العنوان مؤسسات الضرار بين الماضي والحاضر
الكاتب أحمد الجدع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1979
مشاهدات 66
نشر في العدد 461
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 04-ديسمبر-1979
مؤسسات الضرار لا يقوم على بنائها إلا منافق حاقد
مؤسسات الضرار ظاهرها إسلامية وباطنها هدم للإسلام
يجب على المسلمين أن يتصرفوا بحزم مع كل مؤسسة تقام ضرارًا
لا بد لنا أن نلقي نظرة على مؤسسة الضرار الأولى في تاريخ الإسلام حتى تسهل المقارنة ويسهل التعرف على مؤسسات الضرار المعاصرة.
كان أبو عامر الراهب، والذي أطلق عليه المسلمون لقب الفاسق، رجلًا مطاعًا في يثرب قبل الإسلام، وذلك لأنه اطلع على الديانات السماوية السابقة على الإسلام، وتأله وتعبد تاركًا ما يعبده أهل يثرب من أصنام وأوثان ونصب، وكان يبشر قومه بالدين الجديد، فلما أرسل الله رسوله بالإسلام وهاجر إلى المدينة وأطاعه أهلها واتبعوه وأحبوه، حسده أبو عامر وناصبه العداء، وجمع حوله نفرًا ممن لم يشرح الله صدورهم للحق وأصروا على مناصرة الباطل جهارًا بالكفر الصراح أو سرًّا بالنفاق الجبان، ولما رأى هذا الفاسق أمر رسول الله ينمو ويزيد، وأمره هو يضمحل ويبيد رحل إلى قيصر الروم في وفد من أنصاره تاركًا بعض أتباعه يكيدون للإسلام، وينتظرون عودته بجيش من الروم للقضاء على الإسلام والمسلمين.
• واستخدم هؤلاء المنافقون كل الوسائل في حرب الإسلام، فأخذوا في تخذيل الناس عن نصرة الإسلام وراحوا يجهدون في صد الناس عن الدخول في هذا الدين العظيم وعملوا على نشر الشائعات التي تضر بالإسلام وأهله، ونشطوا في حض اليهود على إيقاع الأذى بالمسلمين، واستماتوا في الدفاع عن مواقفهم المعادية لله ورسوله، وجادلوا الرسول في أمرهم مرة ومرة ثم حثوا المشركين والقبائل على الجمع للمسلمين وغزوهم، ولم يدعوا طريقًا لحرب المسلمين إلا سلكوه، ولم يتركوا وسيلة لهدم الإسلام إلا اتبعوها، والحديث عن طرقهم وأساليبهم ووسائلهم في هذه الحرب يحتاج إلى مزيد من الدراسة وإلى طويل من الوقت، وإلى دقة في النظر والتحليل.
• ومن بين الوسائل التي سلكها هؤلاء المنافقون من أتباع أبي عامر الفاسق بناؤهم لمسجد سماه القرآن الكريم مسجد الضرار، وفصل القول فيه حتى يعرفه المسلمون ولا يخدعوا به وبما يمكن أن ينشئه المنافقون مستقبلًا ضرارًا بالدعوة الإسلامية وأهلها.
قال الله تعالى في محكم كتابه:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 107-110).
وأول ما يجب أن نلحظه في هذه الآيات الكريمة أنها تحدثت عن أولئك الذين بنوا مسجد الضرار بالعطف على الحديث السابق الذي تحدثت فيه الآيات الكريمة عن المنافقين، أي أن مؤسسات الضرار لا يقوم على بنائها إلا منافق حاقد على الإسلام وأهله.
هذه المؤسسات:
ومؤسسات الضرار هذه كما نفهم من الآيات الكريمة مؤسسات في ظاهرها إسلامية لا غبار عليها، وليس هناك من مؤسسة تحمل الطابع الإسلامي المحض كالمسجد، ولكن المنافقين يريدون أن يعملوا على هدم الإسلام بالتستر تحت هذه المؤسسات، فالباعث على بناء مسجد الضرار كما هو واضح في الآيات الكريمة، أربعة أمور، هي في الوقت نفسه الباعث على إنشاء كل مؤسسات الضرار التي أنشئت على مر العصور، وهذه الأمور الأربعة هي:
أولًا- إيقاع الضرر بالمسلمين، وهو قصد عام، فأي ضرر يقع بالمسلمين نتيجة هذا النشاط يسر الأعداء ويفرحهم.
ثانيًا- الكفر بالإسلام، والمباهاة لأهل الإسلام، إذ إنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق.
ثالثًا- التفريق بين المسلمين، لأنهم ببنائهم لهذه المؤسسة أرادوا أن يستميلوا عددًا من المسلمين إلى جماعتهم، فيعملون بذلك على إبعادهم عن جماعة المسلمين ثم التأثير عليهم.
رابعًا- الإرصاد لمن حارب الله ورسوله، أي أن هذه المؤسسة وأمثالها ستكون وكرًا لأعداء الإسلام يجتمعون فيه ويحيكون فيه مؤامراتهم على الدين وأهله.
ومن صفات القائمين على مؤسسات الضرار أنهم يعلنون في كل مناسبة ويصرحون في كل موقف بأنهم لا يريد بمؤسساتهم إلا خدمة الإسلام والمسلمين، وأنهم يسعون إلى الحسنى ويحاولون الإصلاح.
هذه المؤسسات خطر داهم على الإسلام، وشر مستطير يجب محاربته بلا هوادة، لذا فقد وجهنا الله إلى الموقف الذي يجب أن نقفه من هذه المؤسسات:
فقد نهت الآيات الكريمة عن المشاركة في مثل هذه المؤسسات، وحظرت على المسلمين الانتساب إليها وتكثير أعدادها.
مواجهة هذه المؤسسات:
ومقاومة لهذه المؤسسات يجب على المسلمين أن يدعموا المؤسسات التي قامت في الأصل لخدمة الإسلام والمسلمين وكان القائمون على إنشائها يبتغون من ربهم الرضوان والرحمة.
ثم بين لنا القرآن الكريم حقيقة هذه المؤسسات، فهي بالرغم مما تبدو عليه من قوة وما يرى عليها من بهاء إلا أنها في الحقيقة غثاء لا نفع فيه وهباء لا يقف لريح، فما أن تجد المقاومين حتى تنهار وتزول فكأنها على شفا جرف هار.
وأخيرًا فإن الله تعالى حكم على القائمين عليها بالنفاق المؤدي إلى الكفر الذي يسحب صاحبه إلى النار.
ويجب على المسلمين أن يتصرفوا بحزم مع كل مؤسسة تقام ضرارًا بالمسلمين، كما فعل الرسول- صلى الله عليه وسلم- بمسجد الضرار إذ أرسل جماعة من الصحابة وأمرهم بأن يهدموه ويحرقوه على أصحابه، أي أن مثل هذه المؤسسة يجب أن تجتث من أصولها لأنها إن تركت كان لها تأثير وخيم على جماعة المسلمين.
وقبل الحديث عن مؤسسات الضرار المعاصرة نود أن نؤكد أن هناك فرقًا بين المؤسسات المعادية للإسلام في أصل بنائها وإنشائها، والتي لا يخفي أصحابها عداءهم وبغضهم وحقدهم، مثل مؤسسات التبشير التي تنتشر في العالم الإسلامي، وبين المؤسسات التي نطلق عليها مؤسسات الضرار وهي في الأصل مؤسسات يقوم على إنشائها جماعة من المنافقين الذين تستروا بالإسلام، والإسلام منهم براء، فالمؤسسات الأولى مؤسسات معادية تعلن عن عدائها وتسفر عن حقدها، فمن السهل على المسلمين أن يتقوا أذاها ويقاوموا شرورها ويبطلوا مكرها، أما مؤسسات الضرار فهي تختفي وراء مظاهر إسلامية وتنتشر تحت كلمات براقة كالإصلاح والدعوة إلى الحرية والإخاء والمساواة وما أشبه ذلك من دعاوي وهي في الحقيقة تحقن السم لتفرغه في الصف الإسلامي لتزعزعه وتخلخله وتهدمه إن استطاعت.
وإذا قامت في عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم- مؤسسة واحدة للضرار، فإن في عصرنا هذا مئات المؤسسات التي قامت للضرار بالإسلام والمسلمين نستعرض في مقالنا هذا نماذج منها.
الوجه العصري لمؤسسات ضرار:
• فمن مؤسسات الضرار في عصرنا هذا الأحزاب السياسية، فديننا الحنيف بين لنا أن الناس حزبان، حزب الله، وهو حزب الإسلام ودعاته، لأن الإسلام هو دين الله الحق الذي ارتضاه للعالمين ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3)، وحزب الشيطان، والشيطان عدو الإنسان، كل إنسان، ولكن الإنسان الذي يجهل حقيقة الإيمان ينحرف عن الطريق، وينساق وراء الضلال، ويدخل في حزب الشيطان، فكل إنسان لا يؤمن بالرسالة التي ارتضاها الله للعالمين فقد ضل ودخل في حزب الشيطان.
وغالبية الأحزاب السياسية المعاصرة مؤسسات للضرار بالإسلام وأهله، وقد اتبعت هذه الأحزاب سياسة المنافقين الذين أسسوا أول مؤسسات الضرار في عهد الرسول والمتتبع لصفات مؤسسة الضرار الأولى كما أوردها القرآن الكريم يستطيع أن يراها واضحة كالشمس في برامج وأهداف وسياسات الأحزاب المعاصرة، فهذه الأحزاب تدعي أنها ما قامت إلا بهدف الإصلاح، وأن مناهجها لا تتعارض مع الإسلام، وأنها تحترم مبادئ الدين، وذرت الرماد في عيون الغافلين من المسلمين عندما وضعت عبارات مطاطة توهم بها أنها لا تعادي الإسلام، وهي في الحقيقة ما قامت إلا لهدم الدين بطرح برامج وسياسات تخالف الإسلام وتنقض عراه، واستطاعت هذه الأحزاب أن تفرق بين المسلمين وتثير بينهم العداوة والبغضاء، واستطاعت أيضًا أن تمهد لأعداء الإسلام في بلاد الإسلام، فكانت هذه الأحزاب أوكارًا للتآمر على المسلمين وعقائدهم وأوطانهم، ثم كانت بعد حربًا على دعاة الإسلام المخلصين، فنكلت بهم عندما أتيحت لها الفرصة للحكم المباشر، وحرضت عليهم سرًّا وجهرًا كتبها وخطبها وصحفها.
والمسلم الواعي يستطيع أن يكتشف هذه المؤسسات، ويستطيع أن يرى بعينه البصيرة علامات النفاق والحقد في برامجها وفي تصرفاتها.
• ووسائل الإعلام في البلاد الإسلامية، أو قل معظمها إذا استثنينا عددًا ضئيلًا من الصحف الإسلامية، مؤسسات للضرار بالإسلام، فوسائل الإعلام هذه أنشأها المستعمرون في بلادنا وتسترت تحت مظلة من الأسماء الوهمية الإسلامية، فهي كلها تنتسب إلى البلاد الإسلامية، فهذه إذاعة دولة كذا العربية الإسلامية، وتلك صحف تصدر في عواصم الإسلام وتديرها أسماء إسلامية، ولكنها في الحقيقة تقوم بمهمات كلها ضرار بالإسلام والمسلمين، فهي تعمل ليل نهار على هدم الشخصية الإسلامية لأبناء المسلمين بنشر المرذول من العادات والأفكار، وهي تحارب الفكر الإسلامي بكل الوسائل ولسنا بحاجة إلى عناء وكد لندلل على ذلك، فهذه الوسائل تعمل جاهدة وبكل الطرق وفي جميع المناسبات على هدم الأسرة المسلمة، وذلك بالدعوة إلى تفسخ الأسرة بإشاعة المنكرات فيها بما ينشر ويذاع من قصص ومسلسلات وأفلام، وتعمل على التقليل من نسل الأسرة المسلمة وتنفق على ذلك الأموال الطائلة بإخراج حلقات وعقد ندوات وإجراء مقابلات وتحقيقات وهمية تحث على تقليل النسل وتزينه للأسرة المسلمة، وهي بهذا تعمل على أن يختل التوازن بين المسلمين وغيرهم فبينما لا نسمع في بلادنا الإسلامية إلا الدعوة إلى تقليل النسل نسمع في بلاد الأعداء دعوة ملحة لتكثير النسل فأي ضرار توقعه هذه الخطة في الصف الإسلامي وفي المجتمعات الإسلامية بدعوتها هذه، والهجوم على مبادئ الإسلام وقوانينه ومثله في القصص والمسلسلات والتمثيليات والمقالات؛ أمر لم يعد يحتاج إلى تقص وبحث، فهو يطالعنا صباح مساء في الإذاعات والتلفزة والصحف، والحط من شأن اللغة الغربية، لغة الإسلام وتصوير القائمين على تدريسها والملتزمين بالتحدث بها والمدافعين عن أصالتها وجماليتها، بصورة مزرية ومضحكة لا يخلو منه مسلسل أو حديث أو قصة، وتصل محاربة اللغة العربية إلى ذروتها بتأييد هذه الوسائل لاستعمال العامية، وبالعمل على إشاعتها حتى أصبحنا نستمع إلى أفلام ومسلسلات بالعامية ونقرأ صحفًا تستعمل العامية من الغلاف إلى الغلاف.
ترى، هل هناك ضرار أشد من هذا الضرار؟ وهل هناك سوء أكثر من هذا يمكن أن تطالعنا به وسائل الإعلام التي تصدر بأسماء عربية إسلامية في بلاد عربية إسلامية، من يدري فما كنا قبل عشرين سنة نصدق أن نسمع ونقرأ ما نسمعه ونقرؤه اليوم؟!
• وثالث المؤسسات التي تندرج تحت مؤسسات الضرار هذه الحكومات العسكرية التي تجيء إلى الحكم بانقلابات مدبرة، وهي تأتي دائمًا لتفريغ الشحنات الملتهبة في صدور الناس ضد ما يرونه في بلادهم من فساد في شتى مناحي الحياة وما يرونه من تقصير وخيانات نحو قضايا الأمة وأوطانها فتطالعنا هذه الانقلابات العسكرية بوعود براقة وأمان عريضة، فتدعي أنها ما جاءت إلا للقضاء على كل فساد، وما قامت إلا لتحرير البلاد وإعادة الأوطان ورد الاعتبار لعقيدة الأمة ودينها ...، ومع مضي الأيام لا يجد الناس من هذه الانقلابات إلا الشر المستطير والبلاء العظيم، فيزداد الفساد وتضيع أجزاء أخرى من الأوطان، ويرى الشعب من حكامه العسكريين ما يتمنون معه لو عاد الظلمة السابقون بظلمهم وظلامهم، فهم أخف وطأة وأقل سجونًا ومعتقلات!، ويرى الناس ما نقموه على السابقين من تعديات على عقيدة البلاد وقد اتسع فتقه وتفاقم أمره، فبينما كان من قبلهم يلجأون إلى علماء من المنافقين ليفتوهم فيما يفعلونه من تجاوزات أخلاقية وتعديات على عقائد الناس وتنكيل بالدعاة، أصبح هؤلاء الانقلابيون هم المفتون وهم العلماء في الدين وفي كل شيء من أمور الحياة، فأفتوا بالقرآن بغير علم حتى وصل بهم ضلالهم إلى انتقاد أحكام القرآن، وتطاولوا على سنة الله حتى انتهى الأمر ببعضهم إلى رفضها ومحاربتها، واستهانوا بدماء المسلمين حتى أراقوا منها آلافًا وآلافًا دون أن يقرعهم ضمير أو يؤنبهم خلق أو يردعهم خوف من الله، وأضاعوا أجزاء عزيزة من البلاد ودعوا الناس لأن يحمدوا الله على أن ضاعت أجزاء من التراب الذي لا قيمة له وبقي الحكام العسكريون على رأس البلاد سالمين غانمين قاهرين.
وأود هنا أن أشير إلى أن معظم الحكام العسكريين الذين حكموا بلاد الإسلام في هذا العصر مجهولة أنسابهم، غامضة حياتهم، مشبوهة أزواجهم، لا يجرؤ أحد أن ينادي بالتحقيق في هذا كله، إذ ربما وصلت نتائج التحقيق إلى معرفة أصول بعضهم وأنها ليست إسلامية ولا عربية، وربما تكشف أن لهم سيرة حياة لا يجوز أن تعرف ولا يليق أن يطلع عليها الناس، وربما تبين أن زوجات بعضهم ليست من الإسلام في شيء ولا تمت إلى أهل البلاد بصلة، فربما كانوا متزوجين من بهائيات أو يهوديات أو أجنبيات الدين والعقيدة والولاء، وقد صدق علماؤنا المخلصون عندما منعوا تولية الأمور لمجهولي النسب:
• فالمؤسسات العسكرية التي حكمت بلاد المسلمين من لدن «كمال أتاتورك» وحتى يومنا هذا كلها مؤسسات للضرار بالمسلمين وبدينهم، ويجب على المسلمين أن يرفضوا مثل هذه المؤسسات، وأن يتنادوا إلى تولية أمورهم لعلمائهم من المخلصين، فالعلماء المخلصون هم الضمانة الأكيدة لتحرير البلاد من غاصبيها وتحرير العباد من القهر والظلم والطغيان.
• والمثال الرابع لمؤسسات الضرار المعاصرة هذا النظام التعليمي الذي يسير على نموذج ممسوخ لنظام التعليم الغربي، وقد حرص الاستعمار الصليبي وهو يحتل بلادنا الإسلامية على إشاعة هذا النظام من التعليم، وأهم ما يميز هذا النظام أنه يسلخ الأمة عن تاريخها وعقيدتها وأصالتها ويربي فيها حب الغرب وعبقرية الغرب، وهو في نفس الوقت نظام لا يخرج علماء ولا يفرز رجالًا أفذاذًا، وقد تنبه لهذا البلاء كثير من العلماء المخلصين والرجال الغيورين، فرفعوا أصواتهم محذرين ونادوا باتباع نظام للتعليم يربي في أبنائنا العزة والأنفة، وينشئهم على استقلال الشخصية، ويبعث فيهم حب العقيدة الإسلامية والإخلاص لها والولاء لمبادئها. ومن أوائل من رفع صوته في التحذير من هذا السرطان المنتشر الشاعر الهندي الكبير أكبر حسين فقال بأسلوب أدبي موح: «يا لبلادة فرعون الذي لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكليات، وقد كان ذلك أسهل طريقة لقتل الأولاد! ولو فعل ذلك لم يلحقه العار وسوء الأحدوثة في التاريخ!» (1).
نعم إن التعليم المنتشر في البلاد الإسلامية بأسلوبه الغربي إنما هو في الواقع قتل معنوي لأبنائنا، وسلخ لهم عن عقيدتهم وأصالتهم. وربما كان القتل المعنوي أشد وأنكى من القتل الحقيقي.
هذا عن الأسلوب العام للتعليم، أما عن نظام الاختلاط القائم حاليًا بين الجنسين، وبخاصة في الكليات الجامعية، فهو نقض واضح وصريح لمبادئ الإسلام، ومخالفة واضحة وصارخة للعقيدة الإسلامية، وهو طريق مضمون لضياع الفتى والفتاة في متاهات الرذائل ودروب الفساد، وفيه أيضًا صرف لشبابنا عن التفكير بما ينفع الأمة ويرقى بها ويدفعها للأمام.
وقد لا يدري بعض الناس أن الجامعات في البلاد الإسلامية لا بد أن يكون من بين أمنائها ومستشاريها مندوبون عن المنظمات التي تخدم الأهداف الاستعمارية متخفية تحت راية الأمم المتحدة، وهؤلاء ليس لهم إلا مهمة واحدة هي فرض المناهج التي يؤدي تطبيقها إلى سلخ أبنائنا عن دينهم سلخًا.
يجب على المخلصين من أبناء الأمة وعلمائها ورجالاتها أن يتنادوا لوضع نظام للتعليم بكل مراحله ينبع من ذات الأمة ويحترم عقيدتها ويؤكد أصالتها وينمي في أبنائها روح الاعتزاز بكل ما هو إسلامي ويؤدي في النهاية إلى تخريج رجال من العلماء فعلًا لا اسمًا، يمارسون العلم لذاته ويسخرون العلم للبناء ويعملون على بعث نهضة شاملة في أمة تتطلع بعقيدتها أن تقود العالم إلى بر السلامة والأمان وإلى شاطئ العدل والمساواة.
• والمثال الخامس والأخير الذي نورده لمؤسسات الضرار هذه الطوائف التي ظهرت حديثًا في بلاد المسلمين، طوائف صنعها الاستعمار الصليبي على عينه، ورعاها بقلبه وعقله، وأظلها بحمايته، ليس لها من هدف إلا تحطيم هذا الدين الحنيف وزرع التفرقة بين أبنائه، وإشاعة الخلافات في صفوفه، من هذه الطوائف ما يسمى بالقاديانية والبهائية والبابية ... وهذه الطوائف أبقت على أسماء أتباعها إسلامية حتى يسهل عليها أن تخدع البسطاء والمغفلين من أبناء المسلمين وحتى تستطيع أن تتغلغل في صفوف المسلمين وتشارك في مؤسساتهم وجمعياتهم، ولقد نجحوا في بعض البلدان نجاحًا باهرًا، فقد استطاع رجل بهائي هو أمير عباس هويدا أن يستمر رئيسًا لوزراء إيران الشاه ثلاثة عشر عامًا، والبهائيون في إيران أقلية تافهة العدد لا يزيد أفرادها عن عشرة آلاف، واستمر رئيس جمهورية عربية يحكم ويرسم ويخطط لهدم الأمة أكثر من خمسة وعشرين عامًا وهو متزوج من امرأة بهائية، واستمر طوال هذه المدة يبعد امرأته النافذة في كل أمور الدولة عن الأضواء، ونجح في ذلك وقدمت زوجته خدمات جليلة لأعداء الأمة ولإسرائيل بوجه خاص، ومن المناسب أن نشير هنا إلى أن البهائيين من أشد الناس إخلاصًا لإسرائيل، وهم يتخذون من إسرائيل مركزًا لدعوتهم وكعبة لحجهم، ونقطة رئيسية لانطلاقهم، وفي إسرائيل دفنوا مؤسس فرقتهم الضالة.
هذه الكلمات التي قدمناها لا تزيد عن ملاحظات عابرة عن بعض مؤسسات الضرار المعاصرة، ولا يغتر المسلمون بما يجدونه من أسماء وعناوين إسلامية، فإن مجرد الاسم لا يمنح صاحبه صفة الإسلامية ولا يخوله حقًا في الإسلام، ولا يعني أنه موال لله ولرسوله وللمؤمنين، فالولاء للإسلام لا يكون إلا بالعمل الجاد من أجله وبالجهاد المستمر الذي لا يفتر في سبيله، وقديمًا أدرك هذه الحقيقة أحد الشعراء فقال:
طلع الدين مستغيثًا إلى الله، وقال العباد قد ظلموني
يتسمون بي، وحقك لا أعرف منهم شخصًا ولا يعرفوني
إنما أعرف التقي الخفي يسعى لرفعتي، ويقيني
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل