; ماذا عن الحزب العربي الديمقراطي النصيري في لبنان؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا عن الحزب العربي الديمقراطي النصيري في لبنان؟

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1985

مشاهدات 96

نشر في العدد 743

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 26-نوفمبر-1985

•الحزب يرفع شعار العلمانية لإخفاء حقيقته الطائفية.

تعرضت الصحافة العربية والدولية خلال «حرب الأحزاب» التي وقعت مؤخرًا في مدينة طرابلس بشمال لبنان إلى الأحزاب المشاركة بهذه الحرب التي كانت تدور بين اتجاهين هما:

الاتجاه الإسلامي: وتمثله حركة التوحيد الإسلامية التي كانت تمثل الغالبية العظمى من سكان مدينة طرابلس.

الاتجاه اليساري: وتمثله مجموعة أحزاب اليسار كالحزب الشيوعي والقومي السوري والبعث.. إلخ، وكان يقف على رأس هذه المجموعة الحزب العربي الديمقراطي.

وكان الحزب العربي الديمقراطي هو الحزب الرئيسي الذي يملك القوة الضاربة الأساسية لتلك المجموعة، بينما لم تشكل بقية الأحزاب اليسارية سوى عنصر مساعد بسيط حيث كان الهدف من إشراكها في هذه الحرب هو جعلها تظهر وكأنها حرب محلية بين القوى الإسلامية والقوى اليسارية في المدينة.. ومن المعروف أن معظم المعارك التي كانت تدور في مدينة طرابلس منذ عدة أعوام كانت تنحصر بين حركة التوحيد الإسلامية وبين الحزب العربي الديمقراطي الذي كانت تدعمه سوريا.

• فمن هو الحزب العربي الديمقراطي؟

ربما يعتقد البعض أن هذا الحزب ينتمي فعلًا إلى اليسار كما يدعي قادته الذين يستندون في ذلك إلى تحالفاتهم مع أحزاب اليسار اللبناني، والحزب في دعواه هذه يتشابه كثيرًا مع الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرتدي لبوس اليسار لإخفاء الطابع الطائفي للحزب الذي يمثل الطائفة الدرزية في لبنان، ونعني بذلك أن الحزب العربي الديمقراطي يرفع لواء اليسار لإخفاء حقيقته الطائفية، حيث إنه يمثل الطائفة النصيرية التي تقطن في منطقة بعل محسن في ضواحي مدينة طرابلس، والمطلة على معظم أحياء المدينة المسلمة.. إضافة إلى الدعم المادي الكبير الذي كانت تقدمه القوات السورية المرابطة حول طرابلس للمليشيات النصيرية التي أطلقت على نفسها اسم الحزب العربي الديمقراطي، ولولا هذا الدعم لما تمكن الحزب من الصمود لأيام معدودة أمام ضغط القوة الإسلامية لمدينة طرابلس، وهذا بحد ذاته يؤكد على ارتباط هذا الحزب طائفيًّا بسوريا.

• الحقيقة الطائفية للحزب:

كما رفع الدروز شعار التقدمية والاشتراكية لتغطية تحركهم الطائفي في الجبل، كذلك فعل النصيريون في شمال لبنان حيث رفعوا شعار العروبة والديمقراطية لإخفاء حقيقة تحركهم الطائفي على أرض الشمال اللبناني، ومن هذا المنطلق يقول علي عيد الأمين العام للحزب النصيري إن ولاءنا لسوريا هو ولاء للعروبة ولسوريا العربية.. وللهروب بعيدًا عن حقيقة الطائفية فإننا نرى علي عيد يفسر حرب طرابلس على أنها صراع بين الخط الانهزامي، الذي تمثله القوى الإسلامية المتحالفة مع عرفات، وبين الخط القومي العربي الذي تمثله سوريا والمتحالفون معها!!

هكذا وبكل بساطة يحاول علي عيد أن يخفي حقيقته الطائفية من خلال الادعاء بأنه يتبنى الخط القومي الذي تمثله سوريا.. مع أن علي عيد هذا يثور وينفعل عندما يتذكر مقتل ثلاثة أشخاص ينتمون للطائفة النصيرية، وأنه قرر الانتقام لهم مع أنهم لا ينتسبون لحزبه العربي الديمقراطي.. إذن لماذا كانت ثورته وانفعاله طالما كانوا لا ينتمون لحزبه؟! ألم يقتل في طرابلس مئات الأشخاص من سكان طرابلس من خلال القصف الذي كانت تشنه مدفعية حزبه ومن خلال رصاص القنص ومن خلال السيارات المفخخة؟ فلماذا لم يرغب علي عيد بالانتقام لهم وثار فقط لأجل الأشخاص الثلاثة الذين ينتمون للطائفة النصيرية؟ حتى وقوف سوريا إلى جانب هذا الحزب ماذا يعني؟

إن الاتفاق الذي تم في دمشق على حساب القوى الإسلامية نص على سحب كافة الأسلحة ومن جميع الأطراف، ومع ذلك تقوم القوات السورية يوميًّا بمداهمة بيوت الإسلاميين ومراكزهم لتجريدهم حتى من السلاح الفردي البسيط، بينما لم تفعل ذلك مع الحزب النصيري، فلماذا؟ وفي هذا المجال يقول علي عيد في مقابلة صحفية مع مجلة الشراع اللبنانية: إن الأمور الآن في يد السوريين ومع ذلك إذا حصل أي اعتداء علينا فإننا متفقون مع السوريين على استرجاع أسلحتنا!! ومع هذا فإن الدلائل تؤكد على عدم تسليم أسلحة المليشيات النصيرية وهذا ما أشار إليه الشيخ سعيد شعبان نفسه ومفتي الجمهورية اللبنانية حسن خالد الذي طالب بمعاملة جميع الفرقاء معاملة واحدة.. وكما أكدت على ذلك صحيفة الرأي العام الكويتية حين ذكرت في عددها الصادر يوم 4/10/85 «أن سوريا كانت تؤكد على أنها تريد جمع السلاح من جميع الأطراف المتقاتلة.. ولكن يبدو أن الأحزاب اليسارية أبناء الست.. وحركة التوحيد أبناء الجارية«.

وبالإضافة إلى هذا كله ألا يحق لنا أن نسأل علي عيد نفسه لماذا هو بالذات يقوم بتأسيس الحزب العربي الديمقراطي وهو نصيري الديانة؟ ولماذا يسمي أول مشروع تنظيمي لأبناء الطائفة باسم »حركة الشباب العلوي«؟ ومن ثم أطلقت عليها اسم الفرسان الحمر بإيعاز من أحد رموز الطائفة النصيرية في سورية، ولماذا يتكون حزبه من أبناء الطائفة النصيرية فقط؟ ولماذا توجد قوة حزبه في منطقة بعل محسن التي تقطنها الطائفة النصيرية؟ أليس كل هذا يدل على حقيقة حزبه الطائفية؟؟!

• النشأة الطائفية للحزب

يعتقد البعض أن الحزب تأسس في عام ۱۹۷۲ حسب الظهور الرسمي له والذي كان مشتركًا مع بعض الوجوه الطرابلسية العميلة لسوريا، من أمثال طلال المرعب وراشد المقدم ونسيب الخطيب في جبهة سياسية واحدة، وكان علي عيد في حينها متواريًا عن الأنظار، حيث من المعتقد أنه كان في ذلك الوقت يقيم في دمشق ليخطط لدور الحزب المستقبلي الذي يعبر عن الدور المستقبلي للطائفة النصيرية في شمال لبنان، التي كانت تطمح «حسب ما خطط لها» لإنشاء الدولة العلوية في طرابلس من خلال تدمير القوة الإسلامية فيها.. وكان التواجد السوري من خلال قوة الردع كفيلًا بإعطاء القيادة النصيرية فرصة التحرك لتحقيق أهدافها، وبالفعل عاد علي عيد إلى طرابلس وهو منتفخ بالآمال التي تدغدغ أحلامه بالسيطرة على مدينة طرابلس.

وكانت البداية الأولى لتحقيق هذا الحلم قيام على عيد بإنشاء أول تنظيم خاص بالطائفة النصيرية في منطقة بعل محسن أطلق عليه اسم حركة الشباب العلوي، التي انطلقت منها المليشيات المسلحة التي سميت بالفرسان الحمر وفرسان علي والتي كان يدعمها رفعت الأسد بالمال والسلاح، ومع استكمال البناء التنظيمي والعسكري للحركة أطلق عليها على عيد اسم الحزب العربي الديمقراطي، في محاولة منه لإخفاء حقيقته النصيرية التي لم تغب يومًا عن أبناء مدينة طرابلس، وكما تقول المصادر المطلعة في طرابلس فإن أعدادًا كبيرة من الشباب النصيري تم تسريبهم إلى منطقة بعل محسن في طرابلس من سوريا وتركيا ومن منطقة إسكندرونة بالذات المعروفة بتواجد الطائفة النصيرية فيها، والملاحظ أن تهريب هؤلاء ازداد في العام الماضي والحالي، وخاصة في الشهور التي سبقت المعركة الأخيرة التي جرت في طرابلس حيث انضمت هذه الكوادر النصيرية إلى الحزب العربي الديمقراطي ومليشياته المسلحة ليتم تدريبهم تمهيدًا للاشتراك في معركتهم الطائفية.

• الوجود النصيري في طرابلس

بعد انتهاء المعارك الأخيرة في طرابلس نتيجة التدخل السوري المباشر لصالح الحزب النصيري وفلول أحزاب اليسار المتحالفة معه أجرت مجلة الشراع اللبنانية مقابلة صحفية مع علي عيد، كان مما قاله فيها: «لقد قلت لسعيد شعبان وجماعته إن طرابلس ليست لكم وهي لي قبلكم فأنا طرابلسي أكثر منكم».

والناظر في هذا القول يعتقد- وخاصة من لم يطلع على مدى الصحة التاريخية لهذا الادعاء- أن علي عيد وطائفته ذات أصول طرابلسية تاريخية، ولكن الحقيقة المرتبطة بالتاريخ الطرابلسي تقول غير ذلك تمامًا، فمن المعروف أن مدينة طرابلس بالذات لم تعرف التعددية الطائفية باستثناء الأقلية المسيحية التي تعيش ضمن الأغلبية المسلمة التي تنتمي إلى مذهب أهل السنة والجماعة.

ومن المعروف أيضًا أن تجمعات من الطائفة النصيرية التي كانت تقيم في سوريا في المنطقة المسماة بجبل العلويين وفدت إلى طرابلس في أواخر العهد الاستعماري الفرنسي حيث تجمعوا في شمال المدينة فوق تلة تشرف على المدينة سميت بعل محسن، وازداد تدفق النصيريين على المنطقة منذ الخمسينيات حتى اصطبغت كلها بصبغتهم الخاصة.. وكان معظمهم يعملون في الزراعة أو في الأعمال المهنية البسيطة، ولم يكن لهم أي شأن سياسي أو حتى اجتماعي في المدينة، وفي عهد الرئيس اللبناني الأسبق كميل شمعون تمكن النصيريون من الحصول على الجنسية اللبنانية وبطريقة لم يكشف النقاب عنها؛ نظرًا لأن الجنسية اللبنانية لم تكن تعطى إلا للنصارى بشكل عام، ومن بين هذه المجموعات النصيرية كانت عائلة عيد التي ينتمي إليها علي عيد الذي يقود الطائفة النصيرية هذه الأيام.. وتمكن الطائفة من تثبيت قدمها في سوريا انعكس إيجابيًّا على التواجد النصيري في طرابلس وبشكل خاص مع دخول قوات الردع السورية وتمركز بعض وحداتها حول مدينة طرابلس، وقد أدى هذا الوجود إلى تمكين الطائفة النصيرية في منطقة بعل محسن وتقويتها ودعمها بشتى أنواع الدعم، إضافة إلى تمكين المزيد من التجمعات النصيرية القادمة من تركيا وسوريا من الاستيطان في المنطقة في محاولة لزيادة عدد أفرادها تمهيدًا للحصول على عدد من المقاعد في المجلس النيابي اللبناني فيما إذا انتهت الأزمة اللبنانية على النحو الذي تؤيده سوريا.

وبعد:

فإننا نعتقد أن دور الحزب العربي الديمقراطي الذي يمثل الطائفة النصيرية لن يخرج عن الهدف الأساسي للأحزاب الطائفية الأخرى في لبنان، فالكتائب المسيحية والتقدمي الاشتراكي الدرزي وأمل الشيعية والمتمثل بضرب الطائفة السنية في لبنان وتجريدها من كل سلاح والسيطرة عليها من خلال حكم صليبي باطني مشترك تظهر ملامحه هذه الأيام من خلال دعوة ممثلي الكتائب والدروز وشيعة أمل على عقد الاتفاقات الخاصة بالأزمة اللبنانية بدون أية مشاركة حقيقية للطائفة السنية.

الرابط المختصر :