العنوان ماذا بعد الهرولة الموريتانية نحو الكيان الصهيوني؟!
الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
مشاهدات 70
نشر في العدد 1376
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
المراقبون والمتابعون لهم قراءتهم الخاصة للهرولة الموريتانية نحو الصهاينة، يمكن أن نسجلها في هذه النقاط:
* على المستوى الرسمي العربي في المشرق أو المغرب لم يحظ الأمر بالإنكار أو الاستهجان، إذ لم يعقبه حتى مجرد تحذير من الهرولة المورتيانية أو الهرولة غير الموريتانية المقبلة، ولا نحسب أن في ذلك ما يدعو للدهشة أو العجب، لأن التطبيع وتبادل العلاقات وعقد الاتفاقات والمعاهدات مع الكيان الصهيوني لم يعد موضع تحفظ أو رفض.
* إن الاتفاق الموريتاني- الإسرائيلي بشأن رفع مستوى العلاقات الثنائية إلى درجة السفارات إنما حظي بالاستنكار والاستغراب على مستوى الشعوب العربية، التي مازالت حتى اللحظة تنظر إلى الكيان الصهيوني على اعتبار أنه مصدر الخطر الداهم، الذي يهدد حاضرها ومستقبلها، ومن ثم فهي حتى اللحظة ترفض التطبيع، وترفض إقامة أي شكل من أشكال العلاقات معه، لأنها أصلًا لا ترى غير سبيل واحد، وهو اقتلاع جذور هذا العدو الدخيل الغاصب قبل أن يقتلع جذورها من أرضها، ويصادر وجودها وحاضرها ومستقبلها.
* أنه في الوقت الذي وقف فيه الإعلام الرسمي العربي من الخطوة الموريتانية موقفًا يتراوح بين غض الطرف، وبين مجرد العتاب، للسرعة التي تم بها رفع العلاقات، فإن الإعلام الذي يعبرعن الأحزاب والقوى المعارضة، وهو محدود الإمكانات، هو وحده الذي استنكر وعبر عن الغضب من الخطوة الموريتانية الرسمية والرفض لها، وهو يبقى صاحب الصوت المسموع والمعبر عن رأي الناس رغم إمكاناته المحدودة والتضييق الرسمي عليه في مجال المعلومة.
* أنه يرافق الخطوة الموريتانية الرسمية نحو رفع مستوى العلاقات مع العدو الصهيوني إلى مستوى السفارات، هجمة أمريكية صهيوينة يصاحبها أنماط من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية للإجهاز على القضية الفلسطينية، وإغلاق ملفها، وتبدو آفاق وملامح هذه الهجمة عبر إعلان باراك عن استعداده للقبول بدولة فلسطينية على 18% من الضفة وغزة في الإطار والحجم والوزن والدور الذي يراه الصهاينة لهذه الدولة، وهو لا يتعدى في سلطاته وصلاحياته سلطات وصلاحيات الحكم الذاتي الراهن أو الحكم المحلي، وإن كان يتجلى من خلاله الخبث والدهاء الصهيونيين، وذلك بالضرب على أوتار مظاهر الزعامة والرئاسة التي يمكن أن يوفرها باراك والصهاينة لترضي جوانب في نفس رئيس السلطة ياسر عرفات.
* إذا كان هناك كثيرون من المحللين والمعلقين السياسيين والمتتبعين لمسار القضية يؤكدون أن لديهم الكثير من الدلائل والمؤشرات التي تؤكد هذه الهجمة الأمريكية الصهيونية على ساحتنا العربية، والتي يصحبها الكثير من الضغوط لتسريع الخطو على المسارات، في اتجاه إغلاق الملفات بعد تصفية القضية، فإنهم يقولون ومن هذا المنطق إن ما يجري على ساحة المنطقة من تضييق على حماس، وملاحقة للمد الإسلامي على هذه الساحة أو تلك، ومع مساع محمومة لتحجيم أو حصار التيار الإسلامي، إنما يأتي في إطار متطلبات هذه الهجيمة، وسعيًا لتحقيقها لأهدافها وغاياتها، وخاصة أن التيار الإسلامي له موقفه المبدئي والمعروف إزاء الكيان الصهيوني.
* والخطوة الموريتانية الرسمية في اتجاه رفع مستوى العلاقات مع الصهاينة وتوثيقها، كما يراها كثير من المراقبين لن تكون الخطوة الأخيرة، فبعدها ستأتي خطوات، خاصة في ظل الأجواء المخيمة على العالم العربي، وكما تؤكدها التصريحات المسؤولة في الجزائر على سبيل المثال، وما يقال ويشاع عن استعدادات أبدتدها دول عربية مغربية أخرى للقيام بخطوات ربما تكون على منوال خطوة موريتانيا أو أوسع منها، وإذا كان هذا يؤكد الاهتمام الأمريكي والصهيوني بسرعة وتسريع خطوات الإجهاز على القضية، وإغلاق الملفات فإنه يفتح الطريق- كما يقول هؤلاء المراقبون- لإحداث تغييرات على ساحة المنطقة لعل صمويل برجر- مستشار الأمن القومي الأمريكي- قد أشار إليها، كما أشار إليها مارتن إنديك- السفير الأمريكي الجديد في الكيان الصهيوني، وهي تغييرات ربما فتحت الأبواب أمام انتخابات على الساحة العربية يفسح فيها المجال إلى حد مرسوم أمام أحزاب المعارضة العربية للمشاركة، ولإحراز مواقع في مجالسها، وذلك سعيًا لإكساب اتفاقات التسوية مع الكيان الصهيوني بصمة شعبية، حتى ولو تضاءلت مساحتها، لكنها تعتبر بداية لمرحلة جديدة يسعى الصهاينة فيها لكسب تأييد عربي شعبي ينتقل بالتطبيع من مرحلة فرضه على الشعوب من قبل الحكومات، إلى مرحلة قبول الشعوب به عبر مجالس تشريعية.
* المذهل أن أهل موريتانيا الرسميين يزعمون أنهم على خلاف مع فرنسا، وأن هناك تهديدات فرنسية لهم وهم في حاجة إلى العون من جانب قوة أكبر، وقد وجدوها في أمريكا، والدخول من أبواب البيت الأبيض يحتاج إلى خطوة إزاء الكيان الصهيوني.
الدرس الموريتاني الثقيل يجسد الوضع العربي المتردي، على المستوى القطري، وعلى المستوى الإقليمي، وعلى مستوى الجامعة العربية، وإن كان الأمل يبقى مرتبطًا بموقب الشعوب، وأيضًا بإصرار الأحزاب والقوى المعارضة على الساحة العربية على موقفها الرافض للكيان الصهيوني، ولكافة الصغوط أو محاولات الإغراء الأمريكية.