; مأساة بيسلان وقضية الشيشان بين إدانة الإرهاب وإنهاء الاحتلال | مجلة المجتمع

العنوان مأساة بيسلان وقضية الشيشان بين إدانة الإرهاب وإنهاء الاحتلال

الكاتب نبيل شبیب

تاريخ النشر الجمعة 24-سبتمبر-2004

مشاهدات 64

نشر في العدد 1619

نشر في الصفحة 24

الجمعة 24-سبتمبر-2004

إدانة الإرهاب الإجرامي توجب إدانة الاحتلال الإجرامي، وأن يقترن ذلك بتأييد واضح وصريح للمقاومة المشروعة

• انحراف الدوافع السياسية أصبح يصنع المواقف المنحرفة عما تقتضيه الوقائع والمعلومات ثم يعممها الإعلام المنحرف

• الغموض الذي يحيط بحقيقة عملية بيسلان شبيه بالغموض الذي أحاط بعملية إسقاط الطائرتين المدنيتين قبل أيام.

• صناعة الغموض المقترن بتهمة الإرهاب سياسة بوتين لنشر الكراهية لدى الروس تجاه الشيشانيين، وبالتالي تمرير تصويره للحرب الجارية وكأنها «حرب اضطرارية ضد إرهاب دموي».

عند التمعن في مجرى الأحداث والمواقف والمعلومات التي نشرت حتى ساعة كتابة هذه السطور، لا يمكن التسليم بما يراد تعميمه عبر كثير من التصريحات السياسية والتعليقات الإعلامية، بشأن اتهام الشيشانيين بالذات بارتكاب عملية مدرسة بيسلان في أوستينيا الشمالية.

قد يكون فيهم من جعلته الأحداث المأساوية في بلاده وأهله إنسانًا لا يتورع عن مثل هذه العملية أو المشاركة فيها، وقد يكون فيهم أيضًا من أمكن توريطه في مثل هذه العمليات الحساب جهة من الجهات، ولكن لا يمكن ترجيح صورة محتملة بعينها لحقيقة الحدث ما دامت السلطات الرسمية في موسكو تصر على أسلوبها التقليدي في متابعة الأحداث وطرحها سياسيًا - وهو الأسلوب الذي يعتمد منذ فترة طويلة على اتهام جاهز سلفًا- وغموض مصطنع عمدًا، إن هذا الأسلوب هو الذي يجعل سائر ما يقع من أعمال عنف في منطقة القوقاز أو الأراضي الروسية ينسب وفق الاتهام الجاهز إلى من يسمونهم ب«الإرهابيين الشيشانيين» وأعوانهم من العرب والمسلمين، وتضعه الآلة السياسية والإعلامية في دائرة «الإرهاب الدولي» ويبدأ توظيف الحصيلة لتبرير ما يصنعه الجيش الروسي ويرتكبه من جرائم في الشيشان، ولتبرير وضع موسكو نفسها تحت الراية المشتركة مع الأمريكيين وسواهم في «الحرب ضد الإرهاب الدولي»!

الاتهامات الجاهزة

ينبغي التأكيد في هذا الموضع أن كل عملية تنطوي على عدوان محض على الحياة البشرية كاحتجاز الأطفال والنساء والمدنيين عمومًا عملية مرفوضة بسائر المقاييس، وذلك من المنطلق الإسلامي بطبيعة الحال، إنما لا ينبغي استبعاد احتمال اصطناع منظمة، أو اختراق منظمة قائمة من جانب جهات إجرامية معروفة، وليس من جانب الاستخبارات فقط، إنما تلك الجهات التي أصبحت الحروب مصدرًا لثرائها، كما لا ينبغي إغفال شرط أساسي ليكون للإدانة مصداقيتها، وهو أن إدانة الإرهاب الإجرامي توجب إدانة الاحتلال الإجرامي والعدوان الإجرامي، وأن يقترن ذلك بتأييد واضح وصريح للمقاومة المشروعة، وللعمل على إقرار الحقوق لأهلها.

في بيسلان انتهت العملية، ودفن ضحاياها وبقيت آلام ذويهم ومعاناتهم، كما بقي الغموض حول حقيقة ما جرى، وهذا الغموض أحد الأسباب العديدة التي تدفع إلى التساؤل:

- هل الصورة التي ينشرها المسؤولون في موسكو وتقتصر على اتهام الشيشانيين صحيحة؟

- هل هي على الأقل كافية لاستيعاب خلفيات الحدث المأساوي، واتخاذ الموقف القويم إزاءه؟

- من الذي ارتكب فعلًا عملية مدرسة بيسلان الإرهابية؟

- ما موقعها من أحداث الشيشان ومستقبلها؟

- ما الهدف وراء استغلال معاناة ذوي الضحايا في الحدث المأساوي الرهيب، لتركيز التصريحات الرسمية في اتجاهين: التعزية وهي واجبة، والتهديد بالانتقام العنيف دون تحديد واضح للمستهدف بذلك الانتقام؟

إن المعضلة الكبرى تكمن في أن انحراف الدوافع السياسية أصبح يصنع المواقف المنحرفة عما تقتضيه الوقائع والمعلومات، ثم يعممها الإعلام المنحرف، فإن لم يقع ما يكشف أمرها تتحول تدريجيًا إلى «بدهيات» مزيفة.

نأخذ مثالًا على ذلك ما كان مع رئيس الوزراء الإسباني الأسبق آزنار، عندما رأى من مصلحته في المعركة الانتخابية آنذاك أن يوجه أصابع الاتهام في حادثة قطارات مدريد إلى «الباسكيين» وليس إلى «إرهاب دولي» ففعل ذلك رغم معلومات ومؤشرات ترجح غير ما أعلنه، وقد سقط في الانتخابات، ولكن الوضع في إسبانيا يختلف «ديمقراطيًا» عن الوضع السائد في الاتحاد الروسي في عهد فلاديمير بوتين، الذي يجد من مصلحته داخليًا ودوليًا في الوقت الحاضر أن يوجه الاتهام من اللحظة الأولى إلى «إرهاب شيشاني وعربي وإسلامي» على وجه التخصيص، فلم ينتظر ظهور أدلة ما، وهذا رغم أمرين اثنين، أولهما وجود جهات أخرى لا يستبعد تورطها في عمليات إرهابية قديمة وجديدة، وثانيهما وجود مؤشرات عديدة على أن هذه العملية بالذات ليست من صنع الشيشانيين.

من الجهات التي يمكن توجيه أصابع الاتهام إليها مثلا:

1. عصابات الإجرام المنظمة الروسية.

2. أثرياء تجارة السلاح المنتفعون ماليًا بإشعال أوار الحرب في الشيشان وغيرها.

3. الخصوم الذين صنعتهم سياسة بوتين تجاه جورجيا ولا سيما من خلال استمرار الوجود العسكري الروسي في أوستينيا الجنوبية التي سبق أن فصلها الروس في العهد الشيوعي عن أوستينيا الشمالية.

4. جهات أخرى في القوقاز تتطلع إلى الاستقلال عن سيطرة الاتحاد الروسي، وهو ما تشهد به عمليات عديدة أخرى أوقعت مئات القتلى في أوستينيا الشمالية نفسها وفي إنجوشيا وسواهما.

صناعة «الغموض»

ومن المؤشرات التي رجحت من البداية عدم وجود علاقة للشيشانيين بعملية بيسلان:

1. الإعلان عن أن قادة منفذي العملية من غير الشيشانيين، وأن المجموعة ضمت في صفوفها أفرادًا أنجوشيين وأستونيين وروسيين، بالإضافة إلى بعض الشيشانيين، بل ورد رسميًا أيضًا أن من هؤلاء مسلمين ومسيحيين.

2. بقاء الإعلان الصادر عن الجهات الرسمية الروسية بصدد وجود عشرة من العرب القتلى بين مرتكبي العملية خبرًا معلقا دون معلومات تثبته كذكر أسماء، أو نشر صور أو ما شابه ذلك.

3. إعلان رونالد كيه نوبل، أمين عام الشرطة الدولية في مدينة ليون الفرنسية استعداد جهازه المساعدة السلطات الروسية من أجل الكشف عن هوية مرتكبي العملية وما إن كانت لهم علاقة ما بإرهابيين ومنظمات إرهابية دولية، وهو ما يؤكد عدم توفر معلومات كافية لاتخاذ موقف رسمي بتوجيه الاتهام إلى جهة بعينها.

4. مسارعة الرئيس الشيشاني الشرعي أصلان مسخادوف فور وقوع العملية إلى تأكيد عدم مشاركة أحد من المقاتلين التابعين له بها، وإلى إدانتها بصورة قاطعة، وإلى عرض استعداده التوسط من أجل الإفراج عن الرهائن المحتجزين في المدرسة.

5. إن قيل إن «جماعات شيشانية متمردة» على مسخادوف هي المسؤولة، فمما يلفت النظر أن الجماعة المقصودة بذلك من مقاتلي «شامل باساييف» تسارع عادة إلى الإعلان عن مسؤوليتها عن عمليات كبيرة تعتبرها جزءًا من جهادها ضد الاحتلال، ولكنها في عملية بيسلان سارعت من البداية إلى نفي أي صلة لها بها، من خلال بيان صادر عن مجلس الشورى العسكري. ونشر في موقع «الشيشان» الشبكي، البديل عن موقع «القوقاز» الذي سبق إغلاقه ومعروف أنه يتبع المجموعة باساييف، وأضاف البيان المنشور أن اتهام الشيشانيين بالعملية يستهدف تشويه «سمعة جهادهم لتحرير بلادهم» وأن العملية تتناقض مع تحريم الإسلام لقتل الأطفال والنساء، حتى في حالة الحرب.

لا يبدو أن السلطات الروسية ترغب أصلًا في الكشف عن «سائر ملابسات العملية» كما وعد بوتين في خطابه الذي هدد فيه بحرب دولية ضد الإرهاب فبقاء الوقائع مجهولة محاطة بالغموض، وبقاء المعلومات طي الكتمان إذا انكشف الأجهزة الأمن شيء منها، لا يأتي نتيجة عجز عن القيام بتحقيق جنائي واسع النطاق، أو نتيجة ضعف قدرة المخابرات الروسية، إنما هي «سياسة متبعة» كما تؤكد ذلك مؤشرات عديدة، تشابه إلى حد بعيد سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في التعامل مع سائر ما تصنفه تحت عنوان «الحرب ضد الإرهاب».

إن الغموض الذي يحيط بحقيقة عملية بیسلان شبيه الغموض الذي أحاط بعملية إسقاط الطائرتين المدنيتين قبل أيام، والغموض الذي أحاط بعمليات سابقة مثل تفجير أبنية سكنية في موسكو.

هذا الغموض يصنع صنعًا، من خلال موقف رسمي، يتضمن مقولة مدروسة، وإن قيلت بشكل جانبي، لا يصلح محتواها لتحقيق جنائي أو محاكمة قضائية، ولكن يصلح لحملة إعلامية، يراد إعطاء الضوء الأخضر لها وتحديد وجهتها سلفًا.

مثال ذلك الإعلان الذي رافق إسقاط الطائرتين عن العثور في حطام إحداهما على جواز سفر يحمل اسمًا يشتبه في أنه لامرأة شيشانية فقد كان هذا كافيًا لتبني الإعلام بقية المهمة وتوجيه أصابع الاتهام للشيشانيين مباشرة، وهذا قبل أن تعلن الجهات الرسمية لاحقًا أن المرأة المعنية هي «روزا ناجايي فاس» وهي من النساء اللواتي فقدن العشير المعيل والقريب المعين وأصبحن يحملن لقب «الأرامل السود» بعد أن تحول فريق منهن إلى ساحة القتال ضد الروس وإلى أجساد بشرية متفجرة.

ومثال آخر على سياسة الغموض المتعمد ما اتبعته السلطات الروسية عقب تفجير أبنية سكنية في موسكو، فبعد الحملة السياسية والإعلامية ضد الشيشانيين، وعدم ظهور دليل يدين أحدًا منهم، وعدم الإعلان عن نتائج تحقيق ما من جانب الأجهزة الأمنية خفت الحديث تدريجيًا، كأن شيئًا لم يقع، ولا أحد يعلم حتى الآن من ارتكب العملية فعلًا، ولكن الاتهام المعمم على الشيشانيين بقي قائمًا.

تبرير الإجرام الحربي بالإجرام الإرهابي

لم تكن سياسة الغموض المتبعة حول العمليات الإرهابية اعتباطية لا سيما وأن كثيرًا من التفاصيل تنشره السلطات عندما تقوم مجموعة شيشانية بالفعل بعملية كبيرة، فهي قادرة على نشر التفاصيل والمعلومات، إذا أرادت ذلك، ولكن يبدو أن المطلوب إخفاء حقائق يضر كشفها بالسلطة الحاكمة رسميًا أو المتحكمة في صناعة القرار الروسي بصورة من الصور، أي بالرئيس الروسي بوتين على وجه التحديد، أو بأصحاب النفوذ في الدولة لا سيما في ميدان صناعة السلاح والتجارة به، وفي نطاق عصابات الإجرام المنظمة.

وعبر الحملات الإعلامية التي توجه الرأي العام في قضية الشيشان، يوظف بوتين سياسة الغموض هذه لنشر الاتهامات التي يبرز بها ما يصنع في الشيشان، منذ ارتدائه لباس الحرب فور جلوسه على كرسي الرئاسة، ونقضه لاتفاق سابق على استفتاء شعبي في الشيشان حول استقلالها، وشروعه في جولة حربية أخرى، ضد سكان البلد الذي قتل فيه - وفق المصادر الرسمية- أكثر من ٢٠٠ ألف إنسان من المدنيين الشيشانيين، في حرب يلتسين بين عامي ١٩٩٥ و١٩٩٦ وفي حرب بوتين منذ عام ۱۹۹۹م حتى الآن.

إن صناعة الغموض المقترن بتهمة الإرهاب الإجرامي هي سياسة بوتين لنشر الكراهية والعداء لدى الروس تجاه الشيشانيين، وبالتالي لتمرير تصويره للحرب الإجرامية الجارية وكأنها «حرب اضطرارية ضد إرهاب دموي» وقد تجد هذه السياسة تفسيرها - وليس تبريرها- في أسلوب حكم بوتين، إذ تنسجم مع عمله لإعادة الاتحاد الروسي إلى ظروف مشابهة لما كان في العهود القيصرية والشيوعية، وإن أحيطت بغشاء رقيق من الديمقراطية.

كما قد تجد السياسات الغربية تفسيرًا -وليس تبريرًا- بأنها كانت وما تزال تضع مصالحها الذاتية فوق الاعتبارات القانونية الدولية والقيم الإنسانية.

بينما لا يوجد تفسير ولا تبرير السياسات البلدان العربية والإسلامية وهي تراعي موسكو على حساب الشيشان وحق أهلها الثابت في الاستقلال وتقرير المصير.

الرابط المختصر :