; ماذا خسرت مصر والعرب والمسلمون بصدام عبد الناصر مع الإخوان؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا خسرت مصر والعرب والمسلمون بصدام عبد الناصر مع الإخوان؟

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 24-أغسطس-2002

مشاهدات 73

نشر في العدد 1515

نشر في الصفحة 40

السبت 24-أغسطس-2002

اكتشف حسن الهضيبي مبكرًا أن الضباط لا يرحبون بمشاركة أحد معهم، لكن البعض استمر في التمني والأحلام.

من أكبر الأحداث التي عاشتها ثورة يوليو المصرية صدامها مع الإخوان المسلمين، أكبر قوة شعبية في منتصف الخمسينيات، وكبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث، وقد أثمر هذا الصدام النكد ثمرات مرة ما زالت الأجيال تتوارثها حتى اليوم في تجليها الأظهر، وهو العداء المستحكم بين معظم الحكومات والأنظمة في منطقتنا العربية وبين الحركات الإسلامية، فتلك النظم. اتفقت أم اختلفت مع ثورة يوليو-  ورثت عنها حال التربص والعداء، والبطش والتضييق على كل الحركات الإسلامية مهما اقتربت هذه الحركات أم ابتعدت عن منهج الإخوان، فضلًا عن عشرات أو مئات الشهداء وآلاف المعتقلين وضحايا هذا الصدام الدامي من النساء والأطفال والبيوت والعائلات.

لا أريد تحليل أسباب الصدام ولا فتح سجلات التاريخ التي ستظل مفتوحة حتى تنقضي أعمار الذين شاركوا في الأحداث وتكتب شهاداتهم جميعًا ويزول ظل حكم الثورة بحيث يكتب التاريخ حرًّا من كل تأثير، وعندها تظهر الحقائق.

ولكن تعال معي تفكر في إجابة عن هذا السؤال: ماذا لو لم يحدث ذلك الصدام؟

 بالطبع ستكون الإجابة السريعة: هي أننا كنا سنتجنب التضحيات الجسام، وأن صفحة الثورة كانت ستظل خالية على الأقل من أكبر مثالبها وعيوبها أو بالأحرى خطاياها، وهي «امتهان كرامة الإنسان بالتعذيب والقتل والاعتقال مدى الحياة». 

وستبقى بقية الإجابة حائرة حول: كيف كانت البدائل أمام الثورة وعبد الناصر في التعامل مع الإخوان المسلمين؟ وما الدور الذي كان يمكن أن يقوم به الإخوان في الحياة السياسية والاجتماعية وفي تحديث مصر وتنمية البلاد وتربية العباد وكيف كانت ستصبح صورة مصر ودورها في المحيطين الإقليمي والدولي في ظل وفاق لا صدام بين حكومتها والإخوان؟!

 ثلاثة احتمالات

(۱) الوفاق بين الثورة والإخوان

وإذا تصورنا احتمالات الوفاق فإن أكبر احتمالين هما: إما أن يوفي في عبد الناصر ومعه بعض أهم قيادات الثورة بعهدهم مع الإخوان المسلمين الذين تتفق الروايات على انضمامهم إلى صفوفهم وقسمهم على المصحف الشريف بالوفاء ببيعتهم لحركة الإخوان، وهذا يقتضي- عند التنفيذ العملي.

خروج برنامج إسلامي إلى الوجود تتبناه دولة كبرى وسيكون له تأثير على مجمل المنطقة بل والعالم الإسلامي كله، كما يؤثر في دور مصر الدولي والعالمي. 

والاحتمال الآخر هو أن يتحلل عبد الناصر ورفاقه من تعهداتهم وينكثوا ببيعتهم ولكن دون حدوث صدام، وهنا سيكون الأرجح أن تنفذ الثورة تعهداتها بحياة ديمقراطية سليمة يتنافس فيها الإخوان المسلمون مع بقية القوى السياسية الحزبية والتيارات الفكرية على ثقة الجماهير مع إصلاحات حقيقية في النظام الدستوري والنيابي، وسيكون هذا الاحتمال مفتوحًا على بدائل كثيرة تتوقف على مدى قوة كل تيار وثقة الناس به ومدى تطور النظام الديمقراطي في مصر، وكان هذا الاحتمال أيضًا سيشكل نموذجًا تحديثيًّا كبيرًا في المنطقة كلها.

