العنوان ماذا عن أدب الأطفال الصهيوني؟!
الكاتب يحيي بشير حاج يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1994
مشاهدات 94
نشر في العدد 1105
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 28-يونيو-1994
المعركة والصراع في نظر المخطط
الصهيوني هي معركة المستقبل، والصراع في المستقبل، وعلى المستقبل، وإذا كان اليهود
قد اتكأوا على التاريخ الموغل في القدم لتوثيق روابطهم بأرض الميعاد المزعومة فإن
أعينهم لم تغفل لحظة عن تثبيت أقدامهم في هذه الأرض، وعن النظر إلى المستقبل؟! فمن
هذا المنطلق مثلاً يبحثون عن المياه ومصادرها ويشنون الحروب من أجلها، ويخططون
للإفادة منها حتى خارج الكيان الصهيوني على بعد آلاف الأميال؟!
ومن صراع المستقبل ومعركة المستقبل
تهيئة الأجيال التي تقوم بتصديق النبوءات والتفسيرات التلمودية، وتنفيذ المخططات
عن قناعة وثقة كاملين من خلال مناهج تربوية تتولى تخريج الناشئة التي تقوم بهذه
المهمة؟!
ويأتي أدب الأطفال على اعتباره وسيلة
من وسائل التربية ضمن حيز لا يستهان به في مناهجها ووسائلها، مما يوجب علينا ونحن
نخوض الصراع الحالي والمستقبلي أن نتعرف على هذا الأدب، ونطلع على نماذج منه «إن
الأدب العبري الذي دخل تحت جناح الحركة الصهيونية السياسية عند نشأتها، بل وراح
يمهد لها التربة قبل ظهورها منذ عام 1880م، وهو بداية ما يعرف في المصادر
الصهيونية بأنه عصر الإحياء القومي اليهودي، نشأ متشبعًا بفلسفتها، ومعبرًا عنها»
فبات من الضروري التعرف على المجتمعات المعادية من خلال الأدب.
ونتيجة لازدياد الثقة بالوثيقة
الأدبية وجدارتها فقد اتجهت مجموعات من الباحثين في أوضاع المجتمعات الحديثة
والمعاصرة إلى الاعتماد على الظاهرة الأدبية في الكشف عن مختلف الأوضاع في هذه
المجتمعات، ومع مرور الوقت تطور هذا الاعتماد، وتبلور عنه اتجاه نحو دراسة المجتمعات
المعادية، والتعرف عليها عبر الوثيقة الأدبية(1).
فإلى أي حد يستغل الأدب لخدمة
الصهيونية؟ أشار حسين محمد حسنين في بحثه الذي يحمل عنوان: «تأثير الاحتلال على
أدب الأطفال» إلى أن الصهيونية في الأراضي المحتلة وخارجها تعمل من خلال مرتكزات
علمية مدروسة لاستغلال وتسخير كل القنوات الموصلة للفكر والأدب والثقافة والتعليم
وغيرها الموجه للأطفال استغلالًا وتسخيرًا بشعًا بغية خدمة الصهيونية وسلطاتها،
وأدواتها، لتنمية الوعي الصهيوني لدى الأطفال وغرس المبادئ وخلق الولاءات الدائمة
لهذا الكيان ويرافق ذلك زرع الحقد والغل والكراهية وغيرها من الصور البشعة،
والنظرة الفوقية ضد العرب، وتعميق مفاهيم القوة والعداوة واستمرار تحقيق
الانتصارات الدائمة على العرب(2).
وقد دعانا ناحوم جولدمان إلى
الاهتمام بالعملية النفسية والتوجه إلى الأطفال -وقد استجاب الصهاينة لهذه
التوجيهات- «فكتب الأطفال الصهيونية الموجهة للأطفال اليهود مكتوبة باللغة
العبرية، وفي متناول أيدي الأطفال اليهود، وتلاقي دعمًا حكوميًا كبيرًا من قبل
وزارة الثقافة والتعليم في حكومة العدو، في نشرها وتوزيعها وطباعتها، موجودة في
المدارس والمكتبات العامة والخاصة، وبأسعار في متناول يد الجميع، وترتكز على موضوع
واحد، وهو تصوير الأطفال اليهود على أنهم جبابرة عظماء لا يقهرون، وهم يهزمون
أعداءهم العرب الأغبياء بسهولة ويسر الذين يريدون قتل اليهود من أجل المتعة
الذاتية فقط»(3).
