العنوان حقوق الإنسان الضائعة والحسابات السياسية
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1993
مشاهدات 94
نشر في العدد 1056
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 06-يوليو-1993
مؤتمر فيينا ومحاولات الهيمنة الغربية
بعد مضي ربع قرن على المؤتمر الدولي الأول لحقوق الإنسان في العاصمة
الإيرانية طهران عام 1968، نظمت الأمم المتحدة بالتعاون مع الحكومة النمساوية
المؤتمر الدولي الثاني في فيينا ما بين 14- 25 يونيو حضره 8000 مشارك بين وفود
حكومية ومنظمات غير حكومية ومراقبين، وبرزت خلاله محاولة تكريس التصور الغربي
لمسألة حقوق الإنسان في ظل نظام دولي «جديد» أحادي القطبية. والمتأمل في كل
الملابسات المتعلقة بهذا المؤتمر «التوقيت- ظروف انعقاده- الأجواء داخل المؤتمر-
المناقشات- صياغة الإعلان النهائي» يلاحظ سعي الدول الغربية لاحتواء مسألة حقوق
الإنسان من منظورها وحسب فلسفتها وطبقًا لسياساتها.
ظروف دولية وصحوة إسلامية
فقد تساءل العديد من الملاحظين عن سبب انعقاد هذا المؤتمر في هذا
التوقيت بالذات بعد ربع قرن يفصله عن المؤتمر الأول في طهران وعن السبب في إعادة
الحياة من جديد للميثاق الدولي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 1948
وبقي وثيقة جامدة بل قد تزامن مع اعتراف نفس المنظمة بالكيان الصهيوني الذي اغتصب
أرض فلسطين. أسباب هذا التوقيت عديدة منها ما يتعلق بانتهاء الحرب الباردة بين
المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي وتصدع الاتحاد السوفيتي المنافس الرئيسي للمعسكر
الغربي. فمن جهة انتهت الخلافات بين أعضاء مجلس الأمن حول قضايا حقوق الإنسان ومن
جهة أخرى، برزت إلى الواقع صور انتهاكات حقوق الإنسان في الدول الحليفة أو الصديقة
لهذا المعسكر أو ذاك والتي كانت محل تعتيم مقابل مصالح سياسية لفائدة الطرفين. إلى
جانب ذلك، في إطار البحث عن هوية سياسية جديدة في «العالم الثالث» تحولت مسألة
حقوق الإنسان إلى قضية ملحة وبرزت مؤشرات وعي سياسي في معظم الأقطار التي كانت تحت
الهيمنة الشرقية أو الغربية. وفي البلدان الإسلامية، اكتسى هذا الوعي طابًعا
تأصيليًا مرتبطًا بالهوية الإسلامية التي رأى فيها الغرب تهديدًا لمصالحه في هذه
البلدان بل حتى في عقر داره حيث يوجد آلاف المهاجرين من المسلمين الذين يتعرضون
لموجة من العنصرية ولأصناف شتى من التضييقات الإدارية والانتهاكات في بلدان ترفع
راية احترام حقوق الإنسان والأقليات، في الوقت الذي بدأوا يعانقون الصحوة
الإسلامية بحيث يمكن اعتبار سلسلة التراجعات الغربية في قضية مبدئية مثل حقوق
الإنسان إحدى العوامل التي دفعت لعقد مؤتمر فيينا للتغطية على هذا الواقع المريض.
ذريعة التدخل في الشؤون الداخلية
لكن يبدو أن العامل الرئيسي لطرح هذا الموضوع الحيوي على النطاق
الرسمي هو رغبة الدول الغربية والولايات المتحدة المتزعمة للنظام الدولي «الجديد»
في استخدام منظمة الأمم المتحدة كورقة رئيسية لفرض التصورات والسياسات الغربية
–الأمريكية في ظل الأوضاع السياسية المتوترة حاليًا عن طريق اللجوء إلى ما يسمى
بحق التدخل في الشؤون الداخلية في المناطق الساخنة. ومعلوم أنه بعد تصدع الكتلة
الشيوعية، انفجرت الصراعات العرقية والإقليمية واستغلت العديد من الفصائل المسلحة
في عدة بلدان فترة الفراغ السياسي في غياب مقومات دولة قوية وغطاء دولي لتصفية
حسابات قديمة، ذهب ضحيتها مئات الأشخاص بسبب الحرب أو المجاعة، كما حدث في
الصومال، واتخذت الولايات المتحدة الأمريكية هذا الواقع المأساوي كذريعة للتدخل
تحت غطاء الأمم المتحدة، وكل المؤشرات تدل على أنها إحدى الحلقات في سلسلة
التدخلات الخارجية في أقطار أخرى بحجة إنقاذ الشعوب المضطهدة.
