; ماذا تعني عودة النميري.. للسودان؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا تعني عودة النميري.. للسودان؟

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1999

مشاهدات 70

نشر في العدد 1352

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 01-يونيو-1999

الخرطوم تعيش في خضم قضايا ساخنة، العاصمة المثلثة مشغولة بقضايا الوفاق الوطني والحوار الوطني البديل: المؤتمر الدستوري والعلاقات المصرية المتطورة إلى الأحسن وتصدير البترول وتهديد المتمردين لمناطق الآبار والتصدير، ولكن أهم قضية شغلت الشارع السياسي السوداني هي عودة الرئيس الأسبق جعفرٍ محمد نميري، الذي حكم السودان (١٦) عامًا حكمًا شموليًّا وأطيح به في انتفاضة شعبية عارمة في أبريل ١٩٨٥م.

عاد النميري بعد ١٤ عامًا قضاها في المنفى واستقبل في المطار استقبالًا رسميًّا وشعبيًّا كبيرًا.

وعودة نميري - والذي كان يلقب بالسفاح والمخلوع منذ الإطاحة به ويلقبه أنصاره بـ«أبوعاج»- أثارت جدلًا ولغطًا كبيرًا بعد أن صارت عودته واقعًا ماثلًا بعد ما كان خيالًا عند أعدائه وأملًا مرتقبًا عند أنصاره.

فئة فرحة مستبشرة بعودته وهم أنصار نظام مايو القدامى والشمولي الذي حكم البلاد ستة عشر عامًا وهم الذين رضوا بالدستور الجديد وقانون التوالي وسجلوا تنظيمهم باسم «تحالف قوى الشعب العاملة» ليمارسوا نشاطهم علنًا. فعودة النميري لقيادة تنظيمهم الذي يضم أكثر قيادات مايو التاريخية ربما تبعث الروح في جسدهم المشلول منذ زمن بعيد.

أما الفئة الرافضة كل الرفض للعودة فهي الأحزاب الطائفية: الأمة، والاتحاد، والأحزاب اليسارية، وهذه الفئة هي التي تهدد بتقديم الرئيس الأسبق نميري للمحاكمة لتقتص منه للجرائم التي ارتكبها في حق الشعب السوداني حسب قولهم.

الأحزاب المعارضة لحكومة الإنقاذ تتهمها بأنها استقدمت الرئيس «المخلوع» لأجندة خفية خاصة بها، إنهم يقولون إن هذه العودة ستشغل الشعب عن قضاياه الحقيقية وتريح بال الحكومة عن أزمتها (أزمة الحكم) لتلتقط الأنفاس.

الحكومة تقول إنها أعلنت العفو العام عن الجميع بما فيهم المتمرد جون جارانج وحلفاؤه من التجمع الديمقراطي الوطني الذي يضم حزب الأمة (جناح الصادق المهدي وحزب الاتحادي الديمقراطي جناح الميرغني) وجميع قبائل اليسار إن كفوا عن حمل السلاح وعادوا إلى الوطن ومارسوا نشاطهم السياسي من داخل البلاد وقانون التنظيمات السياسية (التوالي)، فإذا كان العفو يشمل المحاربين، فإن النميري -بالطبع- من حقه الدستوري القانوني أن يعود إلى وطنه عزيزًا مكرمًا كرئيس سابق وقائد للقوات المسلحة، فالنميري لم يشكل معارضة مسلحة تحارب الحكومة كالآخرين، وقانون التوالي السياسي صدر دون عزل لأحد، وقد استعمل أنصار النميري هذا الحق كغيرهم من الأحزاب التي توالت مثل حزب الأمة (النور جادين)، والحزب الاتحادي الديمقراطي (الشريف الهندي)، وحزب الأمة الإسلامي (ولي الدين الهادي المهدي) وخمسة عشر حزبًا أخرى.

والنميري ليس هو أول معارض عائد من القاهرة، فقد عاد قبله السيد الشريف الهندي، وعاد اللواء «م» الهادي بشري وكثيرون عادوا كما عادت فصائل متمردة أمثال د. رياك مشار، ود. لام أكول وكلهم مشاركون في الحكم.

الحكومة رحبت بعودة الرئيس الأسبق النميري إلى وطنه ولا يحمل الإسلاميون أحقادًا ضده على الرغم من محاولته سحقهم في آخر عهده وزج بهم في السجون قبيل الإطاحة به بأسبوعين.

فليس كبير القوم من حمل الحقد...