ويمكن أن نتصور احتمالًا ثالثًا وهي حرمان الإخوان من المشاركة السياسي ولكن دون محاولات لتصفية وجودهم المادي أو استئصالهم من الحياة أصلا وهنا ستكون هناك احتمالات مفتوحة أمام بدائل متعددة مثل: صدامات محتملة ومشاكسات بين وقت وآخر، أو اندماج الإخوان في التأثير الثقافي الاجتماعي والدعوي والتربوي دون المشاركة في الحياة السياسية.

لم يكن لدى شباب الضباط الذين قاموا بالثورة (الانقلاب الذي تحول إلى ثورة) أي برامج أو خطط لمستقبل الحياة في مصر، ولم تكن لديهم تصورات واضحة ومحددة عن كيفية التعامل مع الملفات المختلفة، ولذلك تأثروا في السنوات الأولى بمستشاريهم المدنيين الذين كانوا لهم خصومات شديدة مع القوى السياسية ذات الثقل والشعبية في مصر قبل الثورة. 

وإذا تأملنا تطورات الأحداث فسنجد أن كثيرًا من المشاريع والبرامج والخطط -التي تبنتها الحكومات المتتالية بعد إحكام السيطرة على دفة الحكم وحسم الصراعات الداخلية في مجلس قيادة الثورة الصالح انفراد عبد الناصر بالحكم- كانت أفكارًا لقوى سياسية مسطورة في مقالات لأعضائها أو أحلامًا نادي بها مفكرون وعلماء إما مستقلون أو ينتمون إلى تيارات فكرية وسياسية ومنهم من ينتمي للإخوان المسلمين.

إذن كان احتمال أن يتبنَّى الثوار برنامج الإخوان في حال وفاقهم مع الإخوان المسلمين ووفاء قادتهم بعهودهم كان مطروحًا بقوة، فماذا ستكون الصورة عندما يخرج هذا البرنامج إلى حيز التنفيذ العملي؟

كان التحدي الذي يطرح نفسه بقوة: كيف سيتعامل الإخوان مع الملفات الداخلية والخارجية؟، وإذا استحضرنا مواقع الخلاف الأولى بين الثوار والإخوان فسنجد أن أبرز قضيتين كانتا: 

استئناف الحياة النيابية داخليًّا تبني برامج إصلاحية ذات توجه إسلامي يتطابق مع الشريعة الإسلامية وخارجيًّا كان الخلاف الكبير والضخم حول اتفاقية الجلاء شروطها التي اعترض الإخوان عليها وتسببت في صدام أدى إلى تفاقم الخلاف وعدم إمكان التعايش، خاصة البنود التي تتيح للقوات الإنجليزية العودة إلى مصر في حال نشوب خطر المنطقة. كان هذا التحدي سيتيح لنا -أول مرة- استئناف حياة عصرية تتعامل مع الواقع الذي تشابكت خطوطه وتعقدت أحواله من منظور إسلامي عصري يتبناه الإخوان المسلمون الذين استطاعت مدرستهم أن تقدم طرحًا عصريًّا يوفق بين معطيات الإسلام ومعظم مستحدثات العصر والحداثة، ففكرة «الوطنية» و «الوطن الخاص» مقبولة لديهم، ولا تتعارض مع السعي للوحدة العربية التي يعتبرها الإخوان مقدمة الوحدة إسلامية تحتاج إلى تمهيد طويل وجهد دؤوب، والحياة الدستورية النيابية هي أقرب نظم الحكم القائمة في العالم إلى الإسلام ولا تتعارض أبدًا مع دعائم الحكم كما يراها الإخوان التي هي مسؤولية الحاكم واحترام إرادة الأمة ووحدة الأمة حول أهدافها القومية.

