; مؤتمر المحامين الباكستانيين خطوة جادة نحو تحمل المحامين مسؤولياتهم | مجلة المجتمع

العنوان مؤتمر المحامين الباكستانيين خطوة جادة نحو تحمل المحامين مسؤولياتهم

الكاتب طفيل محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1976

مشاهدات 0

نشر في العدد 306

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 22-يونيو-1976

مؤتمر المحامين الباكستانيين

خطوة جادة نحو تحمل المحامين مسؤولياتهم

الحلقة الثالثة:

والآن جاء دور الأستاذ طفيل محمد أمير الجماعة الإسلامية وكان ضيف الشرف في هذه الجلسة، وإليكم النص الكامل لخطاب الأستاذ طفيل محمد:

كلمة الأستاذ طفيل محمد أمير الجماعة الإسلامية بباكستان:

إن الأمور التي أحب أن ألفت إليها أنظار الإخوة المشاركين لهذا المؤتمر هي:

الأمر الأول: إن بعض الأفاضل أبدوا اختلافهم مع بعض الأفكار والمحاضرات التي ألقيت في المؤتمر، ويجب أن يكون واضحًا لدى الجميع أن كل رجل شارك هذا المؤتمر له الحرية التامة في إبداء رأيه، ولكن آراء المؤتمر ومواقفه هي ما تتضمنه قراراته التي صدرت أو تصدر، وما عدا ذلك أفكار شخصية يحق لكل رجل أن يتفق معها أو يختلف عنها.

الأمر الثاني: صدر قبل أيام قرار من المحكمة العليا بلاهور رفضت فيه المحكمة العريضة التي قدمت إليها لتطبيق القوانين الإسلامية في باكستان وقيل في الرفض: إن دستور باكستان إسلامي وإن القوانين الإسلامية هي رائجة فعلًا في باكستان، «هذا قرار لا بد من أن يبدي عليه استغرابه كل شخص مطلع على الأوضاع، في داخل باكستان أو خارجها، إن جميع الناس يعرفون أن دولة باكستان على رغم أن مضى على تأسيسها تسعة وعشرون عامًا يطبق فيه نفس النظام القانوني الذي كان مطبقًا في هذه البلاد أيام عبوديتنا للإنكليز، وبدلًا من أن تتحسن الأوضاع في تلك الفترة الطويلة نرى أن المنكرات كالخمور والقمار والربا لم تزدهر فحسب، بل تفاقم شرها واستفحل أمرها في ظل هذا النظام ورعايته، وبدلًا من أن تجعل الشريعة الإسلامية قانونًا للدولة بدلت أحكام الشريعة في الطلاق والنكاح والإرث التي لم يستطع الاستعمار الإنكليزي أن يمسها طيلة حكمه الغاشم حوالي مائتي سنة، وهذا على رغم أن دستور باكستان ينص على أن باكستان جمهورية إسلامية، وتدخل هذه الأيام على الدستور التعديلات المتعاقبة لمسح مواده الإسلامية، فما أفحش خطأ القائل بأن باكستان تعيش في قانون إسلامي، بينما المواقع كما ذكرت!

الأمر الثالث: كلما تنشط في باكستان الدعوة إلى تطبيق القانون الإسلامي ينهض جماعة من المثقفين ثقافة عصرية الذين بهرت عيونهم نظريات الغرب وفلسفتها ويطرحون التساؤل: هل يطبق القانون الذي تقادم عليه العهد، ويرجع تاريخه إلى ألف وأربعمائة عام، في هذا المجتمع المتحضر المتقدم من مجتمعات القرن العشرين؟ كان المبرر الوحيد لرفض أمر أو مبدأ أو قانون في أعينهم هو كونه قديم العهد، مهما كان سليمًا وصحيحًا وبرهنت التجارب، على سلامته وصحته، مع أنه لم تكن في العالم حقيقة أو أمر محكم ألا وهو قديم عريق في القدم، فالحق، والصدق والأمانة والعدل، وحب الإنسانية، والمواساة، وخشيه الله، والتقوى، والإحسان، والمروءة، والإخوة، وما إلى ذلك من الصفات المستحسنة، قديمة ومعروفة عند الإنسان القديم، فهل يجوز تركها والتخلي عنها بحجة أنها من أساطير الأولين، إن هذه الصفات لا يرجع عهدها إلى ألف وأربعمائة عام فحسب، بل أخذ بها فكرة ومنهاج كل مجتمع صالح قام في الدنيا حتى قبل آلاف مؤلفة من السنين، كما أن كل شيء في العالم يتبع قانون الفطرة، كذلك ليس للإنسان من قانون يكفل سعادته وصلاحه وتقدمه إلا قانون يتلاءم مع فطرته، فالقانون الذي يتلاءم مع الفطرة فأي محاولة لتغييره يسبب الفساد والفوضى ولا يؤدي إلى خير وسعادة وصلاح ورقي، وقانون الإسلام من وضع الله- عز وجل: خالق الإنسان وفاطر السموات والأرض وما بينهما فكما أن الأمر لا يحتاج إلى تغيير أو إصلاح في قانون الطبيعة

الذي قرر لكل من الريح والماء والحر والنور، ولكل ذرة في السماوات والأرض، لأن كل شيء في العالم لا تتغير فطرته التي فطره الله عليها ولن تتغير إلى أن تقوم الساعة، كذلك لا تتغير فطرة الإنسان أيضًا إلى أن ينتهي هذا العالم وتقوم الساعة، والقوانين والمبادئ التي قررها الله- عز وجل- لتنظيم الحياة البشرية وتقويمها، ثم جعلها محفوظة في كتابه وتعاليم رسوله فكل محاولة تبذل في تبديلها وتحويرها لا تصلح شأنا من شؤون الحياة بل تثير فسادًا ودمارًا في المجتمع، أما المبادئ والقواعد التي يحتاج الإنسان إلى تغييرها وتطويرها بتغير أسباب التمدن فإن الله- عز وجل- نفسه جعلها مفتوحة الأبواب، وقررها من باب المباحات، وعلى هذا، كل شخص أو شعب يريد أن يجعل نظام حياته منسجمًا مع الحق والحقائق التي يقوم عليها الكون ويريد أن يطهره من الظلم والاستغلال ومن كل نوع من أنواع الجور لا مناص له من أن يعود إلى قانون الله- عز وجل، والذين يتهمونه بالرجعية يجب أن يعرفوا أن الله- عز وجل- نفسه أزلي أبدي، وسننه التي يسير وفقها هذا الكون كذلك قديمة، وسر فلاح البشر يكمن في هذه الرجعية، لأن الفساد الذي يحيط بالحياة البشرية مرجعة الحقيقي عدول الإنسان عن قانون الله- عز وجل- وانصرافه من مقتضيات الفطرة التي فطره الله عليها.

الأمر الرابع: قد ذكر لكم الأخ خليل أحمد الحامدي آنفًا ما يعانيه الشباب المسلم في المغرب العربي من اضطهاد وظلم على أيدي السلطات بناء على تهمة ملفقة هي تهمة اغتيال شخص، وقد ذكر الأخ كذلك أن محامي المغرب رفضوا الدفاع عن الشباب المسلم أمام المحاكم بناء على الخلاف الفكري، وكذلك ذكر الأخ خليل الحامدي وضع الدكتور حسن الترابي زعيم الحركة الإسلامية في السودان في المعتقل وانحراف صحته للغاية.

هذا، ومن فضل الله علينا نحن- مسلمي باكستان- أنه دائمًا منَّ علينا بالتوفيق لأن نهب لانتصار ومساعدة كل مسلم ابتلى بظلم وعدوان من قبل إخوانه أو من قبل أعدائه، في أي بلد كان، وبما أن باكستان أسست على أساس الإسلام يعقد جميع مسلمي العالم آمالهم عليها؛ ولذلك فأنا أناشد المؤتمر وجميع المحامين في باكستان أن يتقدموا للدفاع عن الشباب المظلوم في المغرب العربي، ويشكلون لهذا الغرض لجنة تضم المحامين البارزين، ويبرقوا إلى الحكومة المغربية لتتيح لهم الدفاع عن الشباب بموجب قانون الدولة، وتوفر لهم التسهيلات اللازمة في هذا الشأن، وكذلك يطلب من حكومة السودان الإفراج عن الدكتور حسن الترابي بأسرع ما يمكن أو العناية بعلاجه بصورة حاسمة تطمئن إليها القلوب.

وبمجرد أن انتهى الأستاذ طفيل محمد من كلمته القصيرة اعتلت الأصوات في خارج السرادق بالهتافات القائلة: «عاش الانقلاب الإسلامي، عاش الأستاذ المودودي» وإذا بالأستاذ المودودي يأتي في موكب من الدراجات النارية والسيارات إلى مكان الاحتفال ليكون ضيف الشرف في الجلسة الأخيرة وليلقي كلمته حول القانون الإسلامي.

المودودي والمحامون:

كان مكان الاحتفال غاصًّا بالجماهير، فأزيلت السرادق إفساحًا للمجال، وقد حضر هذه الجلسة بصفة خاصة عدد كبير من الناس ليستمعوا إلى شخصيتين بارزتين في العالم الإسلامي: الأستاذ أبو الأعلى المودودي والسيد بروهي أولهما كان ضيف الشرف في الجلسة الختامية وثانيهما كان رئيس الجلسة، والسيد بروهي ليس عالمًا بالقانون فقط، بل هو داعية إسلامي كبير، وهو إذا خاطب أخذ بمجامع القلوب، وقبل أن يحضر مؤتمر المحامين شارك في المؤتمر الإسلامي العالمي في لندن الذي عقده المجلس الإسلامي الأوروبي وجامعة الملك عبد العزيز بجدة، وكان السيد بروهي ألقى فيه محاضرة بعنوان «الإسلام وحقوق الإنسان».