المعتدلون الإسلاميون لم يمانعوا عودة النميري إلى البلاد؛ فالسودانيون من طبعهم العفو والصفح والمحبة والسماحة، هم من قبل هتفوا وانتفضوا ضد الحاكم الشمولي الفريق إبراهيم عبود، وبعد الإطاحة به بشهرين وعودة الأحزاب للحكم جاء الحاكم السابق بعربته يقودها بنفسه إلى سوق الخضار فهتف الشعب له.

والنميري في رأي الإسلاميين المعتدلين له كثير من الإنجازات وله كثير من الإخفاقات فهو من الذين خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا، ولكن ميزان الحسنات يطغى على ميزان السيئات ويعددون:

أولًا: أعلن الرئيس النميري التطبيق الفوري للشريعة الإسلامية ولم يتباطأ في تنفيذ الحدود الشرعية وأغلق في يوم وليلة البارات والخمارات وبيوت بيع الهوى وطهر السودان من الرجس.

ثانيًا: استطاع أن يحجم أكبر وأخطر الأحزاب الشيوعية في العالم العربي والإسلامي وإفريقيا، هذا الحزب الشيوعي الذي كان يخطط للانفراد بالحكم بعد الإطاحة بالنميري، ولكن الله سلم «فتغدى النميري بهم قبل أن يتعشوا به».

ثالثًا: أطفأ فتنة حارقة أشعلها المرتد محمود محمد طه الذي كان يبشر بالرسالة الثانية للإسلام فأسقط فرائض الإسلام وشعائره التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج، مما كان هدمًا صريحًا للإسلام وأركانه.

وهذه كلها إنجازات لا تنمحي؛ فالشريعة لم يجرؤ أحد على إلغائها على الرغم من محاولات اليسار الملحد ورغبات العلمانيين، كما أن النشاط الشيوعي واليساري خبأ فلم يعد لهم بريق، وفكر محمود محمد طه اندثر.

الأحزاب المعارضة لعودة النميري تهدد بتقديم النميري للمحاكمة، وفعلًا بدأت الملاحقات الجنائية ضده بعد مرور ٢٤ ساعة فقط من قدومه، ولكن من يحاكم من؟؟

كما هو معروف فإن كل الأحزاب قد اشتركت وتعاونت مع نميري كل حسب أجندته؛ فالسيد محمد عثمان الميرغني هادن النظام منذ أول يوم إلى آخر ساعة، وأيد في بيان شهير ضرب جزيرة أبا، وشقيقه أحمد الميرغني كان عضوًا في الاتحاد الاشتراكي، وكذلك السيد أحمد السيد حمد كان وزيرًا في حكومة نظام مايو وكثيرون من الاتحاديين غيرهم.

أما السيد الصادق المهدي فلن ينسى أحد أنه صالح النميري منفردًا في بورتسودان في يوليو عام ١٩٧٧م وجاء هو وأنصاره وانخرطوا في الاتحاد الاشتراكي والوزارة، أما الحزب الشيوعي والبعثي فهم المخططون الأصليون لانقلاب «مايو» بقيادة نميري ومشاركون أصلاً للنظام إلى أن حدث الانفصام والانفصال بينهم وبين النميري.

أما الحركة الإسلامية التي تسند الحكومة الإسلامية اليوم، فقد صالحت النميري بعد معارضة لحكمه والصدام به واشتركت في الحكم وتحمست له بعد تطبيق الشريعة وتوجه نميري الإسلامي وعدد من «المايويين» السابقين أعضاء في حكومة الإنقاذ مثل أبو القاسم محمد إبراهيم الرجل الثالث في نظام مايو والذي هدد بفتح جميع الملفات إن حوكم نميري، أما الإنقاذ فترى أن فتح الملف المايوي سيقود إلى فتح الملفات منذ الاستقلال، وهذا لا يؤدي إلى الوفاق والتصالح، إنما يؤدي إلى تمزيق الأمة، وهو ما لا تريده الإنقاذ التي تسعى لجمع الصف.

والسؤال: لماذا عاد نميري؟ هل طلبًا للسلطة وهو يحبها حبًّا جمًّا؟ لقد صرّح الرجل قبل قدومه بمدة لصحيفة الأهرام القاهرية بأنه «يأمل أن يعود إلى كرسي الحكم وإزالة النظام الحالي وتمنى أن تدعمه أمريكا» فهل يريد أن يُلدغ النميري من جحر أمريكا مرتين بعد أن رفض قبلاً أن يلدغ من جحر روسيا أكثر من مرة؟!.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

170

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

145

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8