ويشير نعمان هادي الهيتي إلى أن
الكتابات الصهيونية للطفل تختلق نماذج وصورًا من الانتصارات، محاولة بذلك تنمية
الشعور بالمسؤولية لدى الأطفال في القضاء على العدو العربي من جهة وإزالة أسباب
التوتر والخوف لدى الأطفال اليهود من جهة ثانية، وحين تستعرض التاريخ بين العرب
واليهود فإنها تصوره عداءً دائمًا، وأن هذا العداء الطويل لا يمكن له أن يزول، لأن
اليهود لم يثأروا حتى اليوم رغم مضي الأحقاب الطويلة، وعليه فإن في أعناق الأطفال
مسؤولية إكمال الثأر الناجز»(4).
وينشأ الطفل اليهودي على هذه المعاني
ليكون جندي المستقبل الذي يذبح العرب الدخلاء المتخلفين الذين يريدون إخراجه من
أرض الميعاد، وفرض تخلفهم عليه، وهو ما تشير إليه بوضوح كتب الأطفال الصهيونية،
وتربي النشء عليه وليس ذلك مستغربًا فقد أسندت التأليف في هذا المجال إلى خبرات
عسكرية ونفسية وتربوية، فقد اتضح -كما تقول صحيفة هآرتس الإسرائيلية 20/9/1974- أن
«عيدان ستر» ليس إلا «حزاي لوفعان» رئيس تحرير مجلة الجيش الإسرائيلي سابقًا، وأن
«أون سريغ» عضو منظمة «ليحي» سابقًا، واسمه الحقيقي «شارنما غفتي» وكتبهما من أوسع
الكتب انتشارًا، وكذلك «هازي لابين» كان محاربًا في صفوف البالماخ في عام 1948.
فماذا تقول هذه الكتب؟ وماذا تعلم
الطفل الصهيوني؟
هذا ما تجيب عليه بعض النماذج
المتوفرة:
1- حسمبة ولصوص الخيل للكاتب
الإسرائيلي «إيجال موسينزون» تروي أنه عندما كان مصطفى يتسلل إلى داخل إحدى
المغارات للسرقة انقض عليه «منشه» أحد أبطال مجموعة حسمبة، وأثناء التحقيق قال
مصطفى بعبرية ركيكة «أنا لا يوجد خيل» «أنا لا يوجد أعرف شيء».. لقد جاءت الخيل من
تلقاء نفسها، إنني أبحث عن سحالي، إن جدتي مريضة للغاية، وعندما تضع عشرين سحلية
على ظهرها فإنها تنهض من سريرها!
ومن الواضح أن هذه القصة تترك في نفس
الطفل الإسرائيلي شعورًا بأن العدو الذي تحاربه إسرائيل يتبنى قيمًا وعادات متخلفة
ويشعر أن وطنه لا يحتل أرض الغير ولا يضطهد سكانها، وإنما يعمل على تخليص سكان هذه
الأراضي من حالة التخلف الاقتصادي والحضاري التي يعيشون فيها(5).
2- تحيا الشجاعة للكاتب
«مناحيم تلمي» تصور وحشية الجنود العرب من خلال الحوار الذي دار بين القناصة العرب
الذين كانوا يوجهون نيرانهم صوب مستوطنة يعاريا، وتباهى أحد القناصة قائلًا: طلقة
واحدة وانتهى، وقال آخر: إنهم لا يجرؤون على مغادرة بيوتهم.. إننا نزرع الموت فيهم
-بعون الله ونبيه!
وعندما شاهد أحد القناصة امرأة في
المستوطنة قال للآخرين: إنها غنيمة لنا وسوف آخذ بعض أبقارهم الحلوب، وسأستولي على
إحدى فتياتهم.
وفي هذه القصة وأمثالها تشويه لحقيقة
الصراع وأهدافه وهي تزرع في نفس الطفل الإسرائيلي الشعور بأن هزيمة إسرائيل في
المعركة لن تؤدي فقط إلى فقدان سيطرتها على الأراضي العربية، وإنما ستؤدي إلى
العيش في حالة من الذل والاضطهاد، هذا بالإضافة إلى الوقوع في أسر العرب الذين
يعيشون كما تصفهم القصص في حالة مطلقة من التخلف(6).
3- مغامرات أوزيا أوز للكاتب
«هازي لابين» بطلها طفل إسرائيلي يهاجم أعداءه العرب، وينتصر عليهم دائمًا.. فهم
جبناء، مصاصو دماء، لا يتورعون عن فعل أي شيء لإشباع رغباتهم في القتل.
4- فتيات تروبسك، والأصدقاء
الأربعة في عملية غوش غتسيون للكاتبة أرنونة غاروت، وعملية في الأهرامات
لرفائيل ساهار، وعصابة الأصدقاء خلف خطوط الإرهابيين للكاتب «هـ. أروجيل» وأطفال
المدينة القديمة يحاربون المتسللين لحاييم ألياف (7) والهضبة للكاتب
«إيجال بن نثان» التي تصور التخلف العربي ممثلًا في شيخ قبيلة يرفض تجفيف
المستنقع، ويرفض وجود اليهود الذين يردون عليه: إن آباءنا استوطنوا هذه الأرض منذ
عدة أجيال، ولكنهم طردوا منها، وقد أتينا لإحياء الوجود اليهودي.
وكذلك فإن الأدب الموجه للأطفال خارج
الكيان الصهيوني وتتولى نشره المؤسسة الصهيونية من خلال مئات الصحف والكتب يؤكد
هذه المعاني، من ذلك كتاب «داود الصغير» الذي يصور العرب في مظهر المعتدين،
ويربط بينهم وبين هتلر، وأن الألمان بعد هزيمتهم في الحرب قد لبسوا الطرابيش، وجاءوا
إلى الشرق ليواصلوا رسالتهم في اضطهاد اليهود، ثم تزرع صور الكتاب -في خبث شديد-
بذور الشفقة العارمة في نفوس الأطفال على داود الصغير الذي وجد نفسه في مستهل
تأسيس دولته يواجه اضطهاد العرب والإنجليز معًا.
وفي أحد معارض كتب الأطفال التي
أقيمت في إحدى الدول الأوروبية عرضت إسرائيل قصة كتكوت صغير يقف وحيدًا وسط عدد من
الديكة المتوحشة التي تلتف حوله تريد الفتك به. وينادي الكتكوت الصغير بأنه لا
يريد شيئًا، إنه يريد الحياة في سلام وسط هذه الديكة المتوحشة المعتدية، وقد طبعت
هذه القصة طباعة فاخرة مزدانة برسوم جميلة وكلمات بسيطة(8).
وبالطبع، فإن براءة الأطفال ستقف إلى
جانب الكتكوت «إسرائيل» ضد الديكة المتوحشة «العرب» لينقلب ذلك في المستقبل إلى
عداء شديد لمن يمثلون التوحش، وتعاطف كبير مع من يمثل البراءة!
لقد أثمر هذا الأدب، وأعطى نتائجه
بحسب ما يريد المخطط الصهيوني «وينبغي ألا يغيب عن الذهن أن الجرائم والمذابح
الجماعية للأطفال والشيوخ والنساء هي نتيجة طبيعية لما تبذله الصهيونية من جهود
وما توظفه من إمكانات في تربية الأطفال منذ نعومة أظفارهم على الحقد والكراهية،
وتقبل الأوامر دون مناقشة، وتنفيذ أبشع الممارسات ببرود الأعصاب، -ودون تردد-
فيفقؤون العيون ويبقرون البطون ويقتلون الأطفال داخل أرحام أمهاتهم، ويهتكون
الأعراض، ويشوهون الأجسام، ويقطعون الأطراف، ويطفئون أعقاب السجائر في الوجوه»(9).
