; ماذا تريد المعارضة السودانية؟! | مجلة المجتمع

العنوان ماذا تريد المعارضة السودانية؟!

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1990

مشاهدات 69

نشر في العدد 970

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 12-يونيو-1990

·       المعارضة السودانية تحمل بذور فنائها بسبب تركيبتها السياسية المتناقضة.

·       حكومة الثورة كسبت الشارع السياسي بفضل سياسة الجدية ومصداقية القيادة.

ما كادت ثورة الإنقاذ الوطني تكمل شهرها الأول حتى جأرت بعض الأصوات بلغط مكرور حول توجهات مجلس قيادة الثورة، وعلاقته بالأحزاب السياسية والجبهة الإسلامية بصفة خاصة.. وتطور ذلك اللغط ليتحول- بتنامي المكر في المدينة- إلى تنظيم سياسي، يسعى لإحداث سلسلة من الإضرابات ينتج عنها اعتصام مدني كامل سعيًا لوأد الثورة في مراحلها الأولى.

كانت تلك الصيغة هي برنامج «قبائل!» اليسار السوداني بزعامة فلول الحزب الشيوعي، والتي بدأ تنفيذها في إضراب الأطباء في ديسمبر الماضي، إلا أن الفشل المزرى الذي مني به الإضراب جعل الشيوعيين يعيدون النظر في خطتهم تلك، والتي أرادوا لها أن تفتح باب العصيان المدني في الشمال، وتدعم موقف حليفهم المتمرد في الجنوب جون قرنق في مفاوضات نيروبي، غير أن رياح الأطباء أتت بما لا تشتهي سفن الشيوعيين، ولم يقف الأمر عند حدود فشل الإضراب فحسب، وإنما تعداه إلى استعادة القوات المسلحة لمدينة الكرمك التي كان لاحتلالها أكبر الأثر في «الأحلام» الشيوعية بنجاح الخطة الرامية لإسقاط الثورة.. ومن وقتها طفحت إلى سطح الأحداث مسألة «التحالف الوطني الديمقراطي» كواجهة لقيادة المعارضة الشيوعية في السودان.. وفي تطور آخر تجمعت عدة شخصيات من فلول الأحزاب الطائفية في القاهرة في مارس الماضي، ووقعت اتفاقًا مع العميل جون قرنق، وبموجبه أصبحت المعارضة السودانية تحشد في خيمتها متناقضات العمل السياسي وأعداء الماضي القريب، من مبارك الفاضل «الطائفي» إلى جون قرنق «الصليبي»، ومن عزالدين علي عامر «الشيوعي» إلى «خلفاء» الميرغني، أي «كل الإخوة الأعداء!»، ومع هذا «اللفيف» المتنافر يستوجب التساؤل ماذا يريد الإخوة الأعداء؟! وما هو الممكن الذي حوته جعبتهم السياسية؟

- التجمع

لو أننا أفردنا الحديث عن مطالب كل فريق من أفراد التجمع الوطني الديمقراطي المشكل للمعارضة، لخلصنا لنتائج درامية هازلة مأساوية غاية في الغرابة؛ حيث إن التناقض في البرامج والأسس والتصورات واسع بدرجة لا يقبل احتمال التجانس ولو نسبيًا، فأحزاب اليمين الطائفي (الأمة والاتحادي) كانت ترفع شعار «برنامج الصحوة الإسلامية» لحزب الأمة، وينادي الاتحادي الديمقراطي بالجمهورية الإسلامية، في الوقت الذي ينادي فيه جون قرنق بإقامة دولة علمانية لادينية، تحكم برئيس غير عربي وغير مسلم وفقًا لكلمات د. منصور خالد مستشار جون قرنق السياسي، وذي الصلات الوثيقة بالمخابرات المركزية الأمريكية «CIA»، وأما الأحزاب الأخرى «أحزاب لم ينجح أحد» من صبية الناصريين والقوميين والمتبعثين، الذين يزعمون أنهم حماة العروبة في السودان ودعاة أمجادها، ومع ذلك لا يتحرجون في وضع أيديهم في كف التمرد التي تدعو لطرد العرب وتحجيم دورهم، ومحو آثار حضارتهم ولغتهم في كل السودان، وهكذا تبدو المطالب متنافرة بناء على خريطة التجمع الفكرية، غير أن هناك خيطًا واحدًا جمع هذا الخليط المتشاكس، وهو عداء ورفض الشريعة الإسلامية.. كما قال الأستاذ فهمي هويدي في الأهرام عدد (37779) بتاريخ 15 مايو الماضي: «إن التحالف الذي يريد إسقاط حكومة السودان الآن يضم أغرب خليط من التيارات والمصالح السياسية المتناقضة، لا يجمع بينهم سوى خيط واحد، هو رفض الشريعة الإسلامية والعداء لها».

وفي ذلك المربع المتحالف يقف الشيوعيون مع عملاء المخابرات الأمريكية، والملحدون مع مجلس الكنائس العالمي، والإسرائيليون مع الجميع، وبعض عناصر حزب الأمة مع أعدائهم التاريخيين في الحزب الشيوعي، ونفر من الأوروبيين مع جناح «جنوبي مشبوه»، هذا هو الخليط المتنافر الذي حوته خيمة التجمع من أجل صياغة السودان والحكم فيه.. وقبل أن يقول أهل السودان في برنامج «الخيمة» فهل يستطيع مجلس الكنائس وعملاء المخابرات والإسرائيليون ومبارك الفاضل ومشبوهو قرنق وحلفاؤهم من تقديم وصفة الخلاص التي يريدها أهل السودان؟

- مطالب

بالطبع لا يمكن لهذا النقيض أن يصوغ برامج سياسية واقتصادية كفيلة بتقديم بديل صالح، فضلًا عن أن هذه الفئات لا تجرؤ على مجرد التفكير في ذلك خوفًا من انفضاض سامرها حينما تبدو تراكمات الخلاف، وتزداد شروخها.. ولكن دعنا لنفترض جدلًا أن أركان التجمع المتنافرة اتفقت على عموميات أولية، تبدأ بإسقاط حكومة الثورة، وإقامة نظام ديمقراطي يعتمد نهج الديمقراطيات السابقة، وهو ما دللت عليه التجارب الماضية؛ حينها فإن ريما السودانية ستعود إلى عادتها القديمة، أي إن طائفية السيدين ستنفرد مرة أخرى بالحصان، وتبقى قبائل اليسار الواهم تلهث خلف شعاراتها البائرة، ولا حياة لمن تنادي!

هذا أقرب سيناريو قابل للتحقق، وفي غير ذلك فإن أمورًا جسامًا عظامًا ستحدث، لكنها سرعان ما تنقشع، تاركة وراء برك الدم التي لا تتورع بقية أطراف التجمع من إحداثها.. وعلى كل لنبقَ في الافتراض الأول وديمقراطية الأحزاب الطائفية، وهنا نتساءل ويتساءل الشارع السوداني معنا: ماذا جد في بضاعة الطائفية حتى تعرضها مرة رابعة في الشارع السياسي؟! ألم يكف حصادها المرير الذي أحال السودان إلى دولة تعتمد ميزانيتها على استجداء متطلباتها؟ وأشاعت فيه الفساد الإداري والسياسي بصورة لم تشهدها البلاد في أحلك فتراتها السياسية؟ ويكفي في هذا السياق التعويضات المالية لآل المهدي ولعزالدين علي عامر والاتجار في رخص الاستيراد وغيرها، ويكفي أن ديمقراطية الطائفية جعلت البلاد نهبًا لتدخل السفارات والسفراء؛ حتى كادت تفقد الدولة استقلالها، فضلًا عن الإخفاقات في مجال الاقتصاد الذي جعل سعر الدولار يتجاوز 25 جنيهًا، بعد أن كان أيام نميري لا يزيد عن ثلاثة جنيهات، وأما في الجانب الأمني القومي والشخصي فحدث ولا حرج.. وبكل المقاييس فإن حكم الأحزاب لم يعد أمرًا مرغوبًا فيه من قبل الشعب السوداني بعد أن لدغ من جحره أكثر من مرة خاصة على طريقة «الجمعية التأسيسية».

- البديل

إن المعارضة- وهي تواجه التحدي والتصدي لثورة الإنقاذ الوطني- تعلم أنها لا تملك مقدرات التغيير الجماهيري.. وهذا ليس لأنها لا تملك برنامجًا منسقًا، وإنما لأنها ليست لها قواعد شعبية تمكنها من إحداث التفاعل الحركي لتغيير الأوضاع، فالمعارضة حتى الآن استطاعت تجيير عدة أبواق مشبوهة في الخارج أكثرهم من الصليبيين، وأقلهم من بقايا الشيوعيين، وأما داخل الساحة السودانية فإن أكثرية المنضوين تحت إدارة الأحزاب السياسية قد ضنوا بأيديهم وأيمانهم من التلوث القادم مع جون قرنق العميل الصهيوني، ولهذا وقفوا بجانب الثورة بعد أن اتضح أن معسكرها ترفرف عليه الطهارة والجدية والإتقان، وأنها لم تأت لنصب فريق من القيادات التقليدية على رؤوس البشر، وإنما جاءت لوضع الأشياء في نصابها، وأما بقية الأحزاب اليسارية فهي أعلم من غيرها بأحوالها، وفقدانها للنزر القليل الذي كان يتعاطف معها بعد أن انكشف قناعها، وثبتت خيانتها لعقيدة الأمة وتراثها الحضاري والثقافي، بارتمائها في أحضان التمرد.. فضلًا عن أنها خالية الوفاض في أطروحاتها السياسية..

وبجانب كل هذا فإن التجمع الوطني الديمقراطي عاجزٌ عن مخاطبة الشارع لعجزه الكامن في قراءة المتغيرات المحلية والإقليمية؛ فالشعب السوداني الذي يتطلع التجمع إلى قيادته، شعب متدين وشديد الاعتزاز بالشريعة الإسلامية، وهو ما اعتمد عليه المهدي الكبير في ثورته التي أزاح بها الإنجليز عن رقاب العباد.. وهو ما اتكأ عليه النميري يوم أن كاد الشارع أن يسقطه.. ولذات العجز ظل اليسار منفصلًا عن الشارع السوداني لدرجة أنه لم يحظ إلا بأدنی درجات السلم التمثيلي في الانتخابات الماضية، في الوقت الذي كسب فيه التيار الإسلامي كل دوائر الخريجين في الشمال وجل سكان المدن.

ومن جانب آخر فإن المعارضة تواجه نظام حكم محكم التخطيط وجيد البلورة، وذلك لاعتماده على ديمقراطية شعبية، صاغها في شكل مؤتمرات حسنة الإعداد، راقية العضوية، بالإضافة لإنجازاته التي صنعتها أشهره القليلة، مما جعل أفئدة الجماهير تهوي إليه مشاركة في الإصلاح، وسعيًا لكسب العزة والكرامة بتحقيق شعارات الاعتماد على الذات وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وبعد هذا يفكر التجمع في قيادة العمل السياسي من خلال الصحف الأجنبية؟ اللهم لا..
الرابط المختصر :