العنوان ماذا بعد التمديد اللانهائي للمعاهدة النووية؟!
الكاتب عبدالستار ابو حسين
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1995
مشاهدات 72
نشر في العدد 1151
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 30-مايو-1995
- د. سامي عبد الحميد: المعاهدة تعتبر منتهية بالنسبة للدول العربية
- الدكتور مفيد شهاب: آلية إقليمية لمنع الانتشار النووي في المنطقة
- السفير أحمد توفيق خليل: الانسحاب أو تعليق العضوية لابد أن يرتبط بخطوة تالية وهدف أكبر
القاهرة: عبد الستار أبو حسين
أعلن مجلس الأمن تمديد معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لأجل غير مسمى بعد أن نجحت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية- كما كان متوقعا- في توفير الأغلبية اللازمة لتمرير المد اللانهائي للمعاهدة وإحباط كل محاولات تحديد مدى زمني محدد للمعاهدة حتى تتم مراجعتها وضمان فعاليتها.
وقد تحفظت كل الدول العربية على المد اللانهائي للمعاهدة إلا أن كل الزعماء العرب الذين تناولوا هذه المسألة أكدوا القبول المسبق لما يسفر عنه التصويت على مد المعاهدة حتى ولو كان مدا لانهائيا، وراح الخطاب السياسي العربي الذي رافق الحديث عن تمديد المعاهدة يؤكد أن رفض التمديد اللانهائي لا يعني شيئا إذا حظي هذا التمديد بأغلبية الأصوات (النصف + ۱) لأن أي تمديد يحظى بموافقة الأغلبية يسري على كل الدول الأطراف في المعاهدة، من وافق منهم على التمديد ومن لم يوافق فالدول أطراف المعاهدة كانت تعلم مسبقا نص المادة العاشرة الذي يلزمها بالرضوخ لأي قرار يصدر عن الأغلبية.
إلا أن هناك رأيا وتوجها آخر لم يحظ بإبراز في الخطاب السياسي العربي لا يعتبر الموقف من مد المعاهدة نوعا من إبراء الذمة، أي نتحفظ على المد، ولكن نلتزم به، وفي هذا التحقيق نقلب أوراقا من ملف هذا التوجه.
التمديد غير ملزم
الدكتور سامي عبد الحميد، أستاذ ورئيس قسم القانون الدولي بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية – يقول: إن التمديد اللانهائي لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لا يلزم إلا الدول التي وافقت على هذا التمديد، أما الدول التي لم توافق عليه فهي غير ملزمة بالمعاهدة بعد تمديدها.
ويشرح الدكتور عبد الحميد حيثيات رأيه، فيقول: إن نص المادة العاشرة الفقرة الثانية بالمعاهدة يقول حرفيًا بعد ٢٥ عامًا من العمل بالمعاهدة يعقد مؤتمر دولي ليقرر إذا كانت المعاهدة تستمر بشكل دائم، أو إذا كانت يتم تمديدها لفترة إضافية محددة أو لعدة فترات، ويتخذ القرار بأغلبية أصوات الدول الأعضاء، وهو نص يخلو من أي التزام صريح أو ضمني من جانب الأطراف بقبول قرار الأغلبية، فالالتزام الوحيد الوارد في هذا النص هو الاشتراك في أعمال مؤتمر يعقد بعد خمسة وعشرين عامًا من نفاذ المعاهدة.
إن الاتفاقية صيغت محددة المدة بحيث تنتهي بانقضاء هذه المدة ما لم يتقرر تمديدها، أما وقد تقرر هذا التمديد فإنه في حقيقة الأمر يعتبر تعديلاً لحكم من أحكام الاتفاقية، وبالتالي فهو تعديل لها، وقد تناولت اتفاقية فيينا الخاصة بقانون المعاهدات تنظيم تعديل المعاهدات متعددة الأطراف وطبقًا لنص المادة ٤٠ (الفقرة الرابعة) من هذه الاتفاقية، فإن التعديل الذي تقرره أغلبية الدول الأطراف في اتفاقية جماعية يعتبر اتفاقًا جديدًا لا يلزم الدول أطراف الاتفاقية ما لم تقبله، ولذلك فمن حق الدول العربية قانوناً أن تعترض على قرار الأغلبية بالمد اللانهائي لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وهذا الاعتراض يعني أن هذه المعاهدة قد انقضت بالنسبة لمصر والدول العربية بمجرد رفض قرار الأغلبية.
وهذا أحد البدائل المتاحة أمام الدول العربية بعد تمديد المعاهدة بصفة لا نهائية، أما البديل الثاني الذي يدعو إليه الدكتور سامي عبد الحميد فهو التحفظ على قرار التمديد وتعليق قبوله بانضمام «إسرائيل» للمعاهدة وتدمير ما بحوزتها من أسلحة نووية بحيث لا يبدأ التزام العرب بتحديد المعاهدة إلا بعد إيداع «إسرائيل»، وثيقة انضمامها لها، وهو حق صريح للعرب طبقًا لنص المادة ۱۹ من اتفاقية فيينا الخاصة بقانون المعاهدات، حيث أعطت هذه الاتفاقية للدول الحق في التحفظ على المعاهدات أو ما قد يطرأ عليها من تعديل ما لم تتضمن الاتفاقية محل التحفظ نما صريحا يمنعه أو ما لم يكن التحفظ متعارضا مع موضوع الاتفاقية أو الهدف من وراء إبرامها وهو الأمر الذي لا ينطبق على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية التي تخلو من أي نص يحظر التحفظ على أحكامها، كما أن التحفظ المحصور في تعليق قبول تمديد الاتفاقية بانضمام إسرائيل، إليها تحفظ لا يتعارض مع موضوع الاتفاقية أو مع الهدف من إبرامها.
كل البدائل إلا الرضوخ
أما الدكتور عز الدين فودة – أستاذ كرسي القانون الدولي والدبلوماسية والمنظمات الدولية بجامعة القاهرة – فيقول: إن التعامل مع التمديد اللانهائي لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية يتضمن بدائل عديدة ليس من بينها الرضوخ لهذا التمييز والابتزاز النووي الذي قننته هذه المعاهدة وأضاعت الدول الكبرى فرصة تعديله عند مناقشة تمديد المعاهدة.
ويوافق الدكتور فودة على ما طرحه الدكتور سامي عبد الحميد ويدعو الدول العربية إلى الأخذ به برفض الاتفاقية أو تعليق القبول لها، ويقول إن العبرة ليست في وجود نص قانوني يبرر الرفض أو التعليق فهو موجود ولكن في قدرة الممارسة السياسية على حماية الحقوق الوطنية والدولية، ففي ظل الأداء السياسي المتردي للنظام الإقليمي العربي ثم الترويج لفكرة القبول المسبق بالتمديد اللانهائي للمعاهدة - إذا وافقت الأغلبية على ذلك - بحجة الانصياع للشرعية الدولية مع أن هذا البديل مجرد رأي وبديل التعليق أو الرفض للمعاهدة رأي آخر يستند إلى نفس أسس الشرعية والقانون الدولي، إلا أن هذا النظام لم يكن قادرًا على صيانة الحقوق والمصالح العربية بها قد يتعارض مع رغبات بعض الدول الكبرى، فاختار مداهنة هذه القوى والتضحية بالمصالح العربية مبررًا ذلك بالشرعية الدولية.
تعليق المعاهدة
المستشار حسن أحمد عمر - عضو الجمعية المصرية للقانون الدولي - يدعو مصر والدول العربية إلى تعليق قبول المعاهدة بعد تمديدها ويقدم السند القانوني الدولي لهذه الخطوة فيقول القصد من تعليق المعاهدة أو وقف العمل بها هو وضع حد لاستمرار نفاذها نظرًا لأسباب تطرأ بعد تنفيذ المعاهدة فترة من الزمان مع إمكانية العودة إلى تطبيق أحكامها مرة ثانية.
وقد أعطت المادة ٦٢ من اتفاقية ڤبينا الخاصة بقانون المعاهدات الحق لكل دولة في تعليق التزاماتها التعهدية عند تغيير الظروف والأوضاع وهو ما أكدته أحكام محكمة العدل الدولية.
وبتطبيق ذلك على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية نجد أنه لا يمكن أن يجادل أحد في تغير الظروف التي انضمت فيها الدول العربية إلى المعاهدة، فقد انهارت الكتلة الشرقية وانتهت الحرب الباردة، وبالتالي انتهى ما يسمى بالردع النووي المتوازن، وبدأ ما يسمى بالنظام الدولي الجديد يمارس الازدواجية في تعامله مع قضية الشرق الأوسط.
وقد استهدفت الدول العربية من الانضمام للمعاهدة تشجيع «إسرائيل»، على اتخاذ نفس الخطوة والحصول على المساعدات الفنية لاستخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية ومنع التسابق الدولي في الشرق الأوسط ولكن تبين أن الأهداف الثلاثة لم يتحقق أي منها، فإسرائيل لم تنضم للمعاهدة بل مضت في إنتاج أسلحة نووية تفتح الباب أمام سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط والدول النووية لم تعرف بالتزاماتها في تقديم مساعدات نووية سلمية للدول العربية الأعضاء في المعاهدة، كل هذا يخلق ظروفًا جديدة تعطي الحق للدول العربية في تعليق القبول بالمعاهدة بعد تمديدها.
التزام جديد
ويرى الدكتور مصطفى عبد الرحمن - رئيس قسم القانون الدولي بجامعة المنوفية - أن تمديد اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية هو تجديد للالتزام لا تلتزم به إلا الأطراف التي وافقت عليه، أما الأطراف التي لم توافق فهي غير ملتزمة به، لأن العبرة هذا بالحكم الجديد، فالدولة التي وافقت على الارتباط بالمعاهدة لأجل غير مسمى فقط هي التي تكون طرفًا فيها، أما الدولة التي رفضت هذا التمديد أو وافقت عليه يتحفظ فإنها تلتزم في حدود ما وافقت عليه، وهذا تطبيق مباشر لقواعد قانون المعاهدات الدولية.
وبالتالي؛ فإن الدول التي وافقت على تمديد المعاهدة بلا تحفظ هي التي تلتزم بها، أما الدول التي أصدرت إعلانات أو تحفظات على المعاهدة؛ فالتزامها يكون في حدود ما أعلنته من تحفظات لأن الرضا أساس الالتزام، ولذا فإن تمديد المعاهدة لن يرتب أي أثر على أية دولة إلا في الحدود التي ترتضيها هذه الدولة.
القرار سياسي لا قانوني
السفير أحمد توفيق خليل - رئيس البعثة المصرية في الأمم المتحدة سابقًا – يقول: الموقف من تمديد المعاهدة موقف سياسي وليس قانونيًا، فأي بديل يتم اختياره لن يعدم المبرر القانوني، ولذلك يجب أن نحسب حساب كل خطوة قبل اتخاذها من الممكن أن تنسحب من المعاهدة أو نغلق عضويتنا بها، ولكن يجب أن نجيب على هذا السؤال: ثم ماذا؟ إن تعليق المعاهدة أو رفضها لابد أن يرتبط بهدف أكبر وخطوة تالية وهو يعني أننا سنبدأ في برنامج نووي، فهل نحن جادون في ذلك؟ إذن كل خطوة يجب أن ترتبط بهدف معين.
إن المعاهدة فيها تمييز وعدم مساواة بين التزامات الدول النووية والدول غير النووية، وجاء التمديد اللانهائي ليكرس ذلك، وبالتالي لا يجب أن نكتفي بمجرد موقف سلبي منها، والخطوة التالية أن نعترف بأننا خسرنا معركة ولم نخسر الحرب فما زال طريق العمل أمامنا طويلاً ويجب أن نتحرك سريعًا ولا نيأس في تحقيق الأهداف التي سعينا لها في معركة التمديد وعلى رأسها انضمام «إسرائيل»، للمعاهدة، وتدمير ما بحوزتها من أسلحة نووية فهذه قمة الأولويات التي يجب أن نعالجها، لا نريد مساعدات نووية في المجال النووي السلمي الآن، بل نبدأ بتحييد هذا الخطر المحدق في المنطقة وهو الترسانة النووية الإسرائيلية ولا يجب أن ننسى أن الأغلبية التي تم بها تمديد المعاهدة أغلبية ضئيلة لا تشكل نجاحًا يذكر ولا تساعد في محاربة الانتشار النووي والسبب الرئيسي في ذلك هو عدم انضمام «إسرائيل» للمعاهدة.
أما الخطوة الثانية فهي الاستعداد لخوض معركة الانضمام لمعاهدة منع انتشار الأسلحة الكيماوية التي وقعت في باريس عام ١٩٩٣م، حيث يتوقع السفير خليل أن تتعرض الدول العربية لحملة من الضغوط للانضمام إلى هذه المعاهدة وهي الضغوط التي كانت مؤجلة لحين الانتهاء من تمديد معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.
ويتفق الدكتور مفيد شهاب - رئيس جامعة القاهرة، ورئيس الشئون العربية والخارجية والأمن القومي بمجلس الشورى - مع السفير أحمد توفيق خليل على جدول أعمال ما بعد تمديد المعاهدة ويدعو إلى استمرار الجهود العربية لضم «إسرائيل» إلى المعاهدة وحتى لو فرض وتحقق ذلك فلابد من تدمير الأسلحة النووية لإسرائيل التي تصنف طبقًا لبنود المعاهدة على أنها دولة غير نووية لأنها أنتجت سلاحًا بعد سريان المعاهدة.
ويضيف الدكتور شهاب أن تمديد المعاهدة وإصرار «إسرائيل» على عدم الانضمام إليها لا يجب أن يعني نهاية المطاف فمن الضروري الاستمرار في الجهود لإيجاد آلية إقليمية لمنع الانتشار النووي في المنطقة.