وحضور الأستاذ المودودي لمؤتمر المحامين على رغم مرضه وضعفه أثار في قلوب المحامين والحضور أشواقًا وعواطف، وأصبحت العيون تذرف دموعًا شكرًا وسرورًا، ولا غرو فإن الأستاذ هو نزل في قلوب الجيل الباكستاني الجديد منزلًا لم ينزله أحد من الشخصيات المعاصرة.

وهو رمز الإسلام، أصبحت كتبه تدخل كل بيت وأصبحت دعوته تنفذ إلى كل قلب «عاش المرشد المودودي» هذا هتاف يملأ الجامعات والكليات حتى المدارس الثانوية والابتدائية يردده لا الطلبة فقط بل الطالبات أيضًا من كليات البنات وكليات الطب وأقسام الجامعات الأستاذ يعيش في قلوب الجيل الحاضر ينعش إيمانه ويرهف إحساسه بالإسلام ويجعله متفانيًا في الدعوة، أصبح المودودي حبيب الشعب، يرتاده كل يوم مئات من الناس يأتون من كل ناحية من نواحي باكستان، شيخ يبلغ من العمر عتيًّا ولكنه شاب في دعوته قوي في صراخه، لا يدخل إلى قلبه التشاؤم، ويعبئ كل من يزوره بقدر كبير من التفاؤل والشوق والحماس عنه لأجل الجهاد في سبيل الحق،

الأستاذ المودودي لا يحضر المؤتمرات والحفلات لمرضه إلا نادرًا، أما مؤتمر المحامين الذي طالما نادى به الأستاذ المودودي كيف له أن يتغيب ولذلك هو شرف المؤتمر، وتشريفه كان مثارًا للأشواق، ودخل موكبه المنصورة في منظر روحي مثير، تسبقه طوابير من الدراجات النارية يعلو عليها علم الجماعة الأخضر المتضمن كلمة الشهادة، وتلحقه طوابير من السيارات بنفس الوضع والهتافات كانت تملأ الشوارع عاطفة وشوقًا: «إلى الإسلام، إلى الانقلاب الإسلامي الله أكبر الرسول زعيمنا».

وقبل أن يتناول السيد بروهي بموضوعه أحب أن يتحف الحضور بانطباعاته عن المؤتمر الإسلامي العالمي بلندن، فقال:

لقد رجعت أخيرًا من المؤتمر الإسلامي العالمي بلندن، وكنت أحد المشاركين وأحد المتكلمين عن الإسلام أمام الغرب، وقد جئت اليوم مؤتمركم لأخبركم بأن الإسلام في علو وتغلب، ويجب أن يكون كل منا على علم بأن هذه الفترة التاريخية التي نمر بها اليوم مرحلة حاسمة جاءت في التاريخ بعد حوالي ثلاثمائة سنة، وأصبح العالم فيها يشعر بأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يملك علاج جميع آلام البشر ونكباته، أخذ الإسلام يبرز قوته الكامنة ومن وجهة أخرى أخذت الحضارة الغربية تهتز، وأخذت الكيانات التي تقوم عليها الحضارة في انهيار، وأصبحت النظريات التي تتبناها الحضارة موضع الشك والارتياب.

وإذا كان لأحد في العالم اليوم أن يدعي أنه قدم إلى العالم دعوة الإسلام في صورته الأصيلة- فهو هذا الرجل وأشار إلى الأستاذ المودودي، وكان الأستاذ جالسًا على كرسي ضيف الشرف على المنصة، كنت في لندن، وكان كل شخص جاء المؤتمر يسألني عن الأستاذ المودودي؛ هل هو يحضر هذا المؤتمر أم لا؟- قال السيد بروهي هذه الكلمة واغرورقت عيناه دموعًاوأقول بصراحة: إن أهل باكستان لا يدركون أهمية الأستاذ المودودي كل الإدراك، وعندما يأتي ما لا مفر منه سيبكون ويندمون ولات مندم، قال السيد بروهي هذه الكلمة وأجهش بالبكاء وبكى معه الحضور.

 وقال السيد/ بروهي: نرى نهضة إسلامية جديدة في العالم، ولا داعي إلى اليأس، أخذ الإسلام في نهضة واعتلاء، هذا أمر يوجب علينا الشكر لله تعالى، وقال بروهي: إن الإسلام دين عالمي، وأنتم خرجتم لتغليبه فالرجاء ألا تجعلوه قضية

 

 

 

الرابط المختصر :