; مأزق السلطة الفلسطينية بعد 4 مايو: | مجلة المجتمع

العنوان مأزق السلطة الفلسطينية بعد 4 مايو:

الكاتب د.حسني الطنطاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1999

مشاهدات 91

نشر في العدد 1348

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 04-مايو-1999

مأزق السلطة الفلسطينية بعد 4 مايو:

عرفات بلا شرعية

  • البنا لعبد الرحمن عزام: الإخوان لا يرون سبيلًا لإنقاذ فلسطين إلا القوة ولهذا يضعون تحت تصرف الجامعة 10 آلاف مجاهد ككتيبة أولى

تلك هي النهاية الطبيعية للصلح الذليل مع اليهود. 

وتلك هي النهاية الطبيعية للعنتريات السياسية.

لا إعلان للدولة الفلسطينية في الرابع من مايو الجاري.. هذا ما أعلنه - الأربعاء الماضي - المجلس المركزي الفلسطيني، الذي يوصف بأنه مخول باتخاذ القرارات المصيرية. جاء هذا القرار بعد أن شغلت السلطة الفلسطينية العالم طوال الفترة الماضية بأنها مقبلة لا محالة على إعلان الدولة، في موعده المقدس... ووسط زخم إعلامي طاف رئيس السلطة ياسر عرفات عواصم عربية وعالمية شاغلًا الرأي العام في كل محطة بأنه على وشك الإعلان». وعندما أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من الرابع من مايو ذهب كل شيء أدراج الرياح وأعلن المجلس المركزي قراره وهكذا تتخذ المواقف.. وتصدر القرارات!

إن وجود دولة فلسطين هو أمل كل مسلم وعربي، ولكن مجرد الإعلان لا يوجد الدولة، كما عدم الإعلان لا يلغيها، وإنما الذي يوجدها حقيقة على الأرض هو انتزاع مقوماتها المعروفة الأرض.. السيادة.. والحكومة المستقلة، مع بناء المؤسسات وتحقيق التماسك بين أبناء الشعب.. وشيء من ذلك لم يتم ولم تتخذ سلطة عرفات أي إجراء لإيجاده على أرض الواقع...

ولذلك فإن قرار تأجيل إعلان الدولة يأتي تحصيل حاصل لا يساوي إلا صفرًا!! وتبقى الوقفة المتأنية أمام القضية برمتها.. لمناقشتها وتحليل أبعادها.. تاريخيًّا وسياسيًّا من رؤية القوى السياسية الفاعلة على الساحة.. وفي مقدمتها الحركة الإسلامية.

الحركة الإسلامية ومشروع الدولة الفلسطينية

اجتذبت مسألة إعلان الدولة الفلسطينية - ولا تزال تجتذب - اهتمام عديد من القوى السياسية، محليًّا على المستوى الفلسطيني، وعربيًّا على المستوى الإقليمي، ودوليًّا على المستوى العالمي، ولكن يبدو أن الحركة الإسلامية بمختلف جماعاتها بصفة عامة - وداخل فلسطين المحتلة بصفة خاصة - لا تولي هذه المسألة الاهتمام نفسه، وتتعامل معها بمنهجية الانتظار والترقب ودون المبادرة بطرح تصورها بهذا الخصوص، وسواء كان ذلك في الموعد الذي سبق للسلطة الفلسطينية تحديده في الرابع من مايو الجاري، أم كان في غير هذا الموعد فلا فرق، هي لا تعطى هذا الموضوع ما يستحقه من الاهتمام، أو هكذا يبدو الأمر للمتتبع لمواقف جماعات الحركة الإسلامية، فإذا كان هذا صحيحًا فعلام يدل هذا الموقف وأين موقع مشروع الدولة الفلسطينية في التصور العام للحركة الإسلامية وفي استراتيجيتها الخاصية بفلسطين على وجه التحديد؟ 

خلفيات مشروع الدولة الفلسطينية

يقتضينا تحليل موقف الحركة الإسلامية من مشروع الدولة الفلسطينية أن نلقي نظرة على الخلفيات الحديثة لظهور وتطور هذا المشروع في سياق التطورات العامة التي مرت بها أمتنا في صراعها ضد الاستعمار والصهيونية. 

ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ١٨١ في ۲۹ نوفمبر سنة ١٩٤٧م الذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة عربية، وأخرى يهودية، وأن يكون لمدينة القدس كيان منفصل. وقد قوبل هذا القرار بالرفض من الجانب العربي بكل أطرافه الحكومية والشعبية، بينما استندت إليه العصابات الصهيونية الإجرامية في إعلان قيام دولة إسرائيل» في ١٥ مايو سنة ١٩٤٨ م أي صبيحة اليوم التالي لإعلان بريطانيا سحب قواتها من فلسطين، ولم يتم قبول إسرائيل عضوًا في هيئة الأمم المتحدة إلا بعد أن اعتراف آنداك - بقرار التقسيم وقبولها به.

كان الإخوان المسلمون، في مصر أكبر قمة شعبية أعلنت رفضها لقرار التقسيم حتى قبل صدوره، ففي أول أكتوبر سنة ١٩٤٧ م أبرق الشيخ حسن البنا المرشد العام للجماعة إلا سكرتير عام الأمم المتحدة وإلى مارشال وزير الخارجية الأمريكية معلنًا هذا الرفض ومؤكدًا أن قضية فلسطين هي قضية جميع مسلمي العالم، وأن إقامة دولة يهودية في أي جزء من فلسطين سيحول الشرق جميعه إلى ميدان مجازر بشرية، وإن ديننا ليأمرنا بمقاومة العدوان، وسارع بإرسال برقية أخرى إلي عبد الرحمن عزام باشا أمين عام جامعة الدول العربية في ٨ أكتوبر ١٩٤٧م، بمناسبة انعقاد مجلس الجامعة للنظر في قضية فلسطين، وجاء في تلك البرقية إن الإخوان المسلمين لا يرون سبيلًا لإنقاذ فلسطين إلا القوة، ولهذا يضعون تحت تصرف الجامعة العربية عشرة آلاف من خيرة شبابهم المجاهدين ككتيبة أولى في جيش الإنقاذ العملي عند أول إشارة»، ولما صدر قرار التقسيم في ٢٧ من نوفمبر ١٩٤٧م، وجه الشيخ البنا نداءً ناشد فيه الحكومات العربية والإسلامية بأن تنسحب فورًا من هيئة الأمم المتحدة، وأن تتهيأ للدفاع عن فلسطين، فهي خط الدفاع الأول الذي إن فقدناه فقدنا كل ما بعده، والضربة الأولى نصف المعركة، نقلًا عن كتاب د. إبراهيم البيومي غانم: الفكر السياسي للإمام حسن البنا - القاهرة - ١٩٩٢م - ص ٥٠٠-٥٠١).

الدولة وثوابت التصور الإسلامي

لم يكتف الإخوان بإعلان رفضهم لقرار التقسيم ولا بإعلان إصرارهم على مقاومة العصابات الصهيونية المغتصبة، ثم انخراطهم في الحرب ضدها عندما نشبت سنة ١٩٤٨م، وإنما قدموا آنذاك - أيضًا - رؤية سياسية مبنية على ثوابت التصور الإسلامي لحل قضية فلسطين،

وهي تتلخص في الآتي: 

1-أن تجلو العصابات الصهيونية عن البلاد.

2-أن يوافق اليهود على أن يعيشوا مع العرب في ظل الدولة الفلسطينية الحرة.

3- أن يرد إلى وطنه الأصلي كل يهودي دخيل جاء إلى فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية.

4- إعلان فلسطين كلها بحدودها المعروفة برًا وبحرًا دولة عربية موحدة حرة مستقلة ذات سيادة، ومساعدتها حتى يتم لها استبقاء عروبتها واستقلالها وتطهيرها من الصهيونية.

5-مطالبة الجامعة العربية بدعوة الحكومات الإسلامية وفي مقدمتها تركيا للعمل على إنقاذ فلسطين ومكافحة اليهودية الصهيونية، وإعادة النظر في قواعد السياسة الخارجية لدول الجامعة العربية والتحلل من القيود التي بينها وبين الدول الاستعمارية الظالمة.

كانت الحركة الإسلامية ممثلة - آنذاك - بجماعة الإخوان المسلمين الجهة الوحيدة التي طرحت مشروع إعلان فلسطين دولة عربية مستقلة، ضمن تصور متكامل لحل القضية، وفي إطار رؤية سياسية مفصلة لمعالجة المشكلات التي نجمت عنها بما في ذلك مشكلة اليهود المدنيين المقيمين في فلسطين، ومشكلة الفلسطينيين اللاجئين إلى خارجها، وفي تلك  الظروف تعرض الإخوان لإجراءات الاضطهاد والقمع، فتم حل جماعتهم في مصر بموجب قرار عسكري أصدرته حكومة النقراشي باشا في 8 من ديسمبر ١٩٤٨م، وفي ١٢ فبراير