العنوان ماذا حدث في إسبانيا؟.. الباسك والمأزق الخطير
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1997
مشاهدات 57
نشر في العدد 1260
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 29-يوليو-1997
تابعت الكاتبة الصحفية نوال السباعي «أطول يوم في تاريخ إسبانيا الحديثة»، وتذكرت مآس عرفتها دول عربية أخرى شاهدت وتأثرت وتفاعلت وحللت وكتبت التقرير التالي:
سانتا كروث دي لا بالما: نوال السباعي
هذه واحدة من المرات التي شهدت فيها - وللأسف الشديد - حكمًا جائرًا بالإعدام على إنسان لم يستطع أحد من أهله أو مواطنيه استنقاذه منه.
تغيرت المسارح، وتغير الجمهور، وتغير القتلة، وتغيرت الضحية، إلا أن تلك الساعات العصيبة التي يمكن لأمة أن تحياها، وهي تنظر إلى عقارب الساعة التي تقترب من الموعد المحدد لقتل واحد من أبنائها، بين ظهرانيها وهي تسمع وترى، هذه الساعات لا يمكن لهولها أن تتغير، وكذلك الانتظار الثقيل وكأنه تصعد في سماء انعدم في هوائها الأكسجين، وشدت نبضات القلوب إلى صدى الصمت المخنوق بالألم الذي يزيده ألمًا العجز المرير عن عمل شيء.
لم يكن البلد الذي شهد هذه الحادثة، واحدًا من بلاد العرب والمسلمين، حيث تتكرر مثل هذه الأحداث الأليمة، ولم يكن منفذو العملية أصحاب سلطة عجزوا عن التعامل مع شعوبهم والتفاهم معها، ولم يكن الضحية «رجلًا أمة»، ولا ثائرًا اجتهد فأخطأ، ولا عسكريًا أراد إحداث عملية تغيير سياسي بأسرع الطرق، وأكثرها حمقًا لقد كان شابًا عاديًا، وعاديًا جدًا، في الثانية والعشرين من العمر، نائب عن حزب الشعب - الحاكم - في بلدية قرية صغيرة من قرى إقليم الباسك تدعى «إرموا» وكان منفذو الحكم بالإعدام أعضاء في منظمة إيتا ينتمون إلى نفس الإقليم.
إلا أن الألم العاجز هو ذاته والمشاعر الإنسانية هي ذات المشاعر التي تؤجج في صدر كل إنسان ثورته الصغيرة الخاصة به، ضد الظلم، وضد الاعتداء على حرية الآخرين وكرامتهم، ووجودهم خاصًة إذا كان ذلك الاعتداء دون مبرٍر، ودون وسيلٍة لدفعه أو رده.
ماذا حدث في إسبانيا؟
كانت قوى الأمن الداخلي قد تمكنت في أواخر شهر يونيو الماضي، وللمرة الثانية خلال ٣٥ عامًا من حرب العصابات التي تشنها منظمة إيتا الانفصالية من ضرب المنظمة في موجع، وعثرت على الوكر تحت الأرض الذي احتجزت فيه «إيتا» أحد موظفي السجون الذي اختطفته منذ ٥٣ يومًا، قضاها الرجل في ظروف غير إنسانية، وقد استطاع رجال الأمن إخراجه بعد سلسلة من الاعتقالات التي تمت في كل من الأراضي الباسكية الفرنسية والإسبانية.
وقام وزير الداخلية الإسباني بإطلاق تصريحات استعراضية استفزازية تعبيرًا عن نشوة حكومته بتحقيق هذا النصر المؤزر على المنظمة الانفصالية من جهة، وعلى جميع الحكومات الاشتراكية السابقة التي عجزت خلال ١٣ عامًا عن إطلاق سراح أحد من المختطفين من قبل إيتا، والذين تجاوز عددهم ٦٠ شخصًا خلال ثلاثين عامًا.