إقصاء الشعوب وازدواجية المعايير
كل هذه الهواجس كان لها صدى داخل قاعة «أوستريا سنتر» في فيينا حيث
انعقد المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان. وجدير بالذكر أن 1000 منظمة غير حكومية
انتظمت من 10 إلى 14 يونيو للإعداد للمؤتمر من أهمها منظمة العفو الدولية التي
تصدر تقارير تعكس أوضاع حقوق الإنسان في العالم. وقد تم إقصاء هذه المنظمات من أية
مشاركة فعالة في المناقشات أو في صياغة الإعلان النهائي رغم دورها الكبير في
التحسس بانتهاكات حقوق الإنسان في العالم. وهذا الإقصاء يجسد في حد ذاته سياسة
تكريس الطابع الرسمي على مداولات المؤتمر في قضية جد حساسة كان من الأولى ترك
الفرصة للشعوب أو لممثليها لشرح مواقفها والتعريف بقضاياها. ومما يشكك أيضًا في
المصداقية سعي الحكومات الغربية إلى فرض تصوراتها لحقوق الإنسان الشيء الذي يفسر
التوترات الحادة التي شهدتها بعض جلسات المؤتمر، حيث تشبثت الدول الغربية بمقولة
شمولية حقوق الإنسان وعالميتها وعدم جواز تجزئتها. والتركيز على مبدأ العالمية Universalism ومطالبة الطرف الغربي بإنشاء وكالة عليا
ومحكمة دولية ليست سوى أطروحات فضفاضة لإملاء مصالح وأهداف خفية واستراتيجيات غربية
تقوم أساسًا على توسيع نفوذ الدول الغربية وسيطرتها.
وأكبر المعضلات التي تهدد
البشرية اليوم سببها فرض التصور الغربي لحقوق الإنسان «الإنسان المتمرد على خالقه
والمنفلت من كل قيد غير قيود الضرائب».
مأساة البوسنة وسقوط الأقنعة
وآخر حلقة وليس الأخيرة من حلقات ازدواجية الخطاب الغربي وممارساته
جرائم الغرب في البوسنة والهرسك. وهذه المأساة الإنسانية أسقطت ما تبقى من أقنعة
تحتمي وراءها مؤسسات القرار في الدول الغربية.
مما يفسر الخلاف المثقل
بالخلفيات بين منظمة المؤتمر الإسلامي والبلدان الغربية حول تبني قرار في النص
النهائي بالمطالبة برفع الحظر فورًا عن الأسلحة لفائدة مسلمي البوسنة للدفاع عن
أنفسهم كما تقتضي المواثيق الدولية التي صادقت عليها الأمم المتحدة. وقد فرض واقع
الحريات وحقوق الإنسان في المنطقة البلقانية نفسه على المؤتمر بشكل همش القضايا
الأخرى التي لا تقل خطورة في أبعادها مثل حق التنمية، وحماية الأقليات، وحملات
التعذيب والاضطهاد الديني باسم محاربة «الأصولية». وهناك شبه إجماع على تعطل مسار
الحريات في ظل النظام العالمي «الجديد» وعدم تحقيق المؤتمر لنتائج كبيرة ما دامت سلطة
الإشراف أي منظمة الأمم المتحدة تخضع بدورها لمقتضيات سياسية أصحاب القرار الدولي،
مما يطرح ضرورة وضع أسس ميثاق عالمي جديد لحقوق الإنسان والشعوب باعتماد المقاييس
والمعايير الإسلامية.
اقرأ أيضا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل