العنوان مات الأسد.. عاش الأسد!؟ سوريا.. تحتاج إلى «طرح آخر»
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1406
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 27-يونيو-2000
هذه مقولة يمكن أن تصف -للأسف- سائر ما تركزت عليه الضجة حول أوضاع سورية بعد وفاة الرئيس الذي حكم فيها ثلاثين عامًا، في ظل نظام فردي، جمهوري العنوان، ثوري الشعار، قومي النسب، دستوري الهيكل، ونحن ننطلق من أن فترة السلطة لأي فرد وفي أي منصب في نظام جمهوري قد تزيد أو تنقص، تطول أو تقصر، أما أن يستحيل انتهاؤها إلا بوفاة أو انقلاب، فهذا في حد ذاته مؤشر على شئون الأوضاع الراهنة، وإذا كان هذا لا يقتصر على سورية وحدها كما هو معروف، فقد سارت الأوضاع هناك شوطًا أبعد إذ أضيف إليها الأسلوب المتبع في انتقال السلطة على تلك الصورة المرتبة وهذا بعض ما نشر من التساؤلات عبر وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة وعلى أوسع نطاق حول محور رئيس، وهو ما إذا كانت سورية ستصبح «رائدة» لسواها في إدخال هذا النمط على الأنظمة الجمهورية، كما صنعت عندما كانت معلمة لسواها في الانقلابات العسكرية؟..
مات الأسد.. عاش الأسد.. هذه معادلة مختزلة لا تكفي في حياة الأمم والشعوب
بغض النظر عن المناقب والمثالب، فالمشكلة لا تكمن في خوض جولات حوار بشأن تعداد
المناقب أو المثالب والاختلاف عليها، إنما تكمن المشكلة في عملية «التقديس
المرفوضة من حيث الأساس» لتصوير أي إنسان فرد، وكأنه هو الوحيد الأصلح من سواه،
ففي ذلك إهانة للشعب بأجمعه، ولزعاماته وسائر القوى فيه، والأشد من ذلك أن من
يمارسون أسلوب التقديس لتحقيق منفعة ما، هم أنفسهم يميلون بعد فترة وجيزة كل الميل
فيجعلون ممن امتدحوه واتبعوه مجرمًا بمختلف الأعراف.. والشواهد على ذلك معروفة.
ويقال
أحيانًا إنه لا ينبغي في «مناسبة الوفاة» الحديث بغير المديح عن سياسي سابق، وليس
صحيحًا أن تنسب ذلك القول إلى منطلق إسلامي ما، فالمسألة ليست مسألة شخصية والحديث
عنه بعد موته ووقوفه للحساب بين يدي العزيز الديَّان، إنَّما هي مسألة الممارسات
التي أوصلت البلاد إلى وضع معين.. وهذا ما لا ينبغي الانقطاع عن الحديث فيه، في
حالة الوفاة أو في أي وقت آخر، فكيف مع رئيس امتدت فترة حكمة ثلاثة عقود كاملة،
ويراد على ما يبدو أن يستمر النهج نفسه حقبة مماثلة!..
ثم إن طرح القضايا الجوهرية المتعلقة بالوضع السوري، ضرورة تفرضها المرحلة
الراهنة بكل ما تنطوي عليه من أخطار كبرى معروفة في مقدمتها تمرير أكبر نكبة
سياسية في العصر الحديث تحت عنوان تسوية سلمية، وكذلك ما تنطوي عليه من تحديات
تتحدث عنها وعن ضرورة مواجهتها منذ قرن وهي تزداد ضخامة وتنوعًا، حتى بلغ سوانا
بالتطورات التقنية والاجتماعية الجارية وبمضاعفة سرعتها ما لا تكاد تتمكن من
متابعته واستيعابه، ناهيك عن قطع الطريق الواجب قطعها للحاق بالركب واستعادة مكانة
جديرة بالأمة على خارطة البشرية في المستقبل المنظور.. هذه المرحلة مع ما فيها من
أخطار وتحديات توجب التأمل فيما حدث وما أوجده من أجواء، وطرحه من تساؤلات للنظر
في قضايا جوهرية، أكبر من البشر مهما بلغ شأن فرد من البشر، لا سيما أن أصحاب
العلاقة المباشرة لم يترددوا ومن قبل أن يواروا رئيسهم تحت التراب عن التسابق إلى
منصب الرئاسة وكأنه من ممتلكاتهم الشخصية العائلية حتى أخوه رفعت الأسد المشارك
قبل إبعاده عن السلطة في بناء أعمدتها بمختلف الوسائل، وكان من أبشعها «سرايا
الدفاع» التي عانت تحت إمرته فسادًا في الأرض وبطشًا وقمعًا وإرهابًا، ظهر فجأة
مدافعًا عن الوطن ضد الاستبداد الفردي، وداعيًا إلى انتخابات ديمقراطية يريد أن
يرشح نفسه فيها لمنصب الرئاسة!..
الأرجح
بطبيعة الحال وصول بشار إلى السلطة، فقد تجاوزه في «السباق» وبلغ إعداد الأجواء
لذلك مداه مع كل ما تضمنه من إقصاء للمناوئين ورفع راية مكافحة الفساد القديم،
فبات أمر وراثة كرسي الرئاسة مسألة «شكليات» وكأنه لا أهمية لها أصلًا.. فبعضها تم
فعلًا، كتعديل الدستور فور إعلان نبأ الوفاة، أو كالترقية الفورية لاستلام قيادة
الجيش بأسلوب القفزات السريعة، أما بعض تلك الشكليات الآخر فعلى الطريق، بما في
ذلك انتخابات رئاسية لا يمكن أن تسفر عن مفاجأة ما.
مات الأسد.. عاش الأسد.. ثم ماذا عن الشعب، عن الأحزاب، عن مختلف القوى
السياسية التقليدية وغير التقليدية، وماذا عن الوضع الاقتصادي والأمني؟... هل يمكن
اختزال سائر تلك القضايا لتصبح عناصر جانبية وعوامل إضافية، تتكيف مع «المحور
الأهم» المقرر للحدث بانتقال السلطة على شكل محدد مرسوم فلا يبقى بعد القرار سوى
الأمور البسيطة، من قبيل تعديل الدستور كما حدث، أو إجراء انتخابات تسفر عن بضع
تسعات، وتسمية المؤيد وطنيًّا مخلصًا والمعارض خائنًا أو فاسدًا، حتى يتم إخراج
التمثيلية السياسية، وقد باتت تجري جهارًا نهارًا أمام الكواليس لا وراءها،
ويرافقها التغاضي عن لغة الأرقام الناطقة بصدد الحالة المعيشية والاقتصادية، فلا
قيمة لتراجع النمو الاقتصادي ولا حجم العجز التجاري ولا مستوى المعيشة الفردية،
ولا من وصل إليهم خط الفقر، ولا قيمة أيضًا لأرقام أخرى من قبيل عدد المعتقلين
وأوضاعهم، والمنفيين ومصائرهم، والمهاجرين وطاقاتهم، فكان سائر المسؤوليات التي
تتحملها السلطات الحاكمة المعتبرة لا علاقة لها بالمقاييس التي يؤخذ بها في سورية
لاختيار سلطة جديدة، ثم ينسب إلى الشعب وإلى إرادته «الحرة» كل إجراء جديد وهو
إنما يسمع به عبر وسائل الإعلام، وإليه ينسب أيضًا كل تطور جديد يفيق الشعب على
حدوثه بين ليلة وضحاها.
ومن أسوأ الصور التي ظهرت أثناء متابعة الحدث أن بعض جولات الحوار
الإعلامية كان يدور بمشاركة مسؤولين عن عهود سابقة، أو عن معارضة حزبية ضيقة أو عن
خصومة مصلحية محضة، فيجري تبادل التهم بالتراشق العنيف، وكأن الانحراف في فترة
يبرر الانحراف في سواها، فدار الحوار حول هؤلاء.. وكأنما بقي للشعب دور جمهور
المتفرجين.
