; ماذا بعد النفط؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا بعد النفط؟

الكاتب د.حسني الطنطاوي

تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2001

مشاهدات 73

نشر في العدد 1479

نشر في الصفحة 42

السبت 01-ديسمبر-2001

  • مشكلة الانتقال من التنمية بالنفط إلى التنمية بالبشر في دول مجلس التعاون الخليجي

  • النضوب الجيولوجي للنفط يسابق النضوب التكنولوجي له.. وفي الحالين هناك تحديات كبيرة تواجه الدول المنتجة

  • أيهما أولى: تحديث أساليب إنتاج النفط واكتساب الخبرة الوطنية في ذلك أم البحث عن مصادر أخرى للطاقة؟

  • آثار إيجابية للثورة التكنولوجية في مجال إنتاج النفط.. وأخرى سلبية

سؤال بات يؤرق معظم الدول المنتجة للنفط وهي تخطط للمستقبل، وتسعى إلى زيادة معدلات التنمية الشاملة في مجتمعاتها، وتخشى أن تفوتها الفرصة الأخيرة لتدارك ما فاتها من الاستعداد المبكر لمرحلة آتية طال الزمن أم قصر، وهي مرحلة ما بعد النفط.  «إن منابع النفط إلى نضوب في مدة لا تتجاوز قرنًا من الزمن» هذه المقولة يكاد معظم الخبراء والمختصين في شؤون النفط والطاقة يجمعون عليها منذ سنوات عدة. وفي ضوء ذلك فإن الدول النفطية -وبخاصة دول الخليج- تواجه معضلة حقيقية تتمثل في كيفية الانتقال من التنمية بالنفط إلى التنمية بالبشر خلال مدة لا تتجاوز بضعة عقود.

وإذا كان صحيحًا أن النفط قد غير وجه الحياة في مجتمعات هذه الدول بوتيرة سريعة جدًا خلال نصف القرن الماضي، إلا أن هذا التغير قد اعتمد على الربع النفطي الذي كان -ولا يزال- يمثل حوالي ٩٠٪ من مصادر الدخل في مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي، وارتبط هذا التغير بشيوع نزعة استهلاكية مرتفعة، وزيادة كبيرة في الطلب على الخدمات والسلع المستوردة، وتكفلت الدولة بتوفير ذلك كله في إطار فلسفة «دولة الرفاهية» التي تبنتها الدول النفطية، ولم يكن هناك تنويع لمصادر الدخل القومي، مع ما يتطلبه من اهتمام بالتكوين العلمي والمهني للكوادر الوطنية، وتأهيلها فنيًّا وتكنولوجيًّا للمشاركة في مختلف مجالات العمل والإنتاج، ولتطوير قطاعات إنتاجية جديدة تعتمد على القدرات والموارد المحلية لتكون جزءًا من إستراتيجية شاملة للمستقبل.

ومع تسارع الخطى نحو المستقبل -القريب والبعيد- يزداد هاجس الدول الخليجية مما سيكون عليه حالها فيما بعد النفط، وفي هذا السياق عقد مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية -بجامعة الكويت- ندوة خلال شهر نوفمبر بعنوان «ماذا بعد النفط؟ وضع دول مجلس التعاون الخليجي: محاولة استشراف آفاق المستقبل». وقد شارك فيها عدد من أبرز الخبراء والمختصين العرب في شؤون النفط والطاقة، وجرت المناقشات حول ست أوراق علمية، بالإضافة إلى ثلاث كلمات افتتاحية: الأولى لراعي الندوة الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح نائب سمو الأمير «ألقاها نيابة عنه الدكتور محمد صباح السالم، وزير الدولة للشؤون الخارجية»، وقد أكد فيها أهمية أن تسرع دول مجلس التعاون من أجل إيجاد منظومة اقتصادية متكاملة لا تعتمد على النفط وحده في اقتصادها، والكلمة الثانية كانت للدكتورة فايزة الخرافي -مديرة جامعة الكويت- أشارت فيها إلى أن الواجب الأول لدول المجلس هو أن تضع البرامج الكفيلة بإعادة بناء الإنسان في هذه المجتمعات بحيث تعدل سلوكه وتوجهاته من الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن الاعتماد شبه الكلي على الدولة إلى الاعتماد على الذات، أما الكلمة الثالثة فكانت للدكتورة ميمونة الصباح- مديرة مركز دراسات الخليج- التي أكدت أن العمر الافتراضي للنفط في دول المجلس يتناقص بمعدلات متزايدة، وأنه من المحتمل أن يأتي نضوبه في مرحلة يكون الحجم السكاني في هذه الدول قد تضاعف مرتين، الأمر الذي يزيد من حدة التحديات التي ستواجهها في مرحلة ما بعد النفط، ويطرح تساؤلات صعبة تتعلق بمدى القدرة على الوفاء باحتياجات الأجيال المقبلة قياسًا على الأوضاع الراهنة، من حيث الخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة المرتفع.

ومن خلال متابعة وقائع الندوة، وبالقراءة المتأنية في أوراقها، يتضح أن ثمة اتفاقًا بين المختصين على أن مرحلة التنمية بالنفط قد أوشكت على الرحيل دون استعداد لتحديات ما بعد النفط، وفي مقدمتها تحديات التنمية البشرية، ناهيك عن تحديات التنمية بالبشر، ولكن هذا لا يعني أن الفرصة قد فقدت تمامًا من أجل بناء قاعدة اقتصادية غير معتمدة على النفط وحده، فلدى دول المجلس قدرات وإمكانات كبيرة يمكن تعبئتها وإحسان توظيفها على مدى العقدين القادمين للإسهام في تحقيق مثل هذا الهدف، وإن بدرجة أقل مما كان يمكن تحقيقه خلال العقود الثلاثة المنصرمة. لقد كان من الطبيعي أن تركز أعمال الندوة على الجوانب التقنية للنفط، وخاصة تلك المؤثرة على معدلات إنتاجه الحالية والمستقبلية، بيد أن الجوانب الأخرى السياسية والاجتماعية المرتبطة بالموضوع فرضت نفسها على المناقشات والمداخلات التي أثارها مقدمو الأوراق في المحاور الثلاثة للندوة، والتي يمكن إيجاز أهم ما دار فيها في الآتي:

1- أيهما أسبق : النضوب الجيولوجي أم التكنولوجي للنفط؟

اقتصر مفهوم «نضوب النفط» حتى وقت قريب، وفي أغلب الحالات -على معنى النفاد الطبيعي أو الجيولوجي للمخزون الاحتياطي منه، وبهذا المعنى يقدر الخبراء نفاده خلال فترة قد لا تتجاوز نهاية القرن الحالي على أقصى تقدير. وفي ضوء هذا المفهوم تركز اهتمام حكومات الدول النفطية ومراكز الأبحاث المتخصصة على حساب حجم الاحتياطي النفطي، وعلى اقتناء التقنية الحديثة في مجال استخراج النفط، والسعي إلى تطويرها وتوظيفها بأعلى كفاءة ممكنة من أجل زيادة هذا الاحتياطي، ومن ثم زيادة العمر الافتراضي للنفط في هذه الدولة أو تلك.

ونتيجة للأزمات المتكررة التي تعرضت لها الدول الصناعية المستوردة للنفط من جراء التقلبات السياسية والاقتصادية في بعض الدول المنتجة له، سعت تلك الدول منذ وقت مبكر للوصول إلى بدائل أخرى للطاقة التي يولدها النفط، وبعد أن قطعت شوطًا معتبرًا في هذا المضمار بدأ الحديث عن معنى آخر لمفهوم «نضوب النفط»، وهو النضوب التكنولوجي الذي يشير إلى قرب التوصل إلى مصادر بديلة لإنتاج الطاقة بتكلفة أقل من تكلفة الحصول على الطاقة المتولدة عن النفط، وبهذا المعنى فإن معدلات النضوب التكنولوجي للنفط تزداد كلما قل الاعتماد على المصادر الهيدروكربونية كمصدر رئيس للطاقة، وحلت محلها المصادر الجديدة بكلفة اقتصادية أقل.

٢ - المتاح والممكن من الاحتياطي النفطي

تشير التقديرات الإحصائية إلى أن احتياطيات النفط المؤكدة في الدول العربية تشكل أكثر من ٦٢% من الاحتياطيات المؤكدة في العالم. وتمثل احتياطيات دول مجلس التعاون حوالي ٤٥% منها، ومع ذلك، وبالرغم من هذه النسب المرتفعة التي تحظى بها الدول العربية عامة والخليجية منها خاصة، إلا أن ثمة عديدًا من المحددات، بل القيود التي لا تجعل كل ما هو متاح ممكنًا. وقد تطرقت عدة أوراق من أوراق الندوة إلى مناقشة بعض تلك المحددات والقيود، ولعل من أهمها ذلك الاتجاه المتزايد نحو حماية البيئة  الذي أخذ في الاتساع منذ بداية الثمانينيات، وأطلق عليه في حينه اسم «الموجة البيئية الثالثة» وكان الهدف منها -ولا يزال- التحذير من مخاطر استخدام النفط على نقاء البيئة ونظافتها، من جراء ما يترتب على هذا الاستخدام من أمطار حمضية، وزيادة درجة حرارة الأرض، واتساع ثقب الأوزون، وغير ذلك من السلبيات التي تدفع باستمرار إلى البحث الجدي عن مصادر نظيفة للطاقة تحل محل النفط، الأمر الذي يعجل من احتمالات النضوب التكنولوجي بالمعنى السابق ذكره، ومن ثم يقلل- في المستقبل المنظور -من الأهمية النسبية لضخامة الاحتياطيات التي تمتلكها الدول النفطية عامة ودول مجلس التعاون بصفة خاصة.

وعلى ذلك قد تتذرع الدول الصناعية المستوردة للنفط بدعوى حماية البيئة -وهي هدف مشروع وفق اتفاقية الجات- لكي تضع عوائق أمام وارداتها من المنتجات النفطية المكررة، والأهم من ذلك أن تتذرع أن أحكام اتفاقية الجات لا تجيز وضع قيود كمية على سلعة التصدير، الأمر الذي يحد من حرية دول الأوبك -مثلًا- في ترشيد إنتاجها بهدف المحافظة على أسعار مناسبة للنفط تكون في صالحها. وبالفعل ذهب قاضٍ أمريكي ومعه اثنان من أعضاء الكونجرس إلى حد الادعاء أن دول أوبك تتآمر لتقييد العرض العالمي للنفط ورفع أسعاره بالمخالفة لقوانين مكافحة الاحتكار الأمريكية  التي تجرم تلك الأفعال، وأخذوا ينادون بمحاكمة تلك الدول أمام القضاء الأمريكي. 

ويمكن لدول مجلس التعاون أن تتغلب على مثل تلك التحديات والقيود من خلال المحافظة على مستوى من الأسعار يسمح باستمرار الطلب على النفط لأطول فترة ممكنة، هذا من الناحية الاقتصادية، أما من الناحية البيئية فإن تطوير تقنيات نظيفة لاستخراج النفط واستخدامه سوف يساعد على توفير درجة أكبر من المرونة في الإنتاج أمام هذه الدول.

3- أثر الثورة التقنية في إنتاج النفط وبدائل الطاقة على الثروة النفطية الخليجية

يرى كثير من الخبراء أن العالم يشهد منذ بداية التسعينيات «ثورة نفطية» جديدة تتمثل في الطفرة التكنولوجية في مجال البحث عن النفط واستخراجه وتصنيعه، مما أدى إلى تقليل القدرة التنافسية لكثير من الدول المصدرة له  التي لم تمتلك التقنيات المتطورة في هذا المجال، ومنها الدول العربية النفطية. وقد أظهرت أوراق الندوة ومناقشاتها حول هذه المسألة أن ثمة اتجاهين أساسيين:

أولهما: يرى أن من الضروري التوصل إلى اتفاقيات تعاون مع الشركات النفطية العملاقة من أجل تحديث أساليب استغلال الحقول النفطية من ناحية، وجذب التكنولوجيا الحديثة في هذا الميدان من ناحية أخرى، وتمكين أبناء هذه الدول من اكتساب الخبرات التكنولوجية المتطورة من ناحية ثالثة.

وثانيهما: يرى أن الأولوية يجب أن تعطى للبحث عن مصادر أخرى للطاقة، حيث سيقل الاعتماد على النفط تدريجيًّا في توليد الطاقة، وسيستعاض عنه بالغاز الطبيعي لسهولة فصل الهيدروجين منه.

ويقترح أنصار هذا الرأي البحث في إمكانية استخدام أنظمة خلايا الوقود، ويؤكدون أنه خلال السنوات الخمس القادمة، ونتيجة لتمويل أبحاث خاصة بفصل الهيدروجين من مشتقات النفط، سوف يكون الغاز ومشتقات النفط هما الوقود المستخدم في أنظمة خلايا الوقود بدلًا من الغاز الطبيعي الذي يستخدم حاليًّا؛ الأمر الذي يعني إمكانية إطالة العمر الافتراضي للنفط من خلال تطوير استخدامه في أنماط مبتكرة للطاقة، كما يعني ضرورة الاهتمام باستثمار الأموال الفائضة في صناعة خلايا الوقود التي ستكون -حسب رأي المختصين- ذات مردود اقتصادي كبير يوفر للدولة دخلًا يعوض ما ستفقده نتيجة انخفاض سعر النفط إذا ما انخفض الطلب عليه.

والحاصل أن الثورة التكنولوجية في مجال النفط وبدائل الطاقة لها انعكاسات إيجابية وأخرى سلبية على الثروة النفطية في الدول المنتجة لها، وسوف يتوقف الأثر الفعلي لهذه الثورة على مدى كفاءة الاستفادة من تلك الإيجابيات، وخاصة في مجال بدائل الطاقة، وعندما تتمكن الدول المنتجة من تطوير بعض البدائل واستخدامها محليًّا فإنها تكون على الطريق الصحيح، ومن أهم الاقتراحات التي جرى الحديث عنها في هذا الصدد «إنشاء مؤسسة خليجية علمية» تتفرغ لدراسة أوضاع النفط -ما بعد النفط- بالمعنى الجيولوجي أو بالمعنى التقني -على أن تخصص لها نسبة من عائدات النفط في دول المجلس، وأن تركز على بحوث المستقبل في عالم ما بعد النفط وآليات تطوير استخداماته والمحافظة عليه مصدرًا رئيسًا للدخل القومي عبر تنويع طرائق الاستفادة منه، وربطه دومًا بأحدث الابتكارات التكنولوجية.

ومما يزيد من أهمية الأخذ بهذا التوجه أن أغلب مصادر الطاقة البديلة -خاصة المتجددة منها– ما زالت غير مجدية اقتصاديًّا، ولا تشكل حتى الآن منافسًا قويًّا للنفط. ومع الاتساع المتوقع في الاستهلاك العالمي من الطاقة المتولدة من النفط والغاز الطبيعي معًا، ونظرًا لتراجع الاعتماد على الطاقة النووية لما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، إضافة إلى الآثار السلبية للفحم على البيئة. لكل ذلك فإن النفط سيظل يحظى بأهميته النسبية الكبيرة، سواء بين مجموعة مصادر الطاقة، أو كمادة خام أساسية في كثير من الصناعات التحويلية، الأمر الذي قد يزيد -مرة أخرى- من احتمالات سرعة نضوبه خلال فترة وجيزة، ويفرض بالتالي مزيدًا من التحديات على الدول المصدرة للنفط.

هل أفلتت الفرصة؟ وماذا عن المستقبل؟

بالرغم من صيحات التحذير التي يطلقها خبراء النفط والطاقة بين الحين والآخر من احتمالات النضوب السريع للنفط وما سوف يرتبه ذلك من أعباء وتحديات كبيرة على الدول النفطية، إلا أن ثمة مؤشرات كثيرة تشير إلى أن الفرصة لم تفلت بعد، وأن بإمكان الدول المنتجة تدارك ما فات، وقد أجمع المشاركون في الندوة على أن نقطة الانطلاق الحقيقية في النظر إلى المستقبل هي «التنمية البشرية للوصول إلى التنمية بالبشر مع -أو بعد- التنمية بالنفط»، فالإنسان في النهاية هو أداة التنمية وهدفها، غير أنه لا يمكن أن تخطو مجتمعات الدول النفطية خطوات موفقة نحو المستقبل إلا إذا استطاعت أن تحقق نقلة نوعية في أنظمتها التربوية والتعليمية والتأهيلية، ترافقها نقلة نوعية في أساليب وقيم العمل والإنتاج، بحيث يكون محورها الأساسي التركيز على أهمية الاعتماد على النفس، وتقدير قيمة العمل وإتقانه، والحد من التوجهات الاستهلاكية وكافة مظاهر الإسراف والبذخ، وتشجيع الأنشطة الإنتاجية والمهن الحرفية، وهذا بعض ما يجب عمله حتى يمكن التغلب على معضلة الانتقال من التنمية بالنفط إلى التنمية بالبشر، وحتى يكون المستقبل للأجيال القادمة لا عليهم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

350

الثلاثاء 24-مارس-1970

البترول العربي وقضَايا المصير

نشر في العدد 7

134

الثلاثاء 28-أبريل-1970

مجلس الأمة - عدد 7