ويعتبر الاختطاف أحد الأسلحة الفتاكة في الحرب التي تشنها إيتا بدأب وفعالية في إسبانيا لتحقيق أهداف ثلاثة رئيسة:
1- اقتصادية: حيث تقوم إيتا باختطاف كبار أرباب الأعمال وأصحاب المصارف والأموال الباسكيين، بخاصة أولئك الذين يمتنعون عن أداء ما تسميه إيتا بالجزية الثورية، وهي المبلغ الذي تفرضه المنظمة على أفراد الشعب، دعمًا لثورتها الانفصالية ولا يتم الإفراج عن هولاء المختطفين إلا بعد دفع مبالٍغ طائلٍة، وبعد مضي الأوقات الطويلة التي يستغرقها جمع هذه الأموال، والتي قد تزيد على عام.
٢- سياسية: حيث تقدم إيتا على اختطاف موظفين في الدولة أو أعضاء في الأحزاب المرموقة لأهداف سياسيٍة بحتة كوقف محاكمات معينة، أو الرد على التقارب بين حكومات كانت مؤيدة لإيتا فأصبحت مؤيدة للحكومة الإسبانية أو للضغط على الحكومة في سبيل تجميع سجناء إيتا المتفرقين في مختلف السجون ونقلهم إلى سجون الباسك بالقرب من مواطنيهم وذويهم، وهو الأمر الذي رفضته الحكومات المتتالية، لما يمكن أن يتسبب به هذا التقارب من تأجيج لمشاعر الشعب الباسكي، وتواصل مباشر بينه وبين مجندي إيتا الذين يقضي معظم زعمائهم التاريخيين أحكامًا بالسجن.
3- انتقامية: وضمنها يدخل اختطاف الشاب «ميكل أنخل بلانكو غاريدو»، العضو في حزب الشعب الحاكم.
وهذه هي المرة الثالثة في تاريخ المعركة السجال بين «إيتا» والدولة التي تقدم فيها إيتا على اختطاف من هذا القبيل، مع التهديد بالقتل إن لم ترضخ الدولة لمطالبها.
إلا أن هذه هي المرة الأولى التي تختطف فيها إيتا شخصًا عاديًا لا علاقة له من قريب أو بعيد بمشكلات الحكومة، وإن كان ينتمي إلى الحزب الحاكم، وهي أول مرة تمنح فيها إيتا مهلة ٤٨ ساعٍة لتنفيذ تهديدها، ٤٨ ساعة يستحيل فيها تنفيذ مطلب إيتا بنقل سجنائها من السجون المنتشرة في مختلف الأراضي الإسبانية - خاصًة في سبتة ومليللة، وجزر الكناري إلى الباسك.
وكانت قوى الأمن خلال الأشهر الماضية قد وجهت ضربات لا يستهان بها لمنظمة إيتا بسبب التعاون الوثيق الذي يثمر يومًا بعد يوم، في مجال العلاقات الأمنية في فرنسا وإسبانيا، وبسبب السياسة الدؤوب لمختلف الحكومات الاشتراكية السابقة، والتي بذلت جهودًا قصوى في استثارة شريحة لا يستهان بها من أبناء الشعب الباسكي ليقف ضد العنف الذي كان يعتبره الوسيلة الأنجع في تحقيق استقلاله وتميزه.
وقد توج وزير الداخلية الإسباني الباسكي «خايمة ماجور أورنحا» انتصاراته على إيتا بانقضاء قمة حلف شمال الأطلسي التي عقدت في مدريد هذا الشهر، وصرح على عادته في إطلاق التصريحات قليلة التوفيق، بأن قوات أمنه حالت دون قيام إيتا بعملية تنغص سير أعمال القمة.
مما دعا إيتا صبيحة الفراغ من أعمال قمة الناتو الناجحة أمنيًا، الفاشلة سياسيًا إلى اختطاف الرجل، والإعلان عن تنفيذ حكم الإعدام فيه بعد يومين ما لم يتم نقل سجنائها إلى بلادهم.