 وبرامج الإخوان حول أهم القضايا المعيشة له صدى في نفوس الناس، فهم مع تحديد الملكية الزراعية ولكن بقدر يتيح تنمية الثروة الزراعية، وكان رأيهم أن يبقى الحد الأقصى للملكية عند خمسمائة فدان،  وكانت لهم برامج لمحاربة الفقر والجهل والمرض وكان لهم رأي في تطوير الحياة الحزبية يقول بتوحيد جهود الأمة كلها نحو تحقيق الجلاء والاستقلال، ثم يأتي الاتفاق حول أسس جديدة للحياة الحزبية تنحو نحو البرامج لا الشخصيات والاهتمام بالوعي القومي وتنميته والالتفاف حول أهداف لا يصح التفرق عليها، وكأنها بمثابة سياج للأمن القومي وهو ما نراه في الدول الديمقراطية.

 مصير الضباط

كان التحدي الكبير أمام هذا الاحتمال هو مصير الضباط الثوار في ظل نظام إسلامي عصري: هل كانوا سيعيدون تاريخ الحكام العسكريين كالمماليك فيتشبسوا بالحكم ويصبحوا سلاطين جددًا ويكتفوا بالاستعانة بالإخوان وغيرهم لتنفيذ برامج إصلاحية إسلامية؟ أم أنهم كانوا سيسلمون السلطة إلى برلمان ينتخبه الشعب بعد فترة انتقالية ويعودون إلى الثكنات من جديد؟

 يقودنا هذا الاحتمال إذن إلى ولادة جمهورية إسلامية عصرية في مصر ذات البيئة المتسامحة وفي بلد الأزهر الذي كان سيشكل قاعدة خلفية فكرية للبحث والدراسة وتقديم الحلول العملية المشكلات الحياة المعاصرة من منظور إسلامي وكانت هذه الجمهورية ستسبق مثيلتها في إيران وستدفع حركات التحرر الوطني التي كانت تستلهم الإسلام في ثورتها وعنفوانها إلى تبني نفس النموذج الإسلامي وهو ما يقود إلى ولادة عالم إسلامي جديد، تكون مصر الأزهر والثورة في القيادة والريادة منه، وكانت كتلة عدم الانحياز ستضم بلاد العالم الإسلامي ككتلة واحدة لها ثقل دولي، وكان هذا كله سيدفع بالفكر الإسلامي إلى المساهمة في قضايا العالم الجديد الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية، وفي ظل الحرب الباردة كان قبول هذه الكتلة أقرب إلى التسليم به من جانب الغرب بقيادة أمريكا التي تسلمت زمام القيادة وهي التي كانت تسعى وقتذاك لمواجهة الخطر الشيوعي وفق نظرية دالاس حول احتواء الاتحاد السوفييتي. 

(۲) انتصار جناح محمد نجيب وعودة الحياة النيابية

أما الاحتمال الثاني وقد كان مطروحًا بقوة أيضًا حال انتصار محمد نجيب ومناصريه في معركة الديمقراطية داخل مجلس قيادة الثورة (المعروفة بأزمة مارس ١٩٥٤م) حيث كان هناك إجماع شعبي يزكيه الإخوان لعودة الحياة النيابية وإجراء انتخابات حرة، وقد نجح عبد الناصر في هذه الجولة وأطاح بمحمد نجيب بعد ذلك، ثم حدث الصدام المروع مع الإخوان الذي استمر طوال فترة حكمه (٥٤ -۱۹۷۰م) ويستدعي ذلك الاحتمال استعراض القوى السياسية الرئيسة وقتها لمعرفة أوزانها النسبية وكيفية تكوين البرلمان المنتخب. 

أجمع المراقبون على أن الإخوان كانوا أكبر قوة سياسية وشعبية، وأنهم استفادوا من مشاركتهم في الحركة ثم ابتعادهم عن العمل التنفيذي، ثم خلافهم مع الثورة حول استئناف الحياة النيابية وإفلاتهم مع حظر النشاط الذي منع الأحزاب وقضى بحلها جميعًا باستثناء الإخوان.

 وكانت هناك على الساحة الفصائل الشيوعية واليسارية المتنافرة فيما بينها، وكانت أشبه بشظايا مبعثرة ولا تأييد شعبيًّا لها.

وكانت هناك بقايا الأحزاب، ولا شك أن الوفد كان له نفوذ وتأثير لم يبهت بعد، أما المنافس الرئيس فكان حركة الجيش التي أسست «هيئة التحرير» ثم تحولت إلى الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي.

ويقضي هذا الاحتمال بأن المنافسة الرئيسة كانت ستحتدم بين قوى ثلاث: الإخوان المسلمون وهيئة التحرير وحزب الوفد بعد إعادة تشكيله وتطهيره، وهنا كان الإخوان سيمثلون قوة نيابية رئيسة أشبه بما تمثله الأحزاب الإسلامية اليوم في تركيا، أي ستكون رمانة الميزان وستصبح شريكًا في كل حكومة ائتلافية حيث يصعب على أي قوة من الثلاث أن تحظى بأغلبية ساحقة، خاصة بعد أن تم تحجيم حزب الوفد.

 ولعل المضي قدمًا مع هذا الاحتمال يجعل التحالف والائتلاف بين الإخوان وحركة الجيش أرجح احتمالًا من ائتلاف آخر سواء بين الوفد والإخوان أو بين الجيش والوفد، وهذا يقودنا إلى نفس النتائج السابقة تقريبًا لبروز مصر كدولة إسلامية عصرية، ولكن هنا في ظل رقابة قوة سياسية ذات خبرة وحنكة تمثل رقابة حقيقية وسيكون ذلك نموذجًا ديمقراطيًا حقيقيًّا لبقية الدول الإسلامية وسيحقق للمسلمين حلمًا أصبح عزيز المثال وهو أن يستأنفوا نظام الشورى الإسلامي بعد جفاف أصاب التطور السياسي والإداري في البلاد الإسلامية.

 كان ذلك التصور سيتيح أمام مصر تحقيق الأحلام التي أعلنت عنها الثورة وفشلت في إنجازها.

لم يكن انفصال السودان- وهو أول صدمة للمصريين - ليحدث لأن الديمقراطية النيابية في وادي النيل كانت كفيلة بتحقيق أماني أهل جنوب الوادي في وحدة حقيقية تكفل لهم وضعًا خاصًا ونشاطًا سياسيًّا كبيرًا وتنمية عادلة بين الشمال والجنوب.

وكانت الوحدة المصرية السورية ستصبح أمتن وأقوى، حيث لن يشترط عبد الناصر أو الرئيس المصري أيًّا كان حل الأحزاب السورية، بل تبقى وتعمل في ظل نظام الوحدة التي جاءت نتيجة إرادة شعبية وبعد نقاش حر في البرلمانات، مما سيجعلها تقوم على أسس راسخة تكفل لها الاستمرار والبقاء لتكون نموذجًا يحتذى، لعلها ستكون مع وادي النيل مقدمة لحسم الصراع العربي - الصهيوني كما حدث أيام صلاح الدين الأيوبي الذي استطاع هزيمة المشروع الصليبي الاستيطاني في بلاد الشام.

لم تكن مصر لتعرف في ظل هذا النظام النيابي الدستوري الصدمات ولا المصادرات ولا التأميم، بل ستعرف إصلاحًا متدرجًا يسعى إلى تحديث مصر ومعالجة أوجه الخلل والتفاوت بين الطبقات بطريقة لا تثير الأحقاد أو تبعث الرغبة في الانتقام مثلما يحدث في مصر حيث عادت الأسر التي كانت تسيطر على الاقتصاد المصري قبل ١٩٥٢م إلى السيطرة عليه من جديد بعد التحولات الانقلابية التي عاشتها مصر منذ الثورة حتى اليوم دون أن تحدث جديدًا بل بقيت الأوضاع على ما عليه تقريبًا، فالسلطة السياسية محتكرة تمامًا والنفوذ الاقتصادي مقتصر على طبقة محددة والشعب غير قادر على إحداث تغيير حقيقي.

 كان الإخوان المسلمون سيشكلون رافعة قوية للتغيير السلمي الهادئ حيث سيختبر الشعب برامجهم ويراقب تنفيذها. وكان المتوقع أن ينجح الإخوان - طالما احتفظوا بالموضوعية والتدرج والعمل السلمي في أن يطوروا من أفكارهم وبرامجهم ليعطوا مثالًا ناجحًا وقدوة طيبة تصلح لتشكل نواة لدولية إسلامية إصلاحية تكون البديل الجيد الناجح للنموذج الذي أصبح يشكل خطرًا على مفاهيم الإسلام نفسه بعد أن ارتبط اليوم الإسلام بما تسميه أمريكا الإرهاب وأصبحت الحركات الإسلامية محل اتهام بل بات كل مسلم في نظر أمريكا إرهابيًّا حتى يثبت العكس.

(۳) انفراد الضباط بالسلطة دون مشاركة شعبية ولا حياة نيابية

يبقى الاحتمال الثالث والأخير وهو أن ينفرد الضباط بالسلطة احتكارًا لها دون مشاركة شعبية وبلا حياة نيابية ولكن تترك الساحة للإخوان كقوة اجتماعية دعوية وتربوية لا تعمل بالسياسة. وهذا الاحتمال هو أبعد الاحتمالات عن التحقق، فلا الإخوان سيتركون جانبًا من الإسلام يرونه أساسيًّا وجوهريًّا ويمثل تخليهم عنه طعنة الجوهر فكرتهم الشاملة عن الإسلام ولا الضباط كانوا سيتركون الإخوان وشأنهم إذا هم أعلنوا عن ذلك، فالريبة ستسيطر على نفوسهم. 

إلا أن السير مع هذا الاحتمال إلى نهاية الشوط كان سيؤدي إلى نتائج إيجابية في صالح مصر. ولقد سمعت مفكرًا مرموقًا في حوار هادئ يتمنى لو أن الإخوان سلكوا هذا السبيل، إذ يرى أن انشغال الإخوان (وكان هو من بين صفوفهم) بالعمل التربوي وتمتين الأخلاق وبث الفضيلة في المجتمع كان سيترك أبلغ الأثر على الأجيال الجديدة لأن صفوف الإخوان تعرف إحياء قيم الجد والاجتهاد والتفوق والتميز والعمل والإنتاج والتماسك والتضامن الاجتماعي وغيرها من القيم الإيجابية التي افتقدتها الأجيال الجديدة في مصر بعد ذلك، وكان الإخوان يربطون هذه القيم بالعقيدة والدين مما يزيدها رسوخًا في النفس البشرية وعائد ذلك كله على المجتمع المصري في مدارسه ومعاهد العلم والجامعات، وفي مواقع العمل والإنتاج وفي تعظيم العوائد الإيجابية وتقليل النتائج السلبية التي عرفتها مصر من إهدار لتلك القيم وضياعها كان انتشار الإخوان عظيمًا في كل البلاد وكان لهم ما يزيد على ۲۰۰۰ شعبة (مصر كان بها وقتذاك ٤٠٠٠ قرية تقريبًا) ويتبع دعوتهم ما يزيد على المليون كان عدد سكان مصر حوالي ٢٠ مليونًا) ولهم دعاة منتشرون في كل مسجد وزاوية ولهم مقرات ونوادٍ رياضية ومصانع وشركات، وكانوا القوة الأولى في الوسط الطلابي تقريبًا وتأثيرهم في الجامعات كان ضخمًا وكبيرًا. كل ذلك كان يؤهلهم للعب دور كبير في إحياء القيم الإيجابية في المجتمع. 

أذكر أن مجموعة من شباب الإخوان في أواخر الثمانينيات قامت بجولة على كبار رجال الدولة والسياسة والاقتصاد وكنت فيهم فكان كل منهم تقريبًا يذكر بالخير تلك الأيام التي كان يتردد فيها على شعب الإخوان ليمارس الرياضة البدنية أو يتلقى الدروس العلمية أو يستمع إلى المواعظ الدينية. يرى البعض (وحيد عبد المجيد في 19/7) أن الصدام كان حتميًّا بين الضباط وبين الإخوان، لأن الطرفين مارسا لعبة صفرية Zero Sum Game وهي! لعبة لا تترك مجالًا لأحد الطرفين إلا بالقضاء على الآخر.

وأرى أن سبب ذلك هو في الحقيقة اشتراك الطرفين في حركة الجيش أو الانقلاب الذي تحول إلى ثورة بات كل همها تأمين بقاء النظام واستمراريته ولو على حساب كل الأهداف التي دعا إليها الثوار ولعل مراجعة حقيقية وشاملة لتلك المشاركة يفضي إلى إثارة قضية مهمة هي «استحواذ فكرة التغيير بالقوة للوصول إلى السلطة على عقول كثير من الإسلاميين».

لم يكن الإخوان يؤمنون أصلًا بالثورة ولا بالانقلاب العسكري رغم كل ما يحاول البعض الإيحاء به باقتناص كلمات من هنا أو هناك لمؤسس الجماعة حسن البنا -رحمه الله- بل كانت نقطة البدء عندهم في التغيير هي تغيير النفوس والسلوك الاجتماعي والنضال الدستوري، لكن حدث تحول عجيب جعل القادة يضغطون على المرشد الثاني حسن الهضيبي: يرحمه الله - لتأييد فكرة الانقلاب العسكري أملًا في إحداث تغيير سريع بالمشاركة في السلطة التنفيذية. 

ثم جاء الصدام عندما اتضح للجميع أن الضباط لا يرحبون بمشاركة أحد أصلًا، وهو مما انكشف للمرشد الهضيبي مبكرًا، إلا أن البعض استمر في التمني والأحلام بأنه يمكن المشاركة في السلطة مما أحدث انقسامًا في صفوف الإخوان خاصة الجناح الذي كان على صلة بالضباط.

يتبين لنا من الإجابة عن السؤال الافتراضي: ماذا لو لم يحدث الصدام النكِد بين حركة الجيش وعبد الناصر، والإخوان المسلمين حجم الخسارة التي لحقت بمصر جراء هذا الصدام في كل المجالات، وإذا كان محبو عبد الناصر يميلون دائمًا إلى تضخيم من تحقق في عهده وتعظيم حجم الإنجازات مقارنة بم كانت عليه مصر قبل ١٩٥٢م فإنهم يغفلون عن الإجابة عن مثل ذلك السؤال وغيره وما يستتبعه من أسئلة عن الديمقراطية والشورى والعدل والمساواة وغيرها من الإخفاقات التاريخية، فكيف كانت ستصبح صورة مصر لو لم تحدث تلك الإخفاقات وكيف كانت ستصبح صورة مصر لو أعلت كرامة الإنسان ولم تهدرها في حلقات التعذيب رغبة في الانفراد بالسلطة؟ وماذا لو لم يحدث ذلك الصدام النكد بين شركاء الثورة لاشك لأصبحت مصر أفضل كثيرًا، إنسانيًّا وبشريًّا، اقتصاديًّا واجتماعيًّا خلقيًا، وعلميًّا، سياسيًّا وإداريًّا، ولأصبح الملف الأساسي الذي يشغل العرب والمسلمين اليوم وهو «الصراع مع العدو الصهيوني»، أقرب إلى الحسم بدلًا من التراجعات المتتالية التي قادتنا إليها إخفاقات نظام يوليو عبر حروب خاسرة أوصلتنا إلى الحال المأساوية في نهاية عهد عبد الناصر، حيث كان الشعار المرفوع كامل وحل هو «إزالة آثار العدوان» أي عدوان ١٩٦٧م أما ما سبق من عدوان 56، 1948م فكان سيظل مؤجلًا!

ولا شك أن وجود الإخوان المسلمين كقوة مشاركة في السلطة أو كحزب سياسي في البرلمان أو حتى كقوة اجتماعية ذات تأثير كان سيقلل من حجم الخسائر التي لحقت بنا في هذا الصراع.

كتب المفكر الإسلامي الهندي «أبو الحسن الندوي كتابه الأشهر ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ ونحن في الذكرى الـــ٥٠ لثورة يوليو المصرية ندعو المفكرين والعلماء إلى كتابة مراجعات حول ماذا خسرت مصر والعرب والمسلمون بصدام الثورة مع الإخوان المسلمين؟».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

636

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية