفرنسا في جيبوتي.
ومع إنهاء الوجود المصري التركي الأسمى من سواحل البحر الأحمر والإمارات
الإسلامية مثل هرر وكفا وغيرها لم تعد تستطيع هذه السلطنة أن تتحرك التحرك الذي
يؤكد استقلاليتها وهكذا وجدت نفسها ضمن خارطة هندسها منيليك ونفذها هيلاسلاسي وإن
ظلت مستقلة تمامًا حتى عام 1930 وكذلك بقيت إيطاليا معترفة بهذا الاستقلال وتتعامل
مع السلطنة برسائل رسمية تمامًا ولم تحاول غزوها أو اضطهاد سكانها أو فرض قيود
عليه كل الفترة التي احتلت فيها الحبشة أرتيريا والصومال. وقد أثار هذا التصرف من
حكومة إيطاليا حنق وحقد الإمبراطور هيلاسلاسي عندما عاد إلى عرشه فانتهج فرض حصار
ثقافي واقتصادي على السلطنة وعزلها عن كل ما من شأنه أن يلقي الضوء على كيانها
السياسي.
وفي عام 1950 حاول الإمبراطور هيلاسلاسي استيطان العناصر الأمهرية المسيحية
وبناء الكنائس في أراضي العفر ليؤكد سيطرته على السلطنة وقد أدى هذا التصرف إلى
تدهور الوضع السياسي الذي كان قائمًا بين السلطنة والحبشة ووجه السلطان علي مراح
إلى العالم العربي والإسلامي في رسالته التي اشتهرت «برسالة أوسا» التي نشرت في
مجلة نداء الإسلام بالمملكة العربية السعودية في ذلك الوقت، وبعد عامين من التوتر
الحاد تراجع هيلاسلاسي عن أطماعه التوسعية وتمكنت السلطنة من الحفاظ على كيانها
واستقلالها.
إن الشعب العفري حارب عدة مرات للمحافظة على كيانه الذاتي واستقلاله السياسي
وقاوم عدة مرات عمليات التهجير والتبشير للحفاظ على تقاليده ومعتقداته الإسلامية
وجاهد مرات عديدة لفك الحصار السياسي والاقتصادي والثقافي الذي كان مضروبًا عليه
لعزله عن العالم الخارجي.
وكان موقع السلطنة الاستراتيجية وأهميتها الاقتصادية وثرواتها الحيوانية
وخصوبة أراضيها التي تقدر بمئات الألوف من الهكتارات والتي تنتج جميع أنواع
المحصولات الزراعية كالقطن والحبوب والفواكه والخضرة وتروى هذه الأراضي بنهر هواش
الشهير الذي يبدأ نزوحه من هضبة الحبشة ليمر عبر أكثر من 600 كيلو متر من أراضي
عفر حاملًا الطمي والماء الوفير إلى السهول والمزارع المزدهرة، ومن الأسباب
والدوافع الرئيسية لتلك المحاولات والمؤامرات والحروب المتكررة ضد هذه السلطنة.
بداية الثورة العفرية الحالية
منذ مطلع عام 1975 وبعد القضاء على الإمبراطور هيلاسلاسي بدأ الحكام
العسكريون يصرحون بأن ليس هناك ما يسمى بسلطنة العفر كما أعلنوا مرارًا أن الأرض
الزراعية لهذه السلطنة سوف توزع على المزارعين تحت شعار الاشتراكية، وكانوا يقصدون
طبعًا توزيع معظم الأراضي على المسيحيين من الشعب الأمهري وذلك لفرض سيطرتهم
والقضاء على السلطنة وكان من الطبيعي أن يرفض الشعب العفري بقيادة السلطان علي
مراح حنفري ويقاوم هذا المخطط الجهنمي، هذا المخطط الذي كان جزءًا من مخطط التهجير
والتبشير القديم والذي لم ينجح إلى الآن.
وخلال شهر مايو 1975 تراجع الحكام العسكريون عن هذا المخطط وبالأحرى تظاهروا
بالتراجع ولجأوا إلى المهادنة وسياسة المفاوضات بينهم وبين السلطان علي مراح حنفري
ولكن هذه المفاوضات منيت بالفشل الذريع وفي أوائل يونيو 1975 قام الجيش الإثيوبي
بهجومه المفاجئ على «إيسعيتا» عاصمة السلطنة وكانت جبهة التحرير العفرية التي
تشكلت حديثًا آنذاك تتوقع مثل هذا الهجوم وصمد الشعب العفري البطل أمام هذا الغزو
الوحشي الذي لم يفرق بين المقاتلين وبين النساء والأطفال والشيوخ ثم انتشرت
المقاومة المسلحة في أنحاء الأراضي العفرية.
وهذا الغزو الغادر الذي اشتركت فيه الطائرات والدبابات لقي مقاومة ضارية من
قبل القوات العفرية التي استمرت ثمانية أيام حتى نفدت ذخيرتها مما اضطرها للانسحاب
عن العاصمة، ومنذ ذلك الحين جرت معارك عديدة بين جبهة التحرير العفرية وقوات
الاحتلال الإثيوبية تكبد فيها العدو خسائر فادحة في العتاد والأرواح واستشهد
العشرات من جنودنا الأبطال فضلًا عن استشهاد الألوف من مواطنينا الأبرياء العزل
ولجوء الآلاف إلى المناطق المحررة وجيبوتي، والنتيجة المشرفة التي وصلنا إليها هي
تحرير الجزء الأكبر من الأراضي العفرية وقد زار هذه المناطق العفرية المحررة ممثلو
بعض الدول العربية وصحفيون من مختلف الجنسيات وشاهدوا آثار المجازر البشرية وحرب
الإبادة الجماعية التي يشنها النظام العسكري الإثيوبي الغاشم وقيادته الملحدة.
إن هذه المجازر البشرية وهذه الإبادة الجماعية التي ترتكب يوميًّا ضد الشعب
العفري ليست هي المجازر الوحيدة لإثيوبيا في الجيش الإثيوبي يرتكب مثلها في أنحاء
الحبشة كلها ويرتكبها في أرتيريا وفي الصومال الغربي جزاء لها على مطالبتها بحقها
الشرعي في تقرير مصيرها.
وإن السلطنة العفرية بعون الله وفضله مستمرة في نضالها وعازمة على انتزاع
حقوقها وحريتها وتحقيق استقلالها الكامل الناجز سلمًا أم حربًا وإن حق تقرير
المصير قضية لا مساومة فيها. وإن السلطان علي مراح حنفري رائد الأمة العفرية وقائد
ثورتها الذي نظم عملية المقاومة المسلحة ما فتئ يتنقل بين الدول العربية الشقيقة
ليطلعها على قضيته وأبعاد المؤامرة السياسية التي تحاك في تلك المنطقة من قبل
الشيوعية العالمية ويلتمس الدعم والمساعدة للجبهة العفرية.
وقد حصلت الجبهة العفرية على مساعدات عينية وعسكرية ومادية من بعض الدول
العربية مما كان له الأثر البالغ في رفع الروح المعنوية بين المجاهدين العفر، غير
أن ما تحصل عليه الجبهة من المساعدات المادية والعسكرية لم يكن ليتناسب مع حجم
الثورة وطموحها، ولا مع حجم العدو وقوته المدعمة بقوة الشيوعية العالمية لغزو إفريقيا
والذي أصبح كذلك يهدد أمن منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي وهذه مناطق تعتبر
كلها امتدادًا طبيعيًّا للوطن العربي الكبير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل