; مأساة مساجين الرأي في تونس.. الزرع والحصاد» | مجلة المجتمع

العنوان مأساة مساجين الرأي في تونس.. الزرع والحصاد»

الكاتب الطاهر العبيدي

تاريخ النشر السبت 22-مارس-2003

مشاهدات 52

نشر في العدد 1543

نشر في الصفحة 56

السبت 22-مارس-2003

قبل السفر داخل أسوار السجون التونسية المنتشرة في كامل البلاد، والتي هي بصمة من بصمات التوحش الاستبدادي المصبوغ بالأراجيف الدعائية، التي تجعل من تونس واحة للأمان والاعتدال، وقبل الإبحار في هذه النصوص التي هي تراجم مأساوية واقعية وقبل محاولة فتح نوافذ الكتاب لرسم بعض الملاحظات الفنية، اعترف بأني أصبت بفاجعة وأنا أقرأ هذا الكتاب الكارثي في دنيا حقوق الإنسان وفي عهد التغيير والاستقلال... بل استيقظت في ذهني كارثة المعاناة التي جعلتني أجلد بسيل من الأسئلة المرة من أي شريحة آدمية أولئك الذين يتفننون في التعذيب بهذا الشكل، وبماذا سيواجهون الله والتاريخ يومًا ما؟

أي جرم اقترفه هؤلاء السجناء!

ما سبب هذا الحقد المسلط على سجناء مسلوبين من أبسط حقوقهم؟

كيف يمكن لسلطة أن تحتفل في كثير من المناسبات بأعياد حقوق الإنسان، وهي تزرع الألم والإهانة, وتبذر القهر والتسلط على فصيل من شعبها؟ 

وقبل هذه الأسئلة الحارقة وغيرها، وأنا أتجول بين الشهادات المؤلمة التي تعبر عن فداحة الجرم الإنساني، وتزيل الستار عن تلك الأقاويل وما شابه كل تلك المواويل في عهد التغيير، التي يجترها الإعلام الرسمي الذي سعى إلى تبييض كل المناطق المعتلة، عادت بي كاميرا التاريخ إلى تلك النصوص المغرية الجميلة والتعابير المدنية المتحضرة وكل عناوين العدل والإنصاف والحرية لا ظلم بعد اليوم... احترام الإرادة الشعبية.. حرية التعبير مبدأ الدولة المدنية.. الدستور ضمان للمواطنة والديمقراطية... القوانين لحماية الكرامة الإنسانية.

 فأي معني لهذه الشعارات وأي معنى لهذه النصوص وأي معنى لأقوال تغتالها الأفعال! وأي معنى لدولة تدمر معارضيها بهذا الشكل؟

إن ما قرأته من شهادات في هذا الكتاب وما قرأه غيري وما سيقرأه من سيأتي بعدنا من الأجيال قطعًا ستحركه هذه المأساة، وسيظل يسخط على كل هؤلاء المتورطين في اختلاس طفولة «عبد الرحمن» المختبئ في صفحة الغلاف الأخيرة، والمصاب بالخوف المستمر والذي فقد أباه ولا يريد أن يفقد أمه. فأي جريمة أبشع من أن يقع الاعتداء على طفولة طفل ينتمي إلى بلد اسمه «تونس الخضراء» ليحرم من أبيه ويظل فريسة للخوف والهواجس المستمرة أو تلك الطفلة «مريم» ابنة السجين عبد الحميد الجلاصي، التي تنام وتستيقظ في «حضن أمها» وهي لم تعرف من طفولتها المنهوبة سوى الطوابير المتراصة أمام السجون أو التنقل من مدينة إلى أخرى، ومن سجن إلى آخر للفوز برؤية والدها لبضع دقائق من وراء القضبان ومن بعيد على طريقة التفرج على حدائق الحيوان... أو ذاك الطفل المسمى طارق، والذي عوض أن يترعرع في وطن الحلم والحرية كبر ويكبر في وطن القهر والحرمان، مما جعله يتأبط لعبته العاجية مسدس، وكل زيارة يظل يتربص بحراس السجن كي يطلق عليهم النار، لأنهم حرموه من الأبوة وتركوه متسكعًا على أرصفة الشوق والحنان.

وأنا أتجول بين الصفحات وأفكك الجمل والسطور لانتشل والتقط اعترافات الضحايا من تحت الأنقاض، ورغم معرفتي بأساليب التعذيب وظروف الاعتقال وحياة السجن، إلا أني صراحة أصبت بالذهول أمام هذه المشاهد المرعبة، وهذه الفصول التي تقشعر منها الأبدان ويبيض منها الحبر، فقد جاءت الشهادات دون «رتوش» أو تزويق ذلك لأنها انبعثت من روائح السجون والمعتقلات الكريهة مختزلة في طياتها كل التفاصيل, لأني أعتقد أن الجزئيات قد تجاوزها الشهود عمدًا، ربما رأفة بالقارئ أو ربما لأن هذه الجزئيات قد تكون لغة أخرى لا يعرفها الآخرون فسجون بهذه الأوصاف من البشاعة هي مناجم ستظل على مر السنين أماكن للاكتشافات والحفر بین دهاليز القهر والاستبداد، لاستخراج وثائق الجرم الإنساني المنسوخة على الجدران داخل الكهوف لغة ومعاملة وتعذيبًا ورموزًا لا يعرفها من كان خارج هذا الجحيم، لهذا فإن التفاصيل المسكوت عنها من طرف السجناء، هي قطعًا الرموز المشتركة بين هؤلاء الضحايا, هذا ورغم اختلاف هذه الشهادات من شخص لآخر، ومن سجن لسجن، إلا أنها تجتمع في التدليل على تطاير الظروف والمعاملة، وتشترك في حجم المعاناة التي هي القاسم المشترك في الزما والمكان، وإن اختلفت في التوصيف والتعبير. 

قساوة السجون لا تلغي نبض الأفكار

هذه الشهادات المفجعة تحيل القارئ على عد استنتاجات داخل رطوبة المكان وقسوة السجان وظلمة الاعتقالات منها:

 ١- يلاحظ جليًا أنه على الرغم من جبال القهر المسلطة على هؤلاء المساجين، ورغم حالات التعذيب والتحقير ورغم الإهانات السيئة وقسوة المعاملة التي تجعل القارئ الهادئ يتململ متمردًا على كل عناوين الاعتدال والمهادنة والمصطلحات السلمية متلهفًا في البحث داخل الصفحات عن رد فعل أحد السجناء متمنيًا أن تكون على الأقل لكمة أو صفعة للحارس «عكة» أو «ملوخية» أو غيرهما... كي يزيل قليلًا من الضيم والغمة اللذين يجثمان على قلبه، وهو يتنقل بين عنف الصفحات غير أنه يفاجأ بأن السجناء، رغم تعرضهم للاعتداءات المجانية، ورغم التعذيب إلى حد الموت وسقوط الجرحى وإصابتهم بالأمراض المختلفة والحيف الكبير المسلط عليهم، إلا أنه لم تسجل أى حادثة بل كانت ردود أفعال السجناء تعتم أشكال المقاومة المدنية: إضراب جوع، احتجاجات شفهية.. اعتصامات.. مطالب كتابية، تحركات سلمية، مما يؤكد فعلًا وممارسة أن هؤلاء السجناء هم سجناء رأي وليسوا سجناء عنف. 

2-رغم كل محاولات التشطير والتقسيم والعزل، لا يزال الوجود الإسلامي في السجن نابضًا، يدافع عن رؤاه وتصوراته المبدئية داخل المعتقلات وبين الحراسة المشددة، من ذلك أن المقاومة تجلت في مظاهرها المبدئية: المطالبة بصلاة الجماعة وقراءة القرءان والصحف, حديث عن الشعائر، حقوق السجين, احترام القوانين.... 

٣- واضح أن هؤلاء السجناء تجمع بينهم روابط أخلاقية وسياسية، مما يجعل أغلب الضرابات تكون في كثير من الأحيان جماعية تسلل عن عيون المراقبة الإدارية الصارمة، مما يفسر أنه داخل مستنقع الحصار هناك شبه تنظيم, مس بالأشكال الضوئية المعهودة، ولكنه يراعي تلاحم مع خصوصيات المكان والزمان والسجان.

4- يستشف من الشهادات أن المساجين تعرضوا لكثير من الضغوط النفسية والجسدية لتسد التقويض من الداخل ومع ذلك فالانشقاقات تحصل، مما يطرح الكثير من الأسئلة حول فشل الخطط الأمنية، في تفتيت الحس السياسي والانتماء القيمي لهؤلاء المساجين.

المحنة تتجاوز أسوار السجن

لست أدري كيف يفكر هؤلاء الجلادون المتعاونون مع القهر والاستبداد؟ وأي مشاعر لدى هؤلاء وهم متورطون في ذبح الوطن، وذبح ابتسامة الأطفال وتمزيق دفء العائلات.. فهل هذه المعاملة السيئة هي للحفاظ على الوطن أم إيذائه؟ هل مصطلح الأمن هو فعلًا لتأمين حياة المواطن أم لتدميره؟ أي حصاد سيحصدون وأي زرع يبذرون وأي ثمار سيقطفون؟

 إن هذه الشهادات ولمن جاءت متأخرة بعض الشيء إلا أنها تفتح ثقوبًا تخترق جدار الشرعية ديمقراطية التي استندت له سلطة التغيير منذ حلولها.

والواضح من خلال الشهادات أن المعاناة جاوزت حصون السجن، لتعض عائلات المساجين وأقاربهم والجيران والأصدقاء، وبذلك تكون المأساة بلا حدود ويكون الظلم والمعاناة قواسم مشتركة بين جميع الفئات ونصيب شرائح شعبية مختلفة من الشيخ المسن راعي الغنم الذي تجاوز سنه ٦٠ عامًا والذي عذب وحوكم بسنتين سجنًا، وهدمت أسنانه، كما جاء ذكره في شهادة السجين أحمد العماري.. إلى الطفلة التي تعيرها صديقاتها بأنها ابنة سجين إلى العجوز المسنة التي سجن أبناؤها الخمسة وبقيت تلهث بين المدن تتقاذفها الحافلات ويصفعها خريف العمر إلى أولئك العمال المهاجرين البسطاء من أهل المساكن الذين لا يعرفون حتى معنى التهم المنسوبة لهم. 

فكيف ستتوارى براكين الحقد والكراهية التي زرعت في ذاكرة أولئك الأطفال الذين حرموا من آبائهم واختلست أعيادهم ودمرت أفراحهم وسحب منهم آباؤهم، ولم يعايشوا سوى مصطلحات التعذيب والقهر والمداهمات الليلية واغتيال أحلامهم؟ 

إن هذه المشاهدات العينية، هي وثيقة من أهم الوثائق المنتظرة مواعيد الصدور، التي تترجم المسافة البعيدة والهوة العميقة بين الخطاب والفعل بين الشعار والممارسة بين الإعلام المعتل والواقع المختل.

  • لست أدري.. كيف يفكر هؤلاء الجلادون والمتعاونون مع القهر والاستبداد.. وأى مشاعر يحملون وهم متورطون في ذبح الوطن؟

  • المعاناة تجاوزت حصون السجون لتعض عائلات المساجين وأقاربهم والجيران والأصدقاء.. إنها مأساة بلا حدود.

شهادات أخرى تنتظر العبور

ولئن كان كتاب «مأساة مساجين الرأي بتونس» يعتبر في اعتقادنا عملًا تاريخيًا متجاوزًا الجغرافيا السياسية ومخترقًا أخاديد الممنوعات والحدود ورطوبة المعتقلات بل نراه عملًا ذا قيمة توثيقية وإنسانية، فقد أحسن المشرفان الناشران - جمعية التضامن التونسي ولجنة الدفاع عن المساجين التونسيين في تونس - في الانتباه إلى رسم بصمات محنة هؤلاء المعذبين، وتصيد صرخات المعتقلين المستغيثين من وراء الجدران الإسمنتية العازلة «واجمعيتاه» وبذلك تكون الاستجابة للغوث والنجدة استجابة تستحق التعريج على هذا العمل المهم، الذي ندرك أنه لم يكن سهلًا تجميعًا واقتناصًا وتصيدًا وتواصلًا مع الداخل المحاصر بالممنوعات, وبذلك يكون المشرفان على هذا العمل قد نجحا في اختراق ظلمة السجون، وتحدي الواقع الكالح وإنجاز عمل يستحق أن يرتقي بالخطاب الحقوقي الاحتجاجي «البياني» إلى خطاب حقوقي إعلامي واقعي يستطيع أن يؤثر في الواقع، ويتلاحم مع الداخل ويحاجج الخارج، ويعطي جرعة اعتبار لأولئك الذين يعانون خلف الأسوار الذين مارسوا ويمارسون مقاومة مدنية من أجل الكرامة والحرية.

ملاحظات فنية

ولا يفوتنا أن نسجل بعض الملاحظات الفنية المتعلقة بالكتاب دون الإتيان على أغلبها من ذلك:

 1- أن أول ما يقع الكتاب في يد القارئ تختلط عليه الأمور ويتشابك العنوان الرئيس مع العنوان الفرعي وإمضاء الناشرين المتناثرة في غير مواضعها، مما يجعل الغلاف فاقدًا لـ «التهوئة» التي هي قيمة ذوقية فنية تحتاجها العين, ويحبذها الناظر وتستدعيها ضرورة الإخراج.

2- افتتح الكتاب بمقدمة للدكتور منصف مرزوقي، تلتها مقدمة ثانية للناشرين، ليعقبهما نص ثالث دون إمضاء ودون عنوان متجاوزًا طراف النشر والكتب التي لا تحتمل أكثر من مقدمتين، ولا أدري في أي خانة سيصنف هذا النص الذي أعتقد انه دخل على الخط متسللًا استئذان، ليعطل حركة مرور القراء بدل سرعة إبحارهم.

 3- أعتقد أن الكتاب هو ملك إنساني، لكن إبراز مصطلحات «أخ وأخت» بشكل مبالغ فيه جعل الكتاب وكأنه موجه إلى فئة دون أخرى، في حين أنه تجاوز الحدود السياسية والرمزية الحزبية.

 ٤- شهادة السجين عبد الحميد الجلاصي في تقديري تعتبر شهادة راقية معبأة بالأمل والحلم تجاوز لحظات الرعب والمحنة واليقظة التي طال ارتقابها، وتخترق ظلام القهر وسماء الاستبداد طرح أحلامًا تفوق الركود الزمني وكل نفايات السجون، متدثرة بروح قيمية عالية من التسامح الاعتدال والرقي، رغم فظاعة المحنة، غير أنها في الكتاب لم تحظ بما يعبر عنه في الإخراج الإعلامي الفني بـ «الصفحة الجميلة».

6- كانت صرخة الطفل «عبد الرحمن» في الصفحة الأخيرة من الغلاف مختبئة ومتوارية في صف الاحتياط وكان الأجدى ترك النص يستنطق لطفل ويترك له المجال كي يترجم أحاسيسه يصور طفولته المسروقة، بدلًا من الإنابة عنه دفعه إلى الضفاف السفلى للنص، وتغطيته الجمل السياسية التي جعلت صرخة الطفل تلاشى بين السطور التي حجبت انفعالاته ولم فسح له مساحة حرة للحركة، ورواية حكايته لدرامية بلغة طفولية، أكثر دلالة وتأثيرًا وبلاغة من الجمل الغارقة في الخطاب البياني.

عندما يستيقظ التاريخ يوما ما

إن هذه الشهادات رغم أنها عينات لأفراد دون مئات الشهادات الأخرى التي أقبرت مع صحابها، أو التي لم يتمكن أبطالها من رؤية الضوء، أو تلك التي منعت أو ظلت متحشرجة في صدور أصحابها، أو بقيت معلقة تنتظر تأشيرة بور هي شهادات يمكن القول إنها اعترافات ماضي عنها قلم التحقيق، وداسها قضاة لا يؤمنون بالعدل والضمير، وتجاهلتها صحافة الدف والمزامير... ولكن سيعانقها التاريخ لتكون وقودًا للحرية والكرامة وسمادًا لأرض تونس, وخصوبة لكل الأراضي الأخرى الظمأى للحرية الكرامة والانعتاق.

وتبقى تلك الممارسات الوضيعة تجاه هؤلاء.. حكاية تتداولها الأجيال جيلًا بعد جيل، للتعبير من تجليات روح المقاومة السلمية، وبشاعة الممارسات اللاإنسانية التي ستبقى شاهدة على العصر.

الرابط المختصر :