الشعب الإسباني في موقف مشهود
«ميكل أنخل بلانكو غاريدو»، شاب في الثامنة والعشرين من عمره، يعد العدة لاستلام سيارته من الوكالة، ليتزوج في مطلع العام المقبل مولود في إقليم الباسك، لأبوين كانا قد هاجرا إلى الإقليم من مقاطعة غاليتيا الإسبانية، حائز على الليسانس في الاقتصاد، ويعمل بناء مع والده، وعضو في فرقة موسيقية صغيرة تشارك في إحياء أعياد القرية التي انتخبته نائبًا عنها.
«ميكل أنخل بلانكو غاريدو»، كأي شاب في بلاد المسلمين أنهى دراسته، ويبحث عن عمل ليبني حياته ويتزوج، ملامحه الشخصية تصنفه بأنه شاب إسباني عادي، كغيره من ملايين الشبان الإسبان، حيث الانتماء لأحد الأحزاب السياسية أمر طبيعي هذه الملامح وهذا الوضع الشخصي جعل كل شاب وشابة في إسبانيا يتحققان الظلم الفادح الذي لحق بهذا الشاب في أنفسهم.
وعلى الرغم من أن هذا النوع من الحوادث المروعة كان الثالث من نوعه في إسبانيا، إلا أنها الأولى بعد ۲۰ عامًا من عمر دولة القانون وحكم الشعب، وبعد ۲۰ عامًا بلغها الجيل الأول الذي ولد في عهد الديمقراطية، وبعد ٢٠ عامًا قضاها الشعب في ظل الحرية والتربية الاجتماعية الموجهة لاحترام الإنسان، وحفظ حقوقه، والتأكيد على الثقة في قدرته على التغيير.
والشعب الإسباني، شعب يحمل خليطًا عجيبًا من بصمات مجموعة من الحضارات العالمية والتي جعلت من أهم صفاته التضامن مع الضعفاء، وعمق المشاعر الإنسانية، بصرف النظر عن أن الجهات الحكومية، والكنسية وغير الحكومية، تستغل هذه الصفات أبشع استغلال لتوظفها في مأربها الخاصة، والتي منها تغذية العصبية، والكراهية للأجانب القادمين من دول العالم الثالث ومن الدول الإسلامية على وجه الخصوص، ولقد برهن الشعب الإسباني على أنه لا يشبه بقية الشعوب الأوروبية في أنانيتها وتعاليها العرقي، في أكثر من موقف مشرف وقفه أثناء حرب الخليج الثانية، وأثناء حرب البوسنة - على سبيل المثال - وذلك على الرغم من توجهات حكوماته سياسيًا وعسكريًا.
هذا الشعب الذي رسخت في ذاكرته التاريخية الجماعية أهوال الحرب الأهلية كان قد تعلم الدرس ووعاه، فحول تاريخه الذي كتب بالدم إلى صفحات تروى للكبار والصغار وبشتى الوسائل الممكنة المسموعة منها والمقروءة، والمرئية والمتحركة كيلا تنساها الأجيال فدروس الماضي لا ينبغي أن تنسى إلا في سبيل أن لا تتكرر الأخطاء، ولا تتكرس جيلًا بعد جيل، وكيلا تضرب الشعوب صفحًا عن منجزاتها في ميادين البناء والتعمير الإنساني والحضاري والثقافي والفكري والاقتصادي، كان عليها أن تحفر تاريخها في أعماق كل فرد من أفرادها لكي تستطيع الأجيال حمل المنارة، وإكمال المسيرة، وهي تتعلم دروس الذين مضوا دون السماح لكل جيل أن يلدغ من نفس الجحر ليقضي فترته التاريخية وهو يجرب، ويجرب ليقع فريسة الضياع والوهن واليأس كما يحدث مع الكثير من شعوب الأرض اليوم.
من أجل ذلك كله خرج الشعب الإسباني إلى الشوارع لدى سماعه نبأ اختطاف «بلانكو غاريدو» ملايين الناس تدفقت في موج عات من الاحتجاج الذي يناشد إيتا أن لا تنفذ تهديدها وأن تفرج عن هذا الشاب، خرج الشعب عن بكرة أبيه دفاعًا عن حرية فرد واحد من أفراده انتهكت حريته وكرامته، خرج الناس إلى الشوارع تضامنًا مع آلام أسرة هذا الشاب وإشفاقًا على دولة القانون أن تزلزلها ردود الفعل فيما بعد، خرج الناس منادين بصوت واحد «كلنا ميكل أنخل» «كفى.. كفى..».. وكأن الشعب الإسباني لم ينتبه بعد من هول صورة المختطف الأخير لإيتا، والذي خرج من القبر الذي دفن فيه حيًا، شبح يترنح من رؤية النور بعد خمسمائة يوم قضاها في الظلمة.
لقد باتت إسبانيا ليلتها - ليلة الثاني عشر من يوليو - ساهرة، وأوقدت الشموع في النوافذ تعبيرًا عن الاحتجاج على فعل إيتا، وعن الأمل بأن لا يقتل ذلك الشاب، ومرت على إسبانيا ليلة من أثقل الليالي في تاريخ أمة تمزقها المشاعر القومية إلا أن الألم الصارخ، والخوف على المستقبل، وحدها وجعلها إرادة واحدة، وصوتًا واحدًا رجاء أن لا يتهدد مستقبلها بأشباح الماضي القريب البعيد.
لكن إيتا لم تحترم آلام الأمة، ولا رجاء ٣٠ مليون من المواطنين المكلومين لظلم نزل برجل واحد من أبنائهم، ولا تمسك هؤلاء الناس بالقانون، وتصميمهم على عدم تجاوز أي حد من حدود العقل والمنطق، وعدم الانصياع لثورة الألم، ولا صعوبة الموقف، ولا الخروج من دائرة الرد الحضاري الهادئ إلى دائرة الهرج والمرج وسفك الدماء بغير حق، لم تحترم إيتا الشعب فنفذت حكم الإعدام في «بلانكو غاريدو» وفي تمام الساعة الرابعة من ١٢ يوليو وبرصاصتين في مؤخرة رأسه، وألقت جثته وهو ما زال على قيد الحياة في طرف غابة خارج القرية، حيث عثر عليه الصيادون بعد أن فشل آلاف من رجال الأمن في العثور عليه على الرغم من تمشيط إقليم الباسك شبرًا شبرًا خلال الأيام التي - استغرقتها محنة هذا الشاب وأسرته التي فجعت بنبأ وفاته الرسمي، بعد سبعة عشر ساعة من إطلاق الرصاص على رأسه.
رد الفعل السياسي المحلي والعالمي
لم يكن في استطاعة الحكومة إلا أن تعبر عن عجزها المدقع في المجال الأمني، وفي المجال السياسي، إذ لم يستطع رجال الأمن العثور على المكان الذي كان يحتجز فيه «بلانكو»، وهو بين ظهرانيهم، كما لم تستطع الحكومة اتخاذ أي إجراء سياسي إلا بعد الاجتماع الذي عقدته مع أعضاء «میثاق خوريا أنيا» وهو الميثاق الذي وقعت عليه قبل سنوات جميع القوى السياسية متعاهدة على الوقوف ضد إرهاب إيتا الانفصالي.
ولم يسع الطبقة السياسية الإسبانية إلا أن تتبع خطوات الشعب الذي بدا عملاقًا بالمقارنة مع السياسيين الذين أولاهم أمر حكمه، فخرج السياسيون جميعًا مع جماهيرهم، وفيهم رؤساء الحكومات التي حكمت إسبانيا في عهد الديمقراطية بعد موت الجنرال فرانكو للوقوف مع الناس في هذا الموقف الهائل الذي لم تشهد له إسبانيا مثيلًا من قبل.
وحضر الجنازة جميع الزعماء السياسيين، وأعضاء الحكومة، والأمير فيليب ممثلًا عن والده خوان کارلوس.
