العنوان مؤتمر «فتح» الخامس.. الضغوط الداخلية والخارجية
الكاتب محمود صالح
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1989
مشاهدات 59
نشر في العدد 930
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 29-أغسطس-1989
- الشعب الفلسطيني سيستمر
في إشعال الأرض نارًا تحت أقدام المحتلين الصهاينة
قدمت حركة التحرير الوطني الفلسطيني
«فتح» هدية لناطقها الرسمي والقائد العام لقوات الثورة الفلسطينية السيد ياسر
عرفات بمناسبة الذكرى الستين لميلاده، وذلك بانتخابه رئيسًا للحركة، وأمينًا عامًا
لمكتبها السياسي، غير أن هذه الهدية ما كانت سوى غطاء لاختلاف في وجهات النظر داخل
المؤتمر الخامس للحركة والذي عقد في تونس الخضراء في مطلع شهر أغسطس الحالي، حيث
أثبتت المصادر الصحفية أن أعضاء المؤتمر ابتعدوا عن خوض صراع سياسي مباشر مع رئيس
الحركة، ودخلوا معه في صراع غير مباشر من خلال التصدي لمستشاريه ومعاونيه، وبهذا
كانت «هدية الميلاد» حركة ذكية لمنافسي رئيس الحركة، تجنبوا من خلالها عناء الصراع
المباشر معه.
- قيادة «فتح» بين نارين
وقد واجه السيد ياسر عرفات رئيس
الحركة ضغوطًا مختلفة من الداخل والخارج، فكان في موقف لا يحسد عليه؛ ففي حين أن
الولايات المتحدة الأمريكية كانت تضغط عليه وبشدة من أجل عقد المؤتمر الخامس
للحركة، وتبني قرارات الجزائر- مبادرة السلام الفلسطينية- كما ذكرت ذلك صحيفة
السياسة المحلية في (29/ 7/ 1989)، واجه رئيس الحركة مطالبة أعضاء المؤثر بالتمسك
بالكفاح المسلح، وانتقادهم له في سيطرته على الشئون المالية والعسكرية، وتقديم
التنازلات غير المبررة «لإسرائيل»- كما قال فريد الخطيب في مجلة الحوادث بتاريخ
(18/ 8/ 1989)- وبالتالي كان هناك بعض الحيرة في البيان الختامي للمؤتمر، وقبل
الدخول في موضوع البيان الختامي نريد أن نلقي الضوء على الضغوط الداخلية في
المؤتمر.
-
الضغوط الداخلية
تعرض رئيس حركة «فتح» لبعض الانتقاد
غير المباشر كما أسلفنا، وقد تجلى هذا النقد في عدة مواضع في جلسات المؤتمر
الخامس- كما ذكرت الصحافة المحلية- مما ساهم في الضغط على قيادة الحركة وإحراجها
أمام الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الأمور التي حدثت في هذا الصعيد:
-
الخلاف حول
عدد أعضاء اللجنة المركزية، حيث كان رأي السيد ياسر عرفات أن يصبح عدد أعضاء
اللجنة المركزية «۱۸» عضوًا، يختار «۱۳» عضوًا منهم بالانتخاب وخمسة آخرين بالتعيين، غير أن الرجل الثاني في
«فتح» السيد صلاح خلف اقترح- معارضًا أبا عمار- أن يكون أعضاء اللجنة المركزية «۲۱» عضوًا ينتخبون
جميعًا ما عدا ثلاثة يختارون بالتعيين، ووفق الصحف المحلية فإن «عرفات» كان يريد
تعويم المعارضة داخل اللجنة المركزية بتعيين خمسة أعضاء، وقد حدث خلاف حول هذه
النقطة داخل المؤتمر مما جعل رئيس المؤتمر نبيل شعث يوقف النقاش ويرفع الجلسة في
الساعة العاشرة مساء يوم الثلاثاء (8/ 8/ 1989) على أن تبقى اللجنة المركزية على
وضعها السابق مكونة من عشرة أعضاء، غير أن المؤتمر دعي للاجتماع مرة أخرى بعد «4»
ساعات من نفس الليلة ليتفق على أن تكون اللجنة المركزية من «۲۱» عضوًا، وكانت هذه من
الجولات التي تفوقت فيها المعارضة- إن صح التعبير- على قيادة الحركة.
-
أما نقطة
الاختلاف الأخرى بين الطرفين فكانت عندما رفض المؤتمرون نزول اللجنة المركزية
السابقة في قائمة مستقلة وأصروا على الترشيح الفردي للجميع في انتخابات حرة
مباشرة، وبهذا فوتت الفرصة أمام قيادة الحركة لضمان فوز أعضاء اللجنة السابقة.
-
وخلال
مداخلات الأعضاء في جلسات المؤتمر وجه بعض الأعضاء نقدًا لسياسة رئيس الحركة
ومستشاريه، ومن هؤلاء رفيق النتشة «أبو شاكر» السفير الفلسطيني في السعودية الذي
انتقد «بسام أبو شريف» ووصفه بأنه يقود أعضاء الحركة كالقطيع في تصريحاته
السياسية، وجاء أبو ماهر- مسؤول دائرة التعبئة والتنظيم- ليحدد انتقاده وبشكل مركز
فيخاطب المؤتمر بصراحة عن الأخطاء التنظيمية وعدم وجود الترابط بين مفاصل الحركة،
ثم أكد على عدم الالتزام بقرارات الجزائر، التي تخطاها عرفات في خطابه أمام جلسة
الأمم المتحدة في جنيف، وفي تصريحاته في باريس التي اعتبر فيها الميثاق الوطني
الفلسطيني قد أصبح باليًا وعفا عليه الزمن.. وأضاف أنه يجب التمسك بالكفاح المسلح (نقلًا
عن صحيفة السياسة- 17/ 8/ 1989).
-
ثم جاءت
انتخابات اللجنة المركزية، فكانت ثالثة الأثافي، حيث انتخب المؤتمر شخصيات عسكرية
لا تحظى برضى رئيس الحركة مثل «عباس زكي» و«محمد جهاد» في حين أسقطت «أبو المعتصم-
العقيد أحمد عفاني»- المسؤول من الميليشيا الفلسطينية في الأردن- الذي دعم رئيس
الحركة بكل قوة وراهن على وصوله للجنة المركزية.. كما أن المؤتمر وإن كان قد فشل
في فتح ملف الإصلاح الداخلي أثناء المداولات، إلا أنه استطاع من خلال الانتخابات
أن يحقق بعض أهداف الإصلاح من خلال استبعاد بعض الشخصيات المقربة من قيادة الحركة،
وكانت تحظى بالصلاحيات والمناصب والامتيازات، وكان من مفاجآت المؤتمر عدم وصول
مستشاري عرفات للجنة المركزية مثل «نبيل شعث، أحمد عبدالرحمن، نبيل عمرو» كما أن
بعض الشخصيات المقربة منه لم تنجح أيضًا مثل «عبدالله الإفرنجي، الحاج مطلق، منذر
الدجاني، فؤاد البيطار، الحاج إسماعيل» ولهذا بقي منصب نائب القائد العام شاغرًا
رغم وجود متطلعين لهذا المنصب ليمسك جميع الخيوط في يده ويحكم قبضته على مقاليد
الأمور.
وزاد الطين بلة، التشكيل الجديد للجنة المركزية، الذي
أضاف تكتلًا ثالثًا فيها مكونًا من «عباس زكي» و«محمد جهاد» ويقترب منهما «صخر
حبش»، إضافة للتكتلين التقليديين بزعامة رئيس الحركة من جهة و«أبو إياد، أبو
اللطف» من جهة أخرى، وهذا يضعف موقف التكتل الأول، كما ذكر ذلك شاكر الجوهري في
جريدة السياسة بتاريخ 17/8/1989.
- الضغوط الخارجية
أما الضغوط
الخارجية فتمثلت في موقف الولايات المتحدة قبل وبعد المؤتمر، حيث طلبت إدارة «بوش»
من ياسر عرفات أن يعقد مؤتمرًا خاصًا بحركة «فتح» ليتبنى قرارات المجلس الوطني
الفلسطيني- التاسع عشر- الذي عقد في الجزائر «نوفمبر ۱۹۸۸» والمبادرة الفلسطينية
في شهر ديسمبر ۱۹۸۸، أمام جلسة هيئة الأمم المتحدة في «جنيف»- وقد شرح ذلك الزميل عبد
العزيز العمري في العدد رقم «۹۲۸»-
أما بعد المؤتمر، فقد احتجت الإدارة الأمريكية على أسلوب
البيان الختامي للمؤتمر، وبعض التعبيرات التقليدية الثورية التي اشتمل عليها نص
البيان، وخاصة تأكيد البيان على حق الشعب الفلسطيني في ممارسة كافة أشكال النضال
السياسي والعسكري لاسترداد حقوقه وتحرير أرضه، كما انتقدت الخارجية الأمريكية
تجاهل البيان لمبادرة السلام الفلسطينية التي أعلنها رئيس «م. ت. ف» أمام الأمم
المتحدة في جنيف- العام الماضي- وحول هذا الموضوع صرحت السيدة مارغريت توتويلر-
المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية- مطمئنة بأن الحوار بين الولايات المتحدة والمنظمة
سيستمر، وأن المسئولين الأمريكيين سيحاولون أن يحددوا خلال المحادثات «ما إذا كانت
المنظمة لا تزال ملتزمة بتعهدات ديسمبر الماضي، كما حددها السيد عرفات» (جريدة
الأنباء- 12/ 8/ 1989).
وهذا ما دفع السيد
بسام أبو شريف- المستشار السياسي لرئيس حركة «فتح»- للتأكيد على تمسك المنظمة
ببرنامجها الداعي إلى تسوية سياسية على أساس إقامة دولتين في فلسطين؛ دولة فلسطين
و(إسرائيل) «وكالة فرانس برس- 12/ 8/ 89.
واستمر الضغط
الأمريكي من خلال جولة «الحوار الرابعة» حيث طلبت من المنظمة قبول «خطة شامير».
- تعديل بيان «فتح»
أمام الضغوط
السابقة اضطرت اللجنة المركزية إلى تعديل صيغة بيان المؤتمر الخامس لحركة «فتح»
آخذة بعين الاعتبار ملاحظات الإدارة الأمريكية على هذا البيان، وقد حددت صحيفة
الأنباء (12/ 8/ 1989) هذه التعديلات فيما يلي:
- جدد البيان
الرسمي تمسكه بمبادرة السلام الفلسطينية التي أقرها المجلس الوطني الفلسطيني في
الجزائر، مشيرًا إلى إعلان رئيس المنظمة عنها في الأمم المتحدة بجنيف، وهو ما لم
يتطرق إليه البيان في صيغته الأولى.
- شجب البيان في صيغته النهائية كافة أشكال الإرهاب وخاصة إرهاب الدولة
في حين أن الصيغة الأولى خلت من أي إشارة إلى هذه المسألة.
- كما خلت صيغة
البيان السياسي الختامي من أي إشارة إلى خصوصية العلاقة مع الأردن خلافًا للصيغة
الأولى التي أكدت خصوصية تلك العلاقة، وصولًا إلى «كونفدرالية» بين دولتين
فلسطينية وأردنية.
ولم تشأ اللجنة
المركزية أن تصطدم برغبات المؤتمر الخامس فلم تمس نقاط النقد الأخرى وخاصة تلك
المتعلقة بالعمل العسكري، فبقي البيان الختامي معرضًا للانتقاد من داخل وخارج
الحركة، حيث إن دواعي النقد له من كلا الطرفين ما زالت موجودة، ففقدت اللجنة
المركزية ما كانت تصبو إليه لإرضاء الجميع والإمساك بالعصا من الوسط ونسيت «أن
إرضاء الناس غاية لا تدرك».
- الانتفاضة نقطة الالتقاء
برزت الانتفاضة
المباركة في فلسطين المحتلة- من خلال هذا المؤتمر- بأنها نقطة الالتقاء الوحيدة
والمقبولة لأبناء الشعب الفلسطيني؛ ففي حين أن حركة المقاومة الإسلامية «حماس»
طالبت أعضاء المؤتمر في رسالة خاصة، أن يرفضوا الحلول السلمية ويدينوا الاحتلال
والتجزئة للأراضي الفلسطينية ويرفعوا لواء الجهاد والمواجهة، وأعلنت أنها ماضية في
هذا السبيل وأن الشعب مستعد لتقديم التضحيات وانتفاضته المباركة خير دليل على ذلك،
جاء بيان المؤتمر الخامس لحركة «فتح» مؤكدًا على «تصعيد الانتفاضة الشعبية الهادفة
إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني».. وبهذا فإن نقطة التقاء الحركتين تتركز
في هذه الانتفاضة، التي يشترط رئيس حكومة العدو إسحاق شامير توقفها كشرط في خطته
السلمية المعروفة «بالانتخابات».. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تتمكن الانتفاضة
المباركة من تقريب وجهات النظر بين «حماس» و«فتح» فتصبحان جسدًا واحدًا يتصدى
للعدو الصهيوني؟! هذا ما ستجيب عنه الأيام، غير أن أعضاء «فتح» لهم دور واضح في
ذلك من خلال إيقاف «هجمة السلام» المعروفة، والاهتمام بالكفاح المسلح بدل إضاعة
الجهد والوقت ودماء الشهداء في دهاليز السياسة وعلى موائد المفاوضات!
وحتى تتمكن «فتح» من
العودة لأصالتها «الثورية» العسكرية واستراتيجيتها وأهدافها الواضحة، فإن الشعب
الفلسطيني سيستمر في إشعال الأرض نارًا تحت أقدام المحتلين الصهاينة، وستبقى
«حماس» هي الاسم الأكثر جاذبية لهذا الشعب الذي يجب أن يرى قادته دائمًا- بملابس
الميدان- حتى تحرير فلسطين، كل فلسطين لتعود حرة عربية إسلامية.. ﴿وَمَا ذَٰلِكَ
عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (إبراهيم: 20).