العنوان (مقال) ماذا بقى من الناصرية؟
الكاتب غازي التوبة
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998
مشاهدات 77
نشر في العدد 1305
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 23-يونيو-1998
مرت علينا ذكرى حرب الأيام الستة التي اشتعلت في 5 يونيو عام ١٩٦٧م وانتهت باحتلال إسرائيل لسيناء والجولان والضفة الغربية، هذه الحرب التي مازلنا نعاني من آثارها حتى الآن، كانت ثمرة لسياسات عبد الناصر التي تبلورت في الحركة الناصرية، فما أبرز معالم الحركة الناصرية؟ وماذا كانت آثارها؟ وماذا بقي منها؟
قد يتساءل القارئ ولماذا الحديث عن الحركة الناصرية الآن؟ الحديث عن الحركة الناصرية ضروري في رأيي، لأنها طريقة طرحت لحل مشكلات الأمة وسبقتها حركات مشابهة أبرزها حركة كمال أتاتورك في تركيا في مطلع القرن العشرين، وهي موجودة حاليًا في بعض البلدان العربية، ويمكن أن توجد مستقبلًا، لذلك فإن مناقشتها وتقويمها يساعد على تكوين وعي سليم لما حدث.
شارك جمال عبد الناصر في انقلاب عسكري على الملكية في مصر في23 يوليو عام ١٩٥٢م، وقد لبى الانقلاب مشاعر الغضب التي أحس بها العرب لهزيمتهم في مواجهة اليهود ولقيام دولة "إسرائيل" عام ١٩٤٧م، وقد اختلفت شعارات الانقلاب من وقت إلى آخر، فدعا في البداية إلى بناء مصر وتحريرها من الاحتلال الإنجليزي، ثم دعا في مرحلة ثانية إلى الحياد الإيجابي ومحاربة الأحلاف، ثم ساعد الحركات المناهضة للاستعمار في الجزائر وعدن وتونس إلخ... وأقام وحدة مع سورية عام ١٩٥٨م، ثم تبعها الانفصال عام ١٩٦١م.
لقد كانت بعض شعارات الناصرية معبرة عن آمال الناس ومشاعرهم في المنطقة آنذاك، لذلك حصلت على تأييد شعبي كبير لم تحصل حركة سياسية حاكمة أخرى على مثله على الأقل في العصر الحاضر، لكن الحركة الناصرية لم تنجز شيئًا على أرض الواقع، فلم يتحقق بناء اقتصادي، ولم يتحقق استقلال سياسي، ولم تتحقق وحدة عربية، ودمر الجيش المصري في معركة سيناء، واحتلت "إسرائيل" أجزاء كبيرة من الأقطار المحيطة "بإسرائيل"، وقبل أن نبحث عن السبب الذي جعل الناصرية تفشل في تحقيق شيء مع كل التأييد الشعبي الذي حصلت عليه نسأل: ما الذي قامت عليه الحركة الناصرية؟
لقد تبنت الحركة الناصرية فكرة القومية العربية، ثم تبنت الاشتراكية وكان مضمون هاتين الفكرتين مأخوذًا من الحضارة الغربية، فالقومية العربية تعني الولاء للعرب وحدهم، وحبهم وحدهم، والدفاع عنهم في وجه الشعوب الأخرى، والارتباط بهم وحدهم، وخدمة مصالحهم، والتفاعل مع آلامهم وآمالهم ...إلخ أي أن تصبح القومية العربية دين العربي وعقيدته، أما الاشتراكية فتعني الصراع بين طبقات المجتمع وحقد الفقراء على الأغنياء، والاستيلاء على أموال الأغنياء وتأميم شركاتهم، وعزلهم عن الحياة السياسية، وإقامة ديكتاتورية البروليتاريا التي تمثلت في تحالف العمال والفلاحين...إلخ أما موقف الناصرية من الدين في المرحلتين القومية والاشتراكية، فقد كان نقلاً لموقف أوروبا منه، ويتلخص في اعتباره شأنًا شخصيًا بين العبد وربه، ويجب عزل أحكامه عن كل أمور الحياة، وإحلال الاجتهادات البشرية مكان تشريعاته في أمور المجتمع الاقتصادية والسياسية والفكرية...إلخ ليس هذا فحسب، بل كان هناك توجيه لهدم القيم والعادات الدينية بحجة أنها قيم رجعية تحول دون التقدم، ويستغلها الرأسماليون أصحاب الثروات، وقد فتح جمال عبد الناصر صحفه ومجلاته وإذاعاته وأجهزته للمعادين للدين ولتراث الأمة، لكي ينفثوا أحقادهم المعادية للدين، ولكي يروجوا لأباطيلهم وضلالاتهم في الاستهزاء بالدين والتهجم عليه والتشكيك فيه، وبالذات للشيوعيين الذين دخلوا الاتحاد الاشتراكي وشكلوا بعضًا من قياداته الفاعلة والمؤثرة.
وحتى ندرك خطورة دعوة عبد الناصر إلى القومية والاشتراكية بصورتهما العلمانية اللادينية، علينا أن نضعهما في سياقهما التاريخي، فقد جاءت تلك الدعوة في الوقت الذي كان العالم الإسلامي عمومًا ومصر خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية تشهد مدًا إسلاميًا ينشد العودة إلى قيم الإسلام، وإلى تحكيم تشريعاته، مما جعل تلك الدعوة إلى القومية والاشتراكية مدانة ومشبوهة ومناقضة لتطلعات الأمة وذات أثر سيئ في مسيرتها .
أما الجانب السياسي من الحركة الناصرية، فقد جاء ثمرة لتخطيط أمريكا من أجل إحكام قبضتها على المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الثانية، فقد بحثت المخابرات الأمريكية عن رجل يعشق السلطة، ويؤدي دورا يظن أنه يخدم في أدائه مصلحته ومصلحة بلده لكنه في الحقيقة خادمًا للمصالح الأمريكية فوجدته في شخص جمال، ثم دعمته بالمال، والتوجيه والتخطيط ( انظر تفصيلًا لذلك في كتاب «لعبة الأمم» لما يلز كوبلاند الصفحات ۸۰ - ۱۵۳)، وساعدته عام ١٩٥٦م في معركة السويس التي حققت شعبيته الكبيرة في المنطقة.
لماذا كان ارتباط عبد الناصر بأمريكا خفيًا؟ سبب ذلك أن أمريكا كانت تخوض معركتين:
الأولى: معركة صريحة ضد الاتحاد السوفييتي الذي خرج من الحرب العالمية الثانية كقوة عظمى.
الثانية: معركة خفية ضد أصدقاء الأمس إنجلترا وفرنسا من أجل وراثة نفوذهما في آسيا وإفريقيا.
إن تلك المعركة الخفية مع أصدقاء الأمس هي التي اضطرت أمريكا إلى إخفاء علاقتها مع عبد الناصر، وسمحت بإعطائه هامشًا من التحرك جعله يتعاون مع الاتحاد السوفييتي في استيراد السلاح وإقامة بعض المشاريع الاقتصادية، مما زاد في تضليل رجل الشارع العربي عن حقيقة علاقة عبد الناصر بأمريكا، لكن الأمور عادت إلى الوضوح بعد أن صفت أمريكا النفوذين الإنجليزي والفرنسي في المنطقة، وبعد أن حكم السادات عام ۱۹۷۰م، فأنهى العلاقة مع الاتحاد السوفييتي في صيف عام ۱۹۷۲م، وأعلن بعد حرب رمضان عام ۱۹۷۳م أن ۹۹% من أوراق المنطقة بيد أمريكا، ثم ارتبط معها بشكل مكشوف من خلال اتفاقات كامب ديفيد.
والآن: نعود إلى السؤال الذي طرحناه في البداية وهو لماذا لم تحقق الناصرية شيئًا من أهداف الأمة؟ لأن الأسس التي قامت عليها وهي القومية والاشتراكية تخالف في مضمونها قيم الأمة المستمدة من القرآن والسنة، لذلك لم يكن هناك تفاعل حقيقي بين تلك التنظيرات التي طرحتها الناصرية وبين جماهير الناس وهو شرط أساسي لأي نجاح، ومما يدل على ويؤكده. عدم بقاء شيء من التنظيرات مع مجيء السادات الذي أنهاها واتبع منهجًا مخالفًا، فلم بعد للقومية العربية أي ذكر في مصر وانتهت الاشتراكية على المستويين النظري والعملي وحل محلها اقتصاد السوق، ولم تحقق الناصرية شيئًا من أهداف الأمة لأنها قامت من خلال الارتباط السياسي بأمريكا، فاستخدمتها أمريكا لتحقيق أهدافها المتعددة مثل: إنهاء النفوذ الإنجليزي والفرنسي، وضرب الحركة الإسلامية.... إلخ ولما أدت دورها خير أداء أنهتها أمريكا في حرب ١٩٦٧م.
إن الدرس الرئيس الذي نستفيده من التجربة الناصرية وهو أن تحقيق أي حركة لأي نصر أو تقدم يخدم الأمة، لابد من أن يكون مستندًا إلى دين الأمة وعقيدتها وقيمها من جهة، وأن يكون مستندًا إلى استقلال حقيقي للحركة في نشأتها وفي قرارها السياسي من جهة ثانية ..