ففي دراسة أجراها أحد أساتذة
الاجتماع في إسرائيل على طلاب المدارس الابتدائية، خرج بالنتيجة التي تقول إن 60%
من بين (1066) طفلًا قابلهم تتراوح أعمارهم بين 9 – 14 عامًا أيدوا الإخفاء الكلي
للسكان العرب المدنيين المقيمين في الأرض المحتلة في حالة وقوع صراع مسلح مع الدول
العربية».
الهوامش
1- الأدب الصهيوني بين حربي يونيو
«حزيران» 67 - أكتوبر «تشرين» 73 لإبراهيم البحراوي (ص 8).
2- أدب الأطفال في الأردن «واقع
وتطلعات» بحث لحسين محمد حسنين (ص 210).
3- المصدر السابق «تأثير الاحتلال
الصهيوني على أدب الأطفال» ص 224 لروضة الفرخ الهدهد ونجية منسي.
4- أدب الأطفال لهادي نعمان الهيتي
«فصل أدب الأطفال الصهيوني» ص 122.
5- مجلة القاهرة، ص 21 - مقال د.
جمال الرفاعي «أدب الأطفال المصري وعنصرية أدب الأطفال الصهيوني» العدد 109 - 15
أكتوبر 1990م.
6- المصدر السابق ص 21.
7- تأثير الاحتلال الصهيوني على أدب
الأطفال (ص 250).
8- أدب الأطفال للهيتي (ص 128).
9- أدب الأطفال في الأردن (ص 214).
لا، لن تموت فلسطين
عاد طارق كعادته من المدرسة يحمل
حقيبته على كتفيه، إنه طفل في الثانية عشرة من عمره، ترى في عينيه نظرات الأسى
والألم على وطنه المغتصب، وتعرف من ملامح وجهه الصغير أنه يحمل هموم هذا الوطن
الكبير داخل قلبه الصغير، وبينما هو يسير في طريق عودته إلى منزله الصغير في
القرية، وجد جنود الاحتلال -كعادتهم- يملأون الشوارع والحواري، يبحثون عن الرجال
والشباب والأطفال، ويمسكون بهم ويضربونهم ضربًا مبرحًا، ويطلقون عليهم الرصاص
أحيانًا ويقتحمون المنازل في أي وقت بدعوى البحث عن الإرهابيين، ومن هم
الإرهابيون؟ إنهم شباب وأطفال يثورون على الظلم والبغي، يريدون الحرية وسلاحهم هو
الإيمان بنصر الله -عز وجل- على هؤلاء اليهود ناقضي العهود، وتراهم يقذفون
بالحجارة في وجه الجنود وصارت الحجارة قنابل تتفجر في وجه هؤلاء الخونة.
كانت حقيبة طارق بها بعض الحجارة
يستخدمها في قذف جنود الاحتلال، وعندما وصل طارق إلى منزله وجده مهدومًا، وقف ينظر
إلى حطام المنزل مذهولًا غير مصدق، ماذا حدث؟ وأين منزلنا؟ أين والدي ووالدتي
وإخوتي؟ ولكن ليس هناك من يجيب، ليس هناك سوى الجنود والدمار والخراب وبقايا
المنزل الصغير، فبكى وسالت من عينيه الدموع، ثم نظر إلى الجنود بغضب واحتقار وصرخ
قائلًا: أيها الخونة، وأخرج من حقيبته بعض الحجارة وقذفها عليهم وهو يردد: أيها
الخونة.. أيها الخونة..
ولما نفدت منه الحجارة أخذ بعض
الحجارة من بقايا منزله الصغير وأخذ يقذف بها الجنود، ولكنهم لم يمهلوه فأطلقوا
عليه الرصاص فسقط على الأرض شهيدًا وفي يده بعض الحجارة، وسقطت الكتب من حقيبته
ومن بينها ورقة مرسوم عليها علم فلسطين وتحته عبارة تقول: «لا لن تموت فلسطين» مات
طارق، ولكن الثورة لم تمت ولن تموت، فهناك ألف طارق آخر يمسكون بأيديهم الحجارة
يقذفونها.. فإلى الله يا طارق ولن تموت فلسطين!
محمد مسعد عبد الرازق كراوية
الجبيل – السعودية