في تلك المتابعة ظهرت أقوال لا يكاد يمكن التصديق بوجود من يقول بها جادًا
وعلنًا، ويأتي بها حجة يريد بها أن يدعم منطقه السياسي تقول أحدهم إن «طبيعة الحكم
في البلدان العربية هي العنف فهو مبدأ الحكم ولا نستطيع المقارنة بين سلطة وأخرى
سوى بين درجات العنف وهذا ما يجب أن نسلم به وننطلق منه» ولو صدر هذا الكلام عن
شخص آخر منسوب لمنظمة إسلامية ما، لواجهته سلسلة من الاتهامات بدءً بالتطاول على
السلطة، مرورًا بالإرهاب والاتهام بتبني العنف وسيلة لتحقيق غرض سياسي، وانتهاء
بإثارة الشغب والتحريض على الأنظمة!..
وشبيه بذلك قول آخر: «ولا يمكن إقامة الحكم على الحريات والديمقراطية في
بلادنا العربية، المشكلة هي الشعوب» وكأنه يقول: «إذا كان الشعب لا يصلح للحاكم،
وجب تبديل الشعب بآخر»!..
وقول ثالث: «إذا كان فلان يريد الحكم بدلًا من بشار فعليه أن يأتي بالشرعية
التي يستند إليها» إن لدى ابن الرئيس السابق شرعية حزبية دستورية يستند إليها،
والشعب هو الذي اختاره وكأن إقحام عبارة الحزب قائد الدولة والمجتمع على النص
الدستوري كافية لصناعة شرعية حزبية، بل حتى مرجعيتهم الحزبية هذه عقدت مصداقيتها
بمنع الحزب من الانعقاد خمسة عشر عامًا، ودعوته بعد ذلك لتأييد العهد الجديد بعد
إقصاء من أقصي، وتقرير ما تقرر،
ماذا
عن الشعب.. الأحزاب.. مختلف القوى السياسية.. الوضع الاقتصادي والأمني.. هل يمكن
اختزال تلك القضايا لتصبح عناصر جانبية إلى جانب عملية نقل السلطة؟!
وترقية من ترقَّى.. أما ذكر اختيار الشعب، فذاك أغرب من أن يحتاج إلى
التعليق عليه!..
هذه
الأمثلة تشير إلى أي مدى وصل الانحراف بأسلوب معالجة الوضع وبأي صورة يجري تحويله
إلى مسألة صراع شخصي أو حزبي أو عائلي أو حتى طائفي، علاوة على ما يدور من صراع
إعلامي، في صور حوارات مفتوحة حتى بات الأمر كله مقتصرًا على فريق يهاجم وآخر
يدافع عن رئيس رحل وآخر مقبل.
إن
مصير بلد وشعب لا يختزل في معادلة: من يرحل ومن يأتي، فالأصل هو البلد، الأصل هنا
سورية وأوضاعها ومستقبلها، ولا يتسع المجال لطرح سائر جوانب القضية، بدءً بنظام
الحكم وأوضاعه مرورًا بعلاقته مع الشعب وانتهاءً بتأثير الأوضاع السورية على
السياسات العربية والإقليمية والإسلامية عمومًا، ولكن يمكن التوقف عند مثالين
اثنين من خلال ما رفع من شعارات في الآونة الأخيرة للإشارة باختصار إلى المواطن
التي يتوجب التحرك على صعيدها، للعودة بسورية إلى حيث ينبغي أن تكون داخليًّا،
وعربيًّا، وإسلاميًّا، وهي شعارات ذات صياغة «مقبولة» في الأصل.
الاستقرار عبر الاستمرار...
ما وراء هذه المقولة؟
إن الاستقرار مطلب رئيس لا غنى عنه، ولكن الاستقرار هو استقرار «البلد
وشعبه» في عرف السياسة المعاصرة وموازين المصلحة العليا، وليس استقرار السلطة بأي
ثمن لا سيما إذا كان الثمن قتلًا وسجنًا ونفيًا وفقرًا وتخلفًا، لمختلف الفئات
والطبقات والاتجاهات، بدءً بمؤسسي حزب البعث مثل صلاح البيطار وميشيل عفلق،
وانتهاءً بشباب إسلامي لا يعرف عن مصيره شيء منذ أعوام.
كلمة الاستقرار تعني في الأعراف السياسية استقرار العلاقات بين السلطة
والشعب على أسس متوازنة وطيدة.
مصير البلاد لا يختزل فيمن يرحل ومن يأتي.. الأصل هو البلد.. وأوضاعه
ومستقبله.
تخدم السلطة الشعب بموجبها، وهذا ما يستحيل توفيره عبر انفراد أي حاكم
بالسلطة، ولا عبر وصاية أي حزب على شعب بكامله، ولا عبر ممارسات المخابرات
بأجهزتها المتعددة، ولا في ظل حكم الطوارئ أو دستور مفصل على مقاييس السلطة، وهو
قابل للتعديل السريع بتفصيل جديد على مقاس سلطة آتية، دستور لا يضمن شيئًا قدر ما
يضمن الصلاحيات المطلقة لرأس السلطة.
والمثال الثاني من عالم الشعارات ما يدور حول محور «مكافحة الفساد.. ولو
كان داخل العائلة» وبغض النظر عن أن للخلافات العائلية أسبابًا أخرى لا علاقة لها
بالفساد، وأن مكافحة الفساد تشمل على أرض الواقع فريقًا ولا تشمل آخر، ولكن تبقى
في حدود الظاهر المعلن من حملة مكافحة الفساد، ولا شك في أن العنوان صحيح، فمكافحة
الفساد مطلب رئيس لا غنى عنه في أي مجتمع، ولكن كيف تتحقق مكافحة الفساد بسبل
نزيهة، ونتائج مضمونة، وأن تكون شاملة دون استثناءات، وبما يسد أبواب الفساد
المستقبلية ما دام الفصل بين السلطات مفقودًا، فلا قضاء يعلو على السلطة
التنفيذية، ولا مراقبة حقيقية فعالة من جانب السلطة التشريعية، ولا ضمان لأحد من
الناس من ملاحقة مفاجئة مجهولة الأسباب ومجهولة النتائج، بل حتى الحزب الذي نصب
نفسه وصيًّا على الدولة وأهلها، حتى ابتكرت له في المصطلحات السياسية تعابير غريبة
من قبيل الشرعية الحزبية، والشرعية الثورية، وما شابه ذلك، حتى التعامل مع هذا
الحزب لا يقوم على أسس سليمة، فمن يكفل إذن عدم استخدام شعار «مكافحة الفساد»
سلاحًا للتخلص من المعارضين وغض الطرف عن الأنصار والمؤيدين؟!
قضية سورية -والأمر لا يقتصر على سورية فقط- قضية كليات كبرى بدءً بالمجال
الدستوري، مرورًا بقضية الحريات والحقوق وانتهاءً بالضمانات الكفيلة على أرض
التطبيقات الواقعية بأن يكون الشعار الصحيح متطابقًا مع الممارسات.. سورية بلد
عربي إسلامي رئيس في موقع جغرافي وتاريخي وسياسي يفرض التحذير من أخطار العبث
بمستقبلها السياسي تحت أي مبرر.
مستقبل سورية يحتاج إلى تغيير جذري شامل على أصعدة عدة، ولكن أول ما تحتاج
إليه أن تسمى الأشياء بأسمائها بغض النظر عن الاختلاف حولها وحول تقويمها، والظاهر
حتى الآن من مجرى التطورات في الآونة الأخيرة، أن مقولة مات الأسد... عاش الأسد..
لا تصف سوى عملية توزيع تركة عائلية، وليس عملية حكم حديث لدولة عربية وإسلامية
رئيسة، وشعب يعد بضعة عشر مليون إنسان.