; مأزق العلمانية | مجلة المجتمع

العنوان مأزق العلمانية

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2007

مشاهدات 56

نشر في العدد 1772

نشر في الصفحة 15

السبت 06-أكتوبر-2007

القضية الأسخن في تركيا اليوم هي قضية تعديل الدستور، والمادة الأكثر سخونة في التعديل هي مادة حظر الحجاب في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية المفروضة على المرأة التركية بقوة القانون العلماني وبطش سلطات الأمن والجيش إن لزم الأمر.

وحيث إن حزب العدالة والتنمية ذا الجذور الإسلامية- كما يحب أن يسميه الإعلام الغربي- بات يملك كل الصلاحيات الدستورية، حيث يشكل أغلبية البرلمان، ويشكل الحكومة كاملة ويتحكم في كرسي رئاسة الجمهورية «عبد الله جول» فإن حمى غربية تصيب المؤسسات العلمانية العتيقة، وفي مقدمتها مؤسسة الجيش والمؤسسات الأخرى، التي تتحكم في مفاصل المجتمع كمؤسسة التعليم الجامعي والقضاء والمؤسسة الإعلامية باختلافها. 

ولهذا لا نستغرب من تطاير التصريحات والتهديدات بين الحين والآخر من تلك المؤسسات، محذرة المؤسسات الدستورية «البرلمان والحكومة والرئاسة» من المساس ببند حظر الحجاب، خاصة أن تصريحات وإشارات لا تتوقف من الجانب الآخر مطالبة بحرية الحجاب في الجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية كحق أصيل لحرية المرأة في اختيار زيها الذي تريد. 

ففي خطاب ألقاه بأكاديمية عسكرية في مدينة إسطنبول وبثه التليفزيون التركي الإثنين الماضي جدد رئيس أركان الجيش التركي «يشار بيوكانيت»، تحذيره من المساس بالنظام العلماني قائلًا: لا يمكن لأي سلطة تغيير أي شيء في الجمهورية التي أسسها أتاتورك، ولا أحد بإمكانه تغيير الهيكل العلماني للجمهورية».

التحذير من قائد الجيش يقينًا موجه لحزب العدالة والتنمية: ردًّا على تلميحات رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان ورئيس الدولة عبد الله جول بتأييد رفع حظر الحجاب من الدستور!

لكن الذي يبدو من الأجواء العامة في تركيا بعد نجاح حزب العدالة الكبير في الانتخابات الأخيرة، ثم نجاحه في اعتلاء كرسي رئاسة الدولة رغم المخالفات والمماحكات والتهديدات، ويبدو أن المؤسسة العسكرية المهيمنة في «مأزق كبير»، ولم تعد قادرة على التحرك لفرض هيمنتها كما حدث في السابق عبر انقلابات عسكرية متعددة، وذلك راجع إلى أن تكتيك وسياسة حزب العدالة لم تقدم لها أي مبرر أو ثغرة للانقلاب.

والمتوقف أمام التجربة العلمانية المفروضة على تركيا منذ سقوط الخلافة عام ١٩٢٤م حتى اليوم «۸۳ عامًا» يجد أنها حظيت بكل عناصر القوة والبطش، وأخذت فرصتها تمامًا للتطبيق بعد أن تم إفراغ الساحة لها تمامًا، بل إن مشانق نصبت الرؤساء جمهورية ورؤساء وزراء «عدنان مندريس» بكل من حاول المساس بها ، وفتحت السجون- ومازالت- لكل من حاول انتقادها، ورغم كل ذلك إلا أن حصاد ٨٣ عامًا يجسد الفشل، بل الفشل الذريع لهذه التجربة، فقد أصبحت العلمانية بمؤسساتها الباطشة في جانب وانطلق الشعب التركي مع الإسلام عقيدة وهوية وحجابًا في جانب آخر، فأكثر من ٦٠٪ من نساء تركيا محجبات، وخيار الشعب ديمقراطيًّا مع الإسلام، وحزب مصطفى كمال «حزب الشعب» أصبح ضعيفًا.

إن حال التجربة العلمانية في بلادنا العربية والإسلامية لا يقل بؤسًا عن حال التجربة التركية، ولم يعد للتجربة من أثر فعال على صعيد الفكر والتغيير في المجتمعات.

إنها تنحسر جماهيريًّا وتنزوي شيئًا فشيئًا، ولم يعد لها وجود مؤثر إلا في المواقع الإعلامية وفي بلاط السلطة، ولذا يظل دوي صوتها قويًّا ومنتشرًا ومرحبًا به في بلاط كثير من النظم الحاكمة، إنه حلف مصالح بين السلطة الغاشمة والطبقة العلمانية، كل يحاول التشبث بالبقاء حيث السلطة والثروة والشهرة، لكن الجماهير تمضي في طريقها ملتفة حول الخيار الإسلامي وحول هويتها دون ضجيج.

الرابط المختصر :