; مؤسسات العمران | مجلة المجتمع

العنوان مؤسسات العمران

الكاتب هشام جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1997

مشاهدات 62

نشر في العدد 1271

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 14-أكتوبر-1997

يقصد بمؤسسات العمران أو البنى الاجتماعية التراحمية، تلك المؤسسات التي أنتجتها الأمة في تفاعلها عبر الزمان والمكان مستهدفة تحقيق ذاتها ومثاليتها ويقع العمران وما يرتبط به وتأسس عليه من استخلاف في القلب من هذه الذاتية وتلك المثالية، ولا ترتبط هذه التكوينات أو البني بالعمران باعتباره المقصد من نشأتها واستمرارها فقط وإنما أيضًا من جهة أن هذه التكوينات ترتبط بالبشر والناس لا بالسلطة، فالبشر هم الذين أسسوها، ورعوها، وارتضوا طواعية أن يلتزموا بأعرافها وتقاليدها بعبارة أخرى هذه البنى ترتبط بالاجتماع الإنساني التطوعي لا القسري، ومن ثم فهي قائمة على الاقتناع لا القسر.

البنى الاجتماعية التي أنتجتها أمة الإسلام، قامت بتهميش السلطة أو الدولة، فهذه التكوينات تمتعت بقدر كبير من الخصوصية والاستقلالية بما يسمح لها بالاستقلال عن مؤسسات الدولة أو السلطة المركزية، بل والاستغناء عنها ولعبت هذه التكوينات دورًا سياسيًا بارزًا وكبيرًا في كثير من الأحيان، فهذه المؤسسات هي التي حمت الأفراد من عسف السلطة المركزية، كما استخدمت بما تملكه من عناصر وجود تعبئة وتجييش في مقاومة موجات الغزو الخارجي. 

هذه المؤسسات في حقيقة الأمر تعبير عن فاعلية الأمة وحيوية أفرادها، وما يجب التأكيد عليه في هذا الصدد أن هذه المؤسسات لم تقم متعارضة إزاء مؤسسات السلطة المركزية أو الدولة، بل كانت تقوم ببعض إن لم يكن بالكثير من الوظائف التي تعترف بها للدولة الحديثة.

وكان أبرز وظيفة قامت بها هذه البني هو حفظ تماسك الأمة بتكويناتها الفرعية على المستويين المادي والمعنوي التماسك المادي معلوم. أما التماسك المعنوي، فتلك الصيغ والأشكال التي ابتدعتها هذه البنى في تحقيق الضبط الاجتماعي داخل تكوينها التراحمي عبر استمرار وتوارث الأعراف والتقاليد والقيم الأساسية والحفاظ عليها «تقاليد في العلاقات بين أفرادها وبقية أفراد الأمة، وتقاليد إنتاج وتقاليد تكافل».

وهكذا نشأت علاقة متميزة بين هذه التكوينات وبين السلطة، فهي علاقة ذات شقين أو شعبتين هي تعبير عن استقلال الأمة وقوتها إزاء السلطة، ولكنها في الوقت نفسه لا تعمل مستقلة أو منفصلة عنها، بل في تضافر وتكافل حقيقي معها.

هذه البنى الاجتماعية التراحمية التي تعد بمثابة جماعات فرعية داخل إطار أشمل لا يمكن فهمها، إلا في ظل وعير الإطار الأشمل الذي هو «الأمة» التي تعترف بتعدد دوائر الانتماء الفرعي داخلها، ولكن في ظل ولاء واحد يتحقق من وجود اتفاق حول قيم عليا مشتركة تتحقق عناصر عدة منها: 

القبلة الواحدة والرب الواحد والقرآن الواحد، أي عبر عناصر ومكونات المرجعية العليا للجماعة.

ما نحب أن نؤكد عليه هو أن الخبرة الحضارية العربية الإسلامية اعترفت بتعدد وتداخل دوائر الانتماء للجماعات والأفراد، ولكن دون تعارض أو تناقض بينها، لأنه يتم في إطار من الوحدة، وهذا مرده في حقيقة الأمر، مفهوم الأمة التي تفترض أن الذات محددة الهوية وعلى استعداد لقبول الآخر بأي شكل من الأشكال، وإذا حاولنا أن نحصي المؤسسات والبنى التي انتجتهاز الخبرة الحضارية العربية والإسلامية لأعيانا الحصر، ولكن يمكن الإشارة إلى أبرزها وهي: الجماعات أو التكوينات القرابية «الأسرة - القبيلة». 

وهي التي تكون القرابة أو المصاهرة أساس التماس والتراحم فيها، ومن هذه المؤسسات الأوقاف والحارة ونقابات الحرف وتنظيمات الملل أو تلك التي يطلق عليها الأقليات الآن.... إلخ هذه المؤسسات.

وهذه البنى كان منها الموروث عن فترة الجاهلية أي ما قبل الإسلام وكان منها ما استحدثته أمة الإسلام، كما كان منها أيضًا ما أنشأه الإسلام ذاته «الوقف»، وقد تعامل الإسلام ورسوله العظيم مع البنى القائمة في وقته بنوع من التحلية والتخلية، بمعنى أنه أبقى على كثير من المؤسسات والبني القائمة، بل أبقى عليها في وظائفها أيضًا، ولكنه أعطى لها مضمونًا جديدًا أو وظائف جديدة، وهذا التعامل لا يقتصر على البنى الاجتماعية فقط، بل شمل كل مظاهر الحياة الاجتماعية من قيم وتشريع... إلخ...

وتعامل الإسلام هذا، قد اختلف تمامًا عن تعامل الاستعمار، أقصد الاستخراب مع البنى المنعونة بالتقليدية في مجتمعاتنا النامية، حيث سعى من أول لحظة للقضاء على هذه البني واستبدل بها مؤسسات وينى جديدة لم تقم بكل الوظائف التي كانت تقوم بها بنى المجتمع الأصلية والأصيلة وبعد.. فإن هناك محاولات من المجتمعات الإسلامية الآن لاستئناف حضارة معطلة حضارة الإنسان المستخلف من الله في الأرض، بدلًا من حضارة سائدة تجعل من الإنسان سيد الكون، وفي إطار هذه المحاولات سعت أمة الإسلام لاستمرار التكوينات الاجتماعية التراحمية في الزمان والمكان وإن اختلفت الصيغ والأشكال، ولقد أنتجت هذه المؤسسات الجديدة للفرد والمجتمع رعاية اجتماعية وثقافية وصحية ودينية وخلقية أسهمت حتى الآن بدور كبير في حفظ تماسك المجتمع، وعدم اهتراء نسيجه في ظل جهود مستميتة لتفكيك وتفتيت هذا النسيج من قبل النظام الدولي المنعوت بالجديد، بغية التعامل معنا كذرات وأفراد ليسهل تنميطنا بعد ذلك في قوالب وشخصيات جاهزة في هذا السياق يمكن الحديث عن كثير من المؤسسات التي اتخذت شكلًا مؤسسيًا جديدًا «الجمعيات الخيرية، نظم الوقف الجديدة...». ولكنها استفادت من شبكة العلاقات الاجتماعية الموروثة بقيمها وتقاليدها ..

الرابط المختصر :