العنوان ماذا بعد التقارب الأردني الفلسطيني؟
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1982
مشاهدات 67
نشر في العدد 591
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 19-أكتوبر-1982
عندما قام ياسر عرفات بزيارة الأردن يوم 9/10/82 واجتمع بالملك حسين في اليوم التالي، كانت تتجمع في رأسه المشكلات التالية:
1- الضغط السوري الرهيب لفرض الوصايا على منظمة التحرير وسلبها استقلالية القرار، وجعلها ورقة رابحة في يد دمشق وتوجيهها إلى «لا شيء».
2- مشروع «ريغان» الذي يدعو إلى هوية فلسطينية في الضفة والقطاع تابعة للأردن
وليس إلى دولة فلسطينية مستقلة.
3- مقررات قمة فاس التي تطالب بدولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، ولكنها تعترف بإسرائيل وتتنازل عن بقية فلسطين إلى الأبد وبضمانات دولية.
4- مشروع شارون الذي يعتزم إقامة دولة فلسطينية في شرق الأردن بعد ترحيل الفلسطينيين إليها وجعلها خاضعة لإسرائيل.
5- مشروع الملك حسين بإقامة اتحاد كونفدرالي مع دولة فلسطينية تقوم في الضفة والقطاع.
6- الشتات الفلسطيني شعبًا وثورة والتصفيات والمجازر الرهيبة لهذا الشعب ولهذه الثورة. والمعاناة والضغوط المستمرة من كافة الأطراف اليهودية والعالمية والعربية لتيئيس هذا الشعب وتركيع هذه الثورة، ولتقبل أي شيء وإلا فلن تحصل على شيء.
7- مصير من تبقى من الفلسطينيين في لبنان شعبًا وثوارًا والذين هم في طريقهم إلى الذبح أو الرحيل أو كلا الأمرين وهم حين يختارون الرحيل فإلى أين؟
لعل هذه هي المشكلات الرئيسة –وما أعقدها- التي كانت تدور في عقل «عرفات»
وهو يتوجه إلى الأردن للاجتماع بالملك حسين. فما المشكلات التي تقلق الملك الأردني وهو يجلس على طاولة المباحثات مع الزعيم الفلسطيني؟ لعلنا يمكن أن نجملها فيما يلي:
1- التهديد الإسرائيلي «الشاروني» بإسقاط الملك حسين وإقامة دولة فلسطينية بديلة عن المملكة الأردنية الهاشمية.
2- الحرب العراقية الإيرانية ومخاطر تطورها لصالح أي من الطرفين على نظامه وخاصة الطرف الإيراني.
3- التهديد السوري المستمر والذي وصل إلى حد حشد الجيوش على الحدود وإرسال القتلة إلى داخل الأردن.
4- تأرجح الولايات المتحدة بين دعم النظام الأردني حينًا والتخلي عن هذا الدعم أحيانًا أخرى، بل والتفكير في بعض الأحيان لتبديل النظام الأردني بنظام «فلسطيني» لصالح «الاستقرار» في الظاهر ولصالح «اليهود» وتصفية القضية الفلسطينية في الحقيقة.
5- هجرة الفلسطينيين من لبنان إلى الأردن وما قد يحمل ذلك من مخاطر عليه في المستقبل.
6- رغبته في نقل الورقة الفلسطينية إلى يده بموافقة منظمة التحرير ودعم عربي حتى يصبح المفاوض الأقوى والأقدر على استرجاع الضفة الغربية وغزة إن أمكن ذلك لتحقيق «المملكة العربية المتحدة».
7- التهديدات الإسرائيلية الجديدة بعد وصول الوفد الفلسطيني إلى عمان على لسان «جدعون بات» وزير الصناعة والتجارة وغيره من أن إسرائيل «سترد بقوة على أية نشاطات عسكرية للمنظمة من الأردن».
بهذه الهواجس من كل من الطرفين التقى عرفات مع الملك حسين، وما من شك في أن هناك مبررات قوية لكل منهما للالتقاء بالآخر والخروج من المأزق الذي يعيشانه والوصول إلى تصور مشترك وجهد مشترك يحقق شيئًا مما يصبوان إليه في مرحلة الانهيار العربي الشامل قبل قوات الأوان.
ومع الإيجابيات الكثيرة لهذه الزيارة إلا أن هناك عقبات ظهرت أثناءها منها:
1- التصريحات والضغوط السورية التي حاولت إنشاء لجنة تنفيذية جديدة لتسحب الشرعية من رئاسة «عرفات» لهذه اللجنة واعتباره لا يمثل إلا نفسه.
2- اعتبار «إسرائيل» لهذه الزيارة تهديدًا مباشرًا لها، وتحذيرها الملك حسين بأن محاولات إقامة اتحاد كونفدرالي فلسطيني أردني مجازفة غير محمودة العواقب.
3- كيف يتم الاتحاد الكونفدرالي بين دولة قائمة «الأردن» ودولة مفترضة «فلسطين» وهل تتم صياغة اتفاق هذا الاتحاد الآن كما يرى الأردنيون أَم بعد قيام الدولة الفلسطينية المستقلة كما يرى الفلسطينيون؟ ثم كيف يمكن قيام هذا الاتحاد الآن على افتراض إنه لا يتم إلا بعد استفتاء شعبي كما صرح بذلك سابقًا الملك حسين.
● ماذا يريد الفلسطينيون؟
إن الفلسطينيين يريدون دولة ذات سيادة أولًا ثم يتحدون بعد ذلك مع من يشاءون - وهم في الغالب يرغبون في الاتحاد مع الأردن رغم المآسي السابقة واللاحقة، ولكنهم في الوقت نفسه يريدون حشد أكبر قوة ممكنة ذات تأثير على المستويين العالمي والعربي لإخراج اليهود من أرضهم المحتلة وهم يريدون أن يكونوا قريبين من وطنهم فلسطين، متواجدين بكثافة أكثر حوله.
وليس هناك سوى الأردن تتميز بهذه الخصائص، ولذلك كانت حاجتهم إلى الاجتماع مع الملك حسين والتفاهم معه.
● وماذا يريد الأردنيون؟
والأردنيون يريدون أن يتحركوا بمباركة فلسطينية ودعم عربي وموافقة دولية ولذلك فهم في حاجة إلى الفلسطينيين فكان اجتماع الملك حسين مع ياسر عرفات.
● مؤتمر فاس:
ولكن المؤتمرين في فاس ومنهم الملك حسين و یاسر عرفات أقروا بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، فكيف يتفاوض الملك حسين ممثلًا عن شعب فلسطين؟
الجواب: إن هذا التفاوض يتم بالوكالة، ولماذا هذه الوكالة والأصيل موجود؟ الجواب: إن هناك صعوبات تقوم أمام الأصيل منها الاعتراض الإسرائيلي والأمريكي، ومنها تخوف الأصيل من أن يقع أسير التنازلات حتى يجد نفسه «عاريًا» أمام طاولة المفاوضات، ولا يملك أي ورقة يساوم عليها، فإذا فشلت المفاوضات ولم يحصل هذا الأصيل على شيء يكون قد انتهى سياسيًا وعسكريًا، أعنى إذا ألقى الفلسطينيون بالورقة الأخيرة التي تطالب بها أمريكا واعترفوا بإسرائيل ثم لم تنسحب إسرائيل من الضفة والقطاع، فهل هناك بعد ذلك مبرر «لمنظمة تحرير فلسطينية وجيش تحرير فلسطين؟» أما إذا لم يحصل الوكيل الأردني على ما يريده الأصيل الفلسطيني فإن في إمكان الأخير إلغاء الوكالات والاستمرار في الكفاح السياسي والعسكري.
● السادات وكيلًا بلا وكالة:
وقد حصل ذلك أن وكل السادات نفسه للتفاوض عن الفلسطينيين، ولكن وكالته من جانب واحد رفضت منذ البداية ولم تحقق أي نتيجة إيجابية للفلسطينيين في النهاية بل بالعكس كان تأثيرها مدمرًا على مجمل الوضع العربي.
الأنظمة العربية وبضغط دولي ومخاطر إسرائيلية أبدت نيتها في مؤتمر فاس للاعتراف بإسرائيل مقابل إيقاف إسرائيل عند حدها ووقف توسعها، وقد ساقوا إليهم الفلسطينيين مقابل إقامة دولة لهم في الضفة والقطاع أو كيان تابع للأردن أو هوية -مجرد هوية- كما يريد الأمريكيون، والفلسطينيون اكتشفوا بعد أن دفعوا الثمن غاليًا أن هذه الأمة العربية وبهذه الأنظمة القائمة قد استبعدت الخيار العسكري لمواجهة إسرائيل بعد أن استبعدت من قبل شعار تحرير فلسطين، ولما كان الفلسطينيون جزءًا من هذه الأمة فقد وجدوا أنفسهم أمام اختيارات ثلاثة:
الأول: مسايرة التيار العربي المحكوم بإرادة الدول الكبرى والمدفوع بمخططات إسرائيل وعملها الدؤوب لتمزيق هذه الأمة وانهيارها النهائي، وبالتالي على الفلسطينيين السلام..
الثاني: معاكسة التيار والاختفاء تحت الأرض وإعلان الحرب على هذه الأنظمة العربية مجتمعة بالإضافة إلى إسرائيل والدول الكبرى وهذا إجراء ينطلق من اليأس وقد لا يؤدي إلى شيء ذي بال.
الثالث: أن يمسكوا العصا من الوسط وألا يفجروا هم الصراع مع هذه الأنظمة، وأن ينهجوا أسلوب «التحايل والدفاع» لتحقيق أرضية يقفون عليها بعد أن أصبحت كل الأرض تحتهم زلقة ورخوة ومتشققة ولا أمان لها أي لإقامة كيان لهم يشعرون فيه بشيء من الحرية وامتلاك الإرادة، ولو على جزء من فلسطين، لعل هذه الأمة تصحو بعد ذلك فتعدل الموازين المقلوبة لصالحها وعندئذ تصبح إسرائيل مجرد جسم غريب تمكن من أن يجد له موضع قدم في قلب هذه الأمة ثم زال، شأنه شأن الصليبين والتتار.
الحل الوسط:
ويبدو إنهم اختاروا الحل الثالث، ويبدو أن هناك وعودًا أمريكية وضمانات عربية لتحقيق شيء ما للفلسطينيين. ورغم أن «إسرائيل بيجن وشارون» بل حتى شامير وبيريز لا يقبلون أن يكون لإسرائيل هذا الحجم وهذا النفوذ فقط، بل يطمحون إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير، إلا أن الكرة الآن في مرمى الأنظمة العربية بل الجماهير العربية التي طال سباتها وابتعادها عن الميدان، ولعل ذلك مرجعه إلى غياب العقيدة الصحيحة عن مجال الحياة لهذه الأمة. غياب منهج الله جل وعلا الذي خاطب المسلمين قائلًا: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7) وقال رسوله الكريم الذي أخرج هذه الأمة من الظلمات إلى النور «لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسُنتي» فأين كتاب الله من مجال حياتنا؟ و أين سُنة رسول الله r من منهج حياتنا؟ أفبعد ذلك نندهش حين نجد أنفسنا نعاني ﴿مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: 124)؟
الحل الإسلامي:
انطلقوا أيها العرب -ومنكم الفلسطينيون- ما شئتم أن تنطلقوا، اجتهدوا ما شئتم أن تجتهدوا، استعينوا بمن تشاءون أن تستعينوا. اتفقوا أو اختلفوا، اجتمعوا أو انفضوا، فسوف تكتشفون ولو بعد حين أن كل منهج غير منهج الله فهو رِد وضلال، وأن من استعان بغير الله ذل، وأن من لم يلتزم بقوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: 29) فهو إلى اندثار، وأن من لم يتمعن في الحديث القدسي «إذا عصاني من عرفني سلطت عليه من لا يعرفني» ومن لم يفهم معناه لا يعرف سر المعاناة التي نعيشها معشر العرب والمسلمين.