; مؤتمر كاراكاس بين أزمة النفط ومصالح المنتجين | مجلة المجتمع

العنوان مؤتمر كاراكاس بين أزمة النفط ومصالح المنتجين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يناير-1980

مشاهدات 70

نشر في العدد 464

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 08-يناير-1980

الزيادة في أسعار النفط الخام منذ عام ١٩٧٢ زيادة شكلية

النفط أرخص سلعة في العالم

سوق النفط يشكل ١٠ % فقط من سوق المبادلات التجارية في العالم

السؤال الذي يطرح نفسه مع انعقاد المؤتمر الخامس والخمسين لمنظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك»، الذي بدأ أعماله مساء اليوم السابع عشر من الشهر الجاري في مدينة كاراكاس هو: هل ينجح المؤتمر في الحفاظ على مصالح الدول المنتجة والمصدرة للنفط بتبني سياسة موحدة حيال أسعار النفط الخام، وتقنين الإنتاج أم ينتهي بغير قرار؟! وإذا لم يتوصل المؤتمر إلى قرار موحد، فهل يعني ذلك التخفيف من حدة أزمة النفط بالمفهوم الغربي؟!.

وللإجابة على هذا السؤال لا بد من تحديد ما أسميناه بأزمة النفط في المفهوم الغربي... إن أزمة النفط تعني ببساطة الخوف من نقص إمدادات النفط، وارتفاع أسعاره، ففي نهاية العام الماضي كانت مراكز البحوث والمعلومات في الدول المستهلكة للنفط تنشر بيانات عن وجود فائض من النفط في الأسواق العالمية، وأن زيادة العرض على الطلب لا تهدد باستقرار الأسعار وحسب وإنما بتخفيض هذه الأسعار على الرغم من أن النفط لا يزال من أرخص السلع في العالم.

ولكن الأمور لم تسر على هوى الدول المستهلكة، ذلك أن اشتعال الثورة الإيرانية مع مطلع هذا العام أدى في بعض الأوقات إلى وقف ضخ النفط نهائيًّا؛ مما أدى إلى نقص ملموس في العرض، وهذا بدوره أدى إلى ارتفاع الأسعار طبقًا لقانون العرض والطلب.

* زيادة محمومة في الأسعار

ولكن الأسعار لم ترتفع إلى الحد المعقول، الذي يقضي به قانون العرض والطلب، بل تعدى ذلك بحيث أخذ النفط الخام يباع فيما يسمى بالسوق الحرة بمعدل ۳۹- ٤٠ دولارًا للبرميل الواحد، وهذا ما أقلق الدول الغربية كثيرًا. والحقيقة التي يعرفها المطلعون كما يعرفها الغربيون أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار النفط لا تقع مسؤوليته على الدول المنتجة بل تقع أولًا وأخيًرا على عاتق الشركات النفطية العالمية وأغلبها أمريكية؛ حيث عمدت هذه الشركات إلى استغلال الوضع الجديد الناشئ بعد قيام الثورة الإيرانية بخفض إنتاجها من جهة، وإلغائها  لبعض العقود الطويلة الأجل لبيع النفط الخام، فأخذت هذه الشركات التي بثت دعايات مغرضة ومبالغ فيها في الدول المستهلكة من أن النفط أصبح شحيحًا في الأسواق العالمية، وبناء عليه أخذت هذه الدول في التسابق على شراء النفط، وازدهر بذلك ما سمي بالسوق الفورية، والسبب الذي حدا بالشركات النفطية لأن تسلك هذا الطريق هو جشعها وطمعها وأنانيتها، وللإيقاع بين الدول المستهلكة والدول المنتجة. والدليل على ذلك أن ما نشر من إحصائيات عن أرباح هذه الشركات خلال النصف الأول من هذا العام تشير إلى أن هذه الأرباح قد ارتفعت بمعدل ١٠٠٪ إلى ١٥٠٪ مقارنة بأرباح نفس الفترة من العام الماضي.

* حقيقــــــــــة الأزمـــــــــة

وإذا كان النقص في إمدادات النفط أو على الأصح الخوف من نقص إمدادات النفط وارتفاع أسعار النفط الخام هما عناصر رئيسية في أزمة النفط في المفهوم الغربي، فإن السبب الأساسي لقلق الغرب وإطلاق أبواق الدعاية المأجورة في محاصرة «أوبيك» إعلاميًا هو أن مقاليد الأمور أصبحت الآن بيد الدول المنتجة، وهذه بالنسبة للغرب أكبر مصيبة، فالمعروف أن الدول المستهلكة وعلى رأسها أمريكا كانت هي التي تتحكم في سوق النفط والأسعار قبل تبدل الأوضاع في إيران، وذلك عن طريق معالجة خفض الإنتاج في بلد معين كإيران أو رفع الأسعار من قبل بعض الدول المنتجة برفع معدل الإنتاج عن طريق شركاتها العاملة في بعض البلدان المنتجة كالسعودية مثلًا؛ مما يؤدي إلى الموازنة بين العرض والطلب، وبالتالي استقرار الأسعار، ولكن الدول المنتجة للنفط والراغبة في الحفاظ على ثرواتها النفطية لمدة أطول أخذ عددها يزداد، كما أخذ الوعي ينتشر في هذه البلدان لترشيد الإنفاق، والتخطيط الدقيق لعملية التنمية، وهذا ما يدفع هذه الدول إلى ضبط معدل الإنتاج، الذي بدوره سيؤدي بفعل قانون العرض والطلب إلى زيادة الأسعار.

ماذا تريد الدول المستهلكة؟!

إن الدول المستهلكة وخاصة أمريكا تريد بشكل أو بآخر أن تظل ممسكة بزمام الأمور النفطية لصالحها، والتصريحات الغربية بهذا الشأن كثيرة، وإذا كان عليها تحفظ لكونها تصريحات طابعها سياسي فهذا «شليسنجر» في حواره لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط «أوابيك» على شاشة التلفزيون الفرنسي قال بشيء من العنجهية أمام أمين عام المنظمة ووزير النفط الكويتي وثلاثة من خبراء النفط العالميين وذلك قبل انعقاد مؤتمر كاراكاس: «ما يحدث الآن يشكل حملًا ثقيلًا على ظهر الدول المتقدمة». وأضاف: «إلا أن التوازن القوي في منطقة الشرق الأوسط قد اختفى، وأن على «الولايات المتحدة» أن تزيد من حجم قوات الردع في تلك المنطقة؛ لتلافي أحداث أخرى «كإيران»، وإن كنت أعتقد أن ما حدث في إيران هو حالة منعزلة».

والخلاصة أن الدول المستهلكة تريد أن تحصل على النفط العربي خاصة بشكل مستمر، وبأسعار رخيصة تقل في معدلها عن معدل زيادة أسعار السلع الإنتاجية، التي تقوم بتصديرها إلى الدول المنتجة للنفط، وأن يلبي الإنتاج حاجات الاستهلاك.

* خلاصة وجهة نظر «أوبيك»

تقول الدول المنتجة للنفط: إن النفط هو العنصر الأساسي في اقتصادياتها وبما أنه قبل للنضوب، فإنه من حقها أن تستغله استغلالًا اقتصاديًا سليمًا، وذلك عن طريقين:

۱- تخطيط الإنتاج بحيث يبقى النفط لأطول مدة ممكنة.

۲- تحقيق الأسعار العادلة للنفط كسلعة استراتيجية، والمطالبة بأن يتحدد سعر النفط كأي سلعة اقتصادية طبقا لقانون العرض والطلب، فالدراسات الحديثة تشير إلى أن السعر الحالي للنفط ٢٣ دولارًا للبرميل إذا احتسبت بقيمة الدولار لعام ۱۹۷۲، فإن هذا السعر في الحقيقة يعادل فقط من ۷ إلى ۱۱ دولارًا، وهذا يعني أنه بفعل التضخم لم ترتفع أسعار النفط إلا ارتفاعًا شكليًّا، وإذا أضفنا إلى هذا حقيقة أن أسعار السلع الاستهلاكية والصناعية قد تضاعفت منذ بداية أزمة النفط عام ٧٢/٧٣، وأن سوق النفط الخام لا يشكل إلا ١٠% من سوق التبادلات التجارية في العالم، فإن من حق هذه الدول «أوبيك» أن ترفع من أسعار خامها؛ لتصل إلى السعر العادل، ومن ثم ترتفع باطراد بنسبة التضخم العالمي.

* المؤتمر بين نجاحين:

ونحن في هذا التحليل نرى أن المؤتمر في ضوء ما وصلنا من أخبار عن اتجاهات الرأي داخل المؤتمر، وما انتهى إليه من عدم توصل إلى اتفاق؛ بسبب أن بعض الأطراف مصرة على تثبيت الأسعار والمعدل الحالي للإنتاج غير الطبيعي، كما أن أطرافًا أخرى مصرة على زيادة الأسعار، وخفض الإنتاج، وأطرافًا أخرى بين بين نقول: إن النتيجة التي خرج بها المؤتمر بناء على هذه المعلومات لم تكن إيجابية ولا في صالح الدول المنتجة للنفط؛ حيث انتهى دون التوصل إلى قرار إيجابي موحد، وجعل لكل عضو الخيار في القرار الذي يتخذه، وبذا يكون المؤتمر قد نجح في التوصل إلى ما هو مطلوب من قبل الدول المستهلكة وخاصة الولايات المتحدة!!!.

على طريقة البدوي الذي يذبح ما عنده من خراف؛ لإكرام ضيفه، ولكن الضيف في هذه الحال حال الدول المنتجة للنفط هو ضيف عدو ثقيل وآثم، فهل من عادة العرب والمسلمين أن يفعلوا مثل هذا؟!، ذلكم هو السؤال.

الرابط المختصر :