وحمل الناس على صدورهم الأشرطة السوداء والخضراء شعارًا للحداد، وللأمل في آن واحد، في أن لا تتسبب هذه الجريمة في حرب أهلية باسكية قد تمتد لتشمل أرجاء إسبانيا، بل أراض أوروبية أخرى.
وكان أول من تنبه لخطورة الموقف «بابا الفاتيكان»، الذي قطع عطلته وبدأ بإرسال البرقيات لتهدئة المشاعر، ثم التعزية والتأكيد على الحفاظ على قيم الديمقراطية، وقيم الحضارة الغربية.
ثم سارعت بقية الحكومات الأوروبية التي هالها رد فعل الشارع الإسباني في موقف من أشد المواقف خطورة في تاريخ «أوروبا ما بعد الحرب الباردة»، وتواردت الإعلانات عن وقوف الشعب والحكومات إلى جانب إسبانيا، وأكدت فرنسا بشكل خاص بحكمها شريك في قضية الباسك على تصميمها على مكافحة الإرهاب.
وقد شده العالم أمام هذا الموقف الإسباني العجيب، في عصر باتت فيه الانتفاضات الشعبية عناصر غريبة في منطق النظام العالمي الموحد الذي طالما حرص على ضبط ردود أفعال الشعوب الغربية التي يمرر سلوكها في مخابر التجارب الاجتماعية، وقام العديد من تليفزيونات العالم بنقل مراسيم الجنازة على الهواء مباشرة لتتعلم الشعوب هذا الدرس البليغ من هذا الشعب الذي لحق ركب الحضارة الغربية متأخرًا جدًا، لكنه استطاع الوصول إلى الصفوف الأولى بجدارة القدرة الاقتصادية مرة وبحيويته مرة أخرى.
الشعب الإسباني يعطي درسًا بليغًا في السلوك الحضاري في عالم اليوم
والآن كيف هي الصورة؟
قام وزير الداخلية الإسباني، بالإعلان عن مجموعة من الإجراءات لتهدئة مشاعر الشعب، وعمل شيء يوازي الرد الشعبي المدهش، منها: إقامة المحاكمات الميدانية السريعة، توجيه اتهامات قضائية وجنائية إلى أعضاء حزب الباتاسونا، الذي يشكل الجناح السياسي لإيتا، باعتبارهم شركاء في الجرائم التي ترتكبها وكذلك توقيع العقوبات الكاملة على مجندي إيتا في السجون، دون السماح لهم بمغادرتها قط، وكانت هذه الأخيرة إحدى الوعود الانتخابية التي جاءت بالحكومة الحالية إلى الحكم، والتي تناساها في خطته للتقارب مع القوميات المحلية المختلفة.
كما أجمعت الأحزاب والقوى السياسية على مقاطعة حزب «الباتاسونا» ونوابه في البرلمانات المحلية، والوطنية، والأوروبية، لأنه - كما أعلن ميثات خوريا أنيا - أثبت أنه حزب لا يستحق احترام أحد من مؤيدي الديمقراطية.
وسارع كل من الملك ورئيس الحكومة إلى إلقاء كلمات تهدئ من روع الشعب، الذي أخذت تتعالى فيه بعض الأصوات مطالبة بتوقيع أحكام الإعدام في المتورطين بقضايا دماء في إيتا، وأصوات أخرى تطالب الانتقام الفوري، وثالثة تريد وقف محاكمة أعضاء تنظيم الفال G.A.L وهو التنظيم السري الذي كان يكافح إيتا بوسائل غير مشروعة، والذي ثارت الشكوك حول تورط كل الحكومات الإسبانية في دعمه، إلا أن إسبانيا وهي في الاتحاد الأوروبي وسوقه المشتركة لا تريد أن تتخلى عن مبادئ الديمقراطية التي أثبتت عجزها في ردع الجريمة، ومعاقبة المجرمين، ولا تستطيع أن تتخلى عن الحكم بالقانون، وبحدود التشريع الجنائي والقضائي وحده.
«إيتا» مشكلة أمة ومعضلة دولة وإسفين في جسد الوحدة الأوروبية
ولا يظنن أحد أن إيتا ستستسلم في سهولة، وعلى الرغم من أن جريمتين مشابهتين لمقتل «بلانكو» في كٍل من إيطاليا وألمانيا كانتا السبب المباشر في القضاء على كتائب الجيش الأحمر في كلتا الدولتين، إلا أن إيتا ليست منظمة يسارية فكرية تكافح ضد النظام الرأسمالي، ولكنها منظمة قومية تستند إلى فكر قومي عقائدي ذي أسس تضرب بجذورها إلى دعائم لغوية وعرقية وتاريخية وثقافية متينة، ومتنامية، وعلى الرغم من تبني الفكر الاشتراكي ودعم روسيا لها أثناء الحرب الباردة، ودعم مجموعة من الدول اللاتينية والمجرية لإسبانيا جنوبًا، ووقوف الحكومات الأوروبية إلى جانبها ضد الدولة إثر إعدام الجنرال فرانكو منذ ٢٥ عامًا لثلاثة من أعضائها، فإن إيتا ليست إلا منظمة انفصالية أوروبية، الاشتراكية في قناعاتها مجرد وسيلة حضارية لتحقيق المساواة والأمن الاجتماعي بين أفراد إقليم الباسك، الذي يدعم إيتا على الرغم من مخالفته لها في بعض الأساليب التي تتبعها في كفاحها المسلح.
ولا يمكن من وجهة نظري على الأقل أن يتنكر الشعب الباسكي لإيتا أو يتراجع عن دعمه غير المشروط لها، وإن كان قد خرج مليون باسكي احتجاجًا على قتل «غاريدو» إلا أن هناك ملوينا باسكٍي على الأقل يؤمنون بضرورة الانفصال عن إسبانيا، ليستطيعوا فيما بعد توحيد شطري إقليمهم الفرنسي والإسباني وإعلان قيام دولة أمتهم الباسكية، وتحقيق «إيوشكادي» - إقليم الباسك - حرًا مستقلًا.
إن الشعار الذي خرجت به جماهير الشعب منادية بأعلى صوتها «نعم للباسك، لا لإيتا» لن ينفع إلا في رأب الصدع التاريخي بين الشعوب الإسبانية وبين الشعب الباسكي، ولكنه لن يكون معول هدم في مسيرة إيتا، التي سارعت بعد بضعة أيام فقط من هذه المحنة إلى القيام بعملية مسلحة كان من المقرر لها أن تحدث مجزرة في إحدى الثكنات المدنية لأسر قوى الأمن المدني في إقليم الباسك، إلا أن القنابل الخمس التي ألقيت على الثكنة أخطأت أهدافها.
كما أن حزب الباتاسونا، قام بإصدار إعلان اتهم فيه الحكومة بقتل أحد سجناء إيتا في نفس يوم تنفيذ العملية والإعلان عن أنه توفي منتحرًا، وأعلن الباتاسونا، أنه سيقتص لموت هذا السجين - وهو ليس الأول الذي تعلن الحكومة عن انتحاره في السجن - وستخرج مظاهرة ضخمة في حفل رسمي وشعبي أعد لدفنه، كما سيطلق اسمه على شارع في إحدى مدن الباسك، باعتباره ابنًا بارًا بالإقليم.
إن المعركة قد بدأت الآن بالفعل بين إيتا وبين الحكومة اليمينية التي حاولت وتحاول استغلال مشاعر مواطنيها وتوظيفها من أجل كسب أكبر دعم ممكن لتبرير إجراءات مستقبلية قد تضطر لاتخاذها تحت ضغوط خارجية منشؤها الخطر الفادح الذي يتهدد إسبانيا ومن ورائها العديد من الدول الأوروبية، التي تعاني من الإرهاب.