العنوان مؤتمر القمة العربي.. ماذا لو انعقد أو لم ينعقد؟
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1986
مشاهدات 66
نشر في العدد 773
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 01-يوليو-1986
- مؤتمرات القمة العربية سلسلة من التراجعات والتنازلات والتناحرات.
- لم يعد العرب يتحدثون عن تحرير فلسطين بل عن حق دول المنطقة في العيش بسلام.
- من الصعب التكهن بانعقاد مؤتمر القمة في وقت قريب.
- لا بد أن تتحرك جماهير الأمة العربية لإيقاف المهزلة.
- نحن في حاجة إلى ثورة ثقافية وتربوية ومسلكية تعتمد على كتاب الله وسنة رسوله.
منذ انعقد مؤتمر القمة العربي الأول عام 1964 الذي دعا إليه عبد الناصر لبحث موضوع منع «العدو اليهودي» من تحويل مجرى نهر الأردن أو بتعبير أدق: سرقة الجزء الأكبر من مياهه تفاءلت الجماهير العربية باجتماع العرب وتصورت أن قادتهم اجتمعوا لمواجهة «العدو» وأن الصهاينة سيتراجعون أو يجازفون بمواجهة عربية شاملة قد تؤدي إلى هزيمة اليهود وتحرير فلسطين.
وما أن بدأت تتسرب تفاصيل المزايدات والمناقصات داخل مؤتمر القمة حتى أصيبت الجماهير العربية بخيبة أمل، وأمعن الصهاينة في التحدي. قال أحد رؤساء الدول العربية- الذي أتى بإيلي كوهين من البرازيل ليصبح مسئولًا حزبيًا كبيرًا باسم كامل أمين ثابت- قال فخامة الرئيس: لا بد أن نحارب، وأكد إصراره على الحرب واستعداده للتضحية بقوله: «ماذا سنأخذ من هذه الدنيا غير قطنة» فرد عليه عبد الناصر قائلًا: «لسنا على استعداد للحرب، ومن أراد أن يحارب وحده فليحارب»، واحتدم النقاش، ثم اتفق المؤتمرون على حل وسط، وهو قيام العرب بتحويل مجرى نهر الأردن من جهة الأردن ليحبطوا المشروع اليهودي، وانفض المؤتمر، وأحضرت معدات التحويل العربية، وقبل أن تشرع في عملها دمرتها الطائرات الإسرائيلية بقنابلها واستمر اليهود في إنجاز مشروعهم.
نسوق هذه الواقعة المأساة التي حدثت قبل أكثر من عشرين عامًا لنؤكد أن مؤتمرات القمة العربية التي تلت لم تكن أسعد حظًا من المؤتمر الأول، فلم يجتمع العرب في قمة من القمم لإعلان الحرب على اليهود وتحرير فلسطين، بل تضمنت هذه المؤتمرات سلسلة من التراجعات والتنازلات والتناحرات التي أسقطت هيبة العرب أمام أعدائهم وانتزعت الثقة من نفوس أصدقائهم وأصابت في الصميم طموحات شعوبهم.
بوارق أمل سرعان ما تتلاشى
وإذا كانت هناك بوارق أمل قد لاحت في بعض هذه المؤتمرات مثل مؤتمر الخرطوم الذي انعقد بعد هزيمة حزيران عام 1967 وخرج بلاءاته الثلاثة: «لا صلح، لا اعتراف، لا مفاوضات» مع الكيان اليهودي في فلسطين إلا أن هذه اللاءات الثلاث ألغيت بالتدريج وكان كبش الفداء رئيس أكبر دولة عربية حيث تفاوض مع الكيان اليهودي واعترف به وأجرى صلحًا معه.
وانعقد مؤتمر القمة العربية في بغداد لثني «السادات» عن طريق الخيانة وإغرائه بالمال، ولكن أخذته العزة بالأثم، فمضى في طريقه غير مبال بكل العرب ووصل الأمر بالسادات أن يكيل المديح «لابن عمه» بيغن وأن يطلق أزلامه في الشوارع ليهتفوا «لا فلسطين بعد اليوم» ثم أخذت الأنظمة العربية والمنظمات تعود إلى النظام المصري وتطالب عودته وهو على ما هو عليه من التزام باتفاقيات معسكر داود.
السلام بدل التحرير
ولم يعد العرب يتحدثون عن التحرير، بل عن «السلام» ولم يعجبهم السلام الجزئي بين مصر واليهود، بل إنهم يريدونه سلامًا شاملًا ودائمًا وعادلًا ولا ترعاه الولايات المتحدة فقط، بل يرعاه مجلس الأمن والدول الدائمة العضوية فيه حتى يكتسب الكيان اليهودي الشرعية الدولية.
من المشرق إلى المغرب
وانتقلت مؤتمرات القمة العربية إلى ديار المغرب العربي ونادت بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني وساقتها إلى طريق «السلام» مع الكيان اليهودي، وقرر أحد هذه المؤتمرات حق دول المنطقة في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها وهو ما جاء في قرار مجلس الأمن رقم 242 وجاءت منظمة التحرير «الممثل الشرعي والوحيد» للشعب الفلسطيني حول هذا القرار واقتربت من الاعتراف به وكلما تمنعت جرى ذبحها وذبح الشعب الفلسطيني في مخيماته تارة على يد الناطقين بالعبرية وتارة على يد الناطقين بالعربية. ثم ينعقد مؤتمر القمة العربي ليقرر المزيد من التنازل وجر الفلسطينيين إلى المزيد من التنازل والمزيد من التفسخ والضياع والمعاناة وجر الجماهير العربية- المعطلة عن الفعل- إلى المزيد من اليأس واللامبالاة والانشغال بمشاكلها اليومية الآتية المفتعلة إضافة إلى انشغالها بمشاكل الرؤساء العرب بعضهم مع بعض، فهناك مشاكل في المغرب العربي بين المغرب وموريتانيا وبين المغرب والجزائر وبين تونس وليبيا. وهناك مشاكل في المشرق العربي بين العراق وسوريا وبين منظمة التحرير وسوريا وبين الأردن ومنظمة التحرير. ثم هناك حرب الخليج التي أكلت الأخضر واليابس والتي لا يلوح لها في الأفق نهاية.
الولايات المتحدة تدخل على الخط
وتدخل الولايات المتحدة- المحركة من وراء ستار لمعظم هذه المشاكل- تدخل على الخط مباشرة بتحرشات أسطولها البحري وبهجومها الجوي على ليبيا ويطلب القذافي ومن ثم الحسن الثاني اجتماع القمة العربية من جديد، وبدلًا من أن يلتئم شمل العرب يزداد الخلاف بينهم حول جدول أعمال المؤتمر. فعلى حين تطلب ليبيا بحث موضوع الغارة فقط تطلب العراق بحث جميع مشاكل العرب وفي مقدمتها حرب الخليج ويتأجل انعقاد المؤتمر.
يقول تحليل أخباري لرويتر:
استطلعت الجامعة العربية آراء الزعماء العرب في وقت سابق من هذا الشهر بشأن عقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب في الدار البيضاء بالمغرب لتمهيد السبيل لعقد مؤتمر قمة.
لكن تم التخلي عن الفكرى بهدوء، وقال الدبلوماسيون أن الاجتماع أرجئ إلى أجل غير مسمى ومن غير المرجح أن يجتمع الوزراء قبل الخريف.
وكان آخر مؤتمر قمة عربي عادي كامل قد عقد في فاس بالمغرب عام 1983. وأرجئ المؤتمر التالي الذي كان من المزمع عقده في العام الثاني عدة مرات بسبب الخلافات العربية المستمرة.
ورأس الملك الحسن مؤتمرًا طارئًا في الدار البيضاء في أغسطس الماضي على الرغم من أن خمس دول منها سورية وليبيا والجزائر قاطعت المؤتمر كما امتنع عن حضوره عدد من زعماء الدول.
وقال الدبلوماسيون أنه سيكون من الصعب الوصول إلى أي إجماع عربي ما دامت سورية التي تساند إيران في حرب الخليج والعراق في خلاف.
وهناك مشكلات عربية أخرى منها نزاع بين المغرب والجزائر حول الصحراء الغربية وهي مشكلة لم تتناولها الجامعة العربية حتى الآن وخلاف بين ليبيا وتونس التي تتهم طرابلس بمحاولة زعزعزة استقرار حكومتها.
وثمة مشكلة أخرى بارزة هي عودة مصر إلى الصف العربي بعد تعليق عضويتها في الجامعة العربية عام 1979 لتوقيعها معاهدة سلام مع إسرائيل.
فماذا بعد؟
* هل ينعقد مؤتمر القمة العربي أو لا ينعقد؟
* هل تجري المصالحات العربية قبل انعقاد المؤتمر أم من خلاله؟
* هل تنفق القمة العربية على عمل شيء لإيقاف التدهور العربي؟
نحن لا نريد أن نفرق في التفاؤل، فكل المعطيات على أرض الواقع تخيب الآمال وتبعث على التشاؤم. لا نريد أن نخدع الجماهير العربية، نريد أن نحرك هذه الجماهير لتأخذ دورها الفاعل في إيقاف هذه المهزلة. لا بد أن يلتئم شمل العرب على كلمة سواء، ولن يتم ذلك إلا بمنهج واضح محدد وصريح يضع مصلحة الأمة فوق مصلحة الفرد، أو الفئة أو الطائفة أو القطر ويبحث في الذات عن نقاط القوة ولا يعزل مطالب البدن عن مطالب الروح، ولا مصلحة الفرد عن مصلحة المجموع. لا ينبغي أن يختلط علينا مفهوم السلام بمفهوم الاستسلام، لا يقعد بنا الواقع السيئ عن السعي لما ينبغي أن يكون، ولا نخجل من استقراء التاريخ لأخذ العبر.
نحن في حاجة إلى ثورة ثقافية إسلامية، وثورة تربوية روحية، وثورة مسلكية عقدية، حتى تستقيم أمورنا قادة وجماهيرًا، ولا مخرج لنا إلا بتدبر كلام الله العظيم وسيرة رسوله الكريم.