العنوان مؤشرات حول الإرهاب الفكري
الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1975
مشاهدات 70
نشر في العدد 253
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 10-يونيو-1975
مؤشرات حول الإرهاب الفكري
إن أسوا ما تبتلى به أمة من الأمم أن يفرض عليها تفكيرها فرضًا وأن تساق إلى الآراء سوقًا، فلا يبقى لها من آدميتها حينئذ إلا صورتها، ولا يبقى للعقل ذلك الهدف الأسمى الذي من أجله خلق وبه تميز الإنسان عن سائر المخلوقات.
وللإرهاب الفكري جذور تاريخية قديمة تلمسها وتحسها لدى مطالعتك التاريخ الأمم الغابرة، فتحس وأنت تقرأ بالآسى والحزن والرثاء لتلك الأمم المنكوبة، وتكاد ترفع صوتك احتجاجًا لولا أن ما تقرؤه أصبح تاريخًا يقرأ لا واقعًا يمارس وحاضرًا يشاهد!
تحس بضغط هذا الإرهاب وهوله لدى الفراعنة، وقد مارسوه حتى استمرءوه وسكت عنه الشعب حتى أصبح عنده من الأمور المسلم بها المتفق عليها، لا يناقش فيه مناقش أبدًا، حتى قال فرعون لقومه: ما أريكم إلا ما أرى! بل وتجرأ على أن يقرر لهم وهم راضون: أنا ربكم الأعلى، وليس لكم من إله غيري!
وجاء موسى عليه السلام -ليرفع هذا الكابوس عن الأمة وليقرر أن هذا الإرهاب الفكري باطل، وليعطي الناس متنفسًا لينظروا إلى الأمور على حقيقتها لا كما يصورها ويريدها رعاة الإرهاب الفكري.
وعلى الرغم من أن الأديان السماوية جاءت في الأساس لتحارب الإرهاب الفكري وتقرر حرية الإنسان إلا أن أتباعها الذين قصروا في فهمها أو تطلعوا إلى الوصول إلى منزلة أولئك الذين حاربوا فيهم الإرهاب الفكري قد مارسوا هذا الإرهاب مجددًا وبطريقتهم الخاصة وحصروا أتباع الديانات في إطار واحد وفرضوا عليهم تصورًا واحدًا أوحاه لهم حبهم للسيطرة ورغبتهم في النفوذ، فحرفوا النصوص الإلهية حسب ما اقتضته خطتهم لهذه السيطرة ورغبتهم في هذا النفوذ، ولقد أصبحنا نرى اليهودية تمارس مع أتباعها أقسى أنواع الإرهاب الفكري، فتفرض عليهم تصورات جعلتهم أمام الأمم شعبًا قاسيًا فظًا متعطشًا لدماء الآخرين، وتأكد لديهم هذا الأمر عندما تطلعوا للسيطرة على العالم من خلال الارهاب الفكري فأصدروا تعاليمهم لأتباعهم في بروتوكولات تعتبر مصدرًا لكل من رغب أن يمارس الإرهاب الفكري المنظم، وبذلك تطورت الديانة اليهودية على أيدي أتباعها من ديانة جاءت لتحارب الإرهاب الفكري إلى مجموعة من التعاليم تنضح بأقسى وأسوأ نظام للإرهاب الفكري الذميم.
وجاءت المسيحية في الأصل لتصحح سير اليهودية وتقوم من انحرافها، ولكنها سرعان ما انزلقت إلى نفس الطريق ووقعت في شرك الإرهاب الفكري ومارسته على أتباعها بقسوة جعلت كثيرًا من رؤوسها تفرض على الغرب نهجًا من التفكير وطريقة في الحياة أغرقتهم في دياجير التخلف مئات السنين، ونستطيع أن نشير إلى صكوك الغفران وقوانين الحرمان ومحاكم التفتيش والحروب الصليبية كشواهد على ألوان مختلفة من الإرهاب الفكري الذي مارسته المسيحية المحرفة ضد أتباعها وضد الآخرين.
وقبيل بعثة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- كان الإرهاب الفكري في دولة الرومان قد وصل حدا لا مثيل له، فمارست المذاهب المسيحية ضد بعضها بعضًا صنوفًا من الإرهاب جعلت كثيرًا من أتباع المذاهب يفرون بمعتقداتهم إلى أعماق الصحارى هربًا من إخوانهم أتباع المذاهب المناهضة، وكان لا بد لهذا الإرهاب من رادع يوقفه وداعية بغيره، فجاء الإسلام ليقوم هذا الانحراف وليضع للبشرية الرسالة الخاتمة التي تقرر حرية الإنسان وترفع عن البشرية هذا السوط المسلط على فكرها ولنقول بصراحة -لا إكراه في الدين- ولتتبع القول بالعمل فتدع النصارى على دينهم واليهود كذلك، ويرفض الرسول عليه السلام طلب صحابي جليل يريد أن يكره أبناءه الذين تنصروا قبل الإسلام على أن يسلموا.
وينطلق المسلمون في عهد الراشدين ليحرروا الناس من الإرهاب الفكري الذي فرض عليهم لأجيال وأجيال فكان جوابهم لكل من سألهم عن هدف هذه الحروب التي يخوضونها بأنهم جاءوا ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وبعبارة أخرى جاؤوا ليحرروا الناس من الإرهاب الفكري المتسلط عليهم.
ويعيش الناس هذا النعيم، ويتمتعوا بهذه الحرية التي قررها لهم الدين الحنيف حتى إذا ما انحرف الناس عن الدين وأخطأوا فهمه، وصبوا إلى حياة من قبلهم من الأكاسرة والقياصرة، وتمثلوا طرائقهم في الحياة عاد سوط الإرهاب يلهب ظهورهم فخضعوا مرة أخرى لإرهاب فكري أليم.
ولعل التقدم الحضاري في شئون المادة في العصر الحديث كان سببًا في تقدم علم الإرهاب الفكري، أو كان معينًا له على تلوين طرائقه ومناهجه، فأخذنا نسمع ونلمس ونشاهد صنوفًا من هذا الإرهاب تبز كل ما كان من قبل، وما أظن هذا التلون يتوقف وكابوس هذا الإرهاب يرتفع إلا بعودة الإسلام بمعينه الصافي حاكمًا مهيمنًا مرة أخرى.
ولأن رغبة الغرب المسيحي، والشرق الشيوعي اجتمعت على السيطرة على العالم الإسلامي فقد تفنن الطرفان في ممارسة الإرهاب الفكري على أمتنا، وأبدعوا في ابتكاراتهم لوسائل هذا الإرهاب أكثر مما أبدعوا في التقدم المادي، بل سخروا هذا التقدم المادي لممارسة إرهاب فكري جعل أمتنا تنوء تحت وطأته، وتغيب في مجاهله فلا تدري أشر ما تفعله أم خير، بل انقلبت موازينها فحسبت شرًا ما هو خير وخيرًا ما هو شر مستطير.
ولقد كانت وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة - مسموعة ومرئية - وسيلة من وسائل الإرهاب الفكري الذي سلط على الأمم، ومن على منابرها أمطرت أمتنا بسموم قاتلة، وسهام نافذة فترنحت تحت وطأتها، وفقدت توازنها، وخسرت كثيرًا من مواقعها دون أن تشعر بجسامة ما فقدت، أو تحس بضخامة ما أضاعت!
ولما لهذه الوسائل من أهمية كبيرة أغدق عليها من يمارسون الإرهاب الفكري، ولم يبخلوا عليها بثمين، وهم البخلاء على شعوبهم بأبسط الأمور.
وعن طريقها فرض علينا أن نحترم أناسًا ليس أناسًا ليسوا جديرين بالاحترام، بل هم أولي بالاحتقار والاهمال، وأطلقوا على أعداء أمتنا الساعين في حرابها ألقابًا سامية، وأحاطوهم بهالة كبيرة، ودعاية واسعة، فهذا عميد الأدب، وهذا أستاذ الجيل، وذاك فنان الشعب، وهذه كوكب الشرق.. وكلها ألقاب حملت في طياتها إرهابًا فكريًا ذكيًّا.
ثم فرضوا علينا أن نقرأ ونسمع دائمًا أنباء من هم أدنى الناس قيمة، وحجبوا عنا أخبار عظماء الأمة وسادتها بل وفرضوا علينا أن نقرأ ونسمع عن أتفه الأمور عمن يسمونهم بالفنانين والفنانات، ثم حشدوا كل إمكاناتهم ليرسموا حول هؤلاء التافهين هالات المجد الزائف البراق تجعل أسمى أماني شبابنا وفتياتنا الوصول إلى ما وصل إليه هؤلاء من منازل، كل هذا لفوه بإطار من الإرهاب الفكري الذي يرتدي زي الدعوة إلى التقدم والتحضر!
ومارست هذه الوسائل الإعلامية إرهابًا أشد من هذا وأعتى، فصورت هزائم الأمة نصرًا، وفضائحها مجدًا وفخرًا حتى قبل الناس اليوم ما كانوا يرفضونه بالأمس، وحتى اعتبر الناس وطنية اليوم ما كانوا يعتبرونه خيانة بالأمس، فارتکست المقاييس وانتكست المعايير، وسقطت الأمة تحت رحمة هذا الإرهاب الكريه!
وأخذت هذه الوسائل على عاتقها أن تقف في وجه كل من حاول أن يوقظ الأمة ويخرجها من ظلمات هذا الإرهاب المقيت، فصورت أشراف الأمة الذين طالبوا بحريتها بصورة الخائن المارق، ونعتته بكل النعوت التي تبغضه إلى الناس، وفرضت على الناس لونًا من ألوان التفكير جعلهم في كثير من الأحيان يؤيدون هذا الإرهاب الفكري ويقابلونه بلا مبالاة في أحيان أخرى.
وكان لدور العلم دور فعال في فرض الإرهاب الفكري على الأمة، وقد مارس أعداؤنا عن طريق دور العلم التي فتحوها في ديارنا كالجامعة الأمريكية، واليسوعية، ودور العلم في ديارهم أحط أنواع الإرهاب الفكري، ثم طالعتنا جامعات في بلادنا بأسماء نعرفها وبأفكار ننكرها، وساهمت في فرض إرهاب فكري جعل خريجيها عبئًا ثقيلًا على أمتنا، وشرًا مفروضًا يصعب على الأمة مقاومته، أو منازعته.
واستخدمت الألقاب العلمية الرفيعة لممارسة إرهاب أشد وأنكى، فقد أحيطت هذه الألقاب العلمية بهالة من الاحترام جعل ما يصدر عن حامليها أمرًا مقبولًا مصدقًا دون نقاش، أو رد، ثم أخذنا نفاجأ بطلاب من أبنائنا يذهبون إلى الشرق والغرب، ثم يعودون إلينا بألقاب علمية رفيعة، وبأفكار هدامة وضيعة، فكأن من شروط هذه الألقاب أن يكون أصحابها من حملة هذه الأفكار، وتبين لنا بعدُ أن كثيرًا من حملة هذه الألقاب لم يحملوها إلا لأنهم تطوعوا، أو قبلوا أن يكونوا من حملة الأفكار المعادية لأمتهم المحطمة لأجيالها، فأغرتهم الألقاب والمناصب، فكانوا ضحية إرهاب فكري منظم مُورِسَ معهم في الشرق والغرب، ثم أُرسلوا ليمارسوه مع أمتهم في ديارها.
ولعل أسوء استغلال للعلم ودرجاته ما تكشف عنه النقاب مؤخرًا من أن بعض جامعات الشرق والغرب تعطي درجاتها العلمية الكبيرة دون استحقاق؛ بل وباستهانة واستهتار مزرٍ، يزري بها ويزري بالأمة التي ينطلي عليها، مثاله ما تحدثت عنه مجلة المصور القاهرية في عددها رقم ٢٦٣٦ صفحة ٢٠ بتاريخ ١٣٩٥/٤/٦ من أن - الدكتور - رفعت السيد - وهو عضو مجلس السلام العالمي الشيوعي - قد حصل على شهادة الدكتوراة من ألمانيا الشرقية في شهر واحد ودون أن يعرف كلمة واحدة من اللغة الألمانية، ثم عاد إلى بلده ليمارس ضد أمته إرهابًا فكريًا رسم له وخطط له أسياده خلال هذا الشهر الذي منح فيه شهادة الدكتوراة!
هذه اللمحات المختصرة لقضية الإرهاب الفكري ليست شاملة للأساليب والأنواع والرجال والنتائج، ولكنها مؤشرات يمكن أن تكون منطلقًا لدراسة أدق وأوسع ومعالجة أعم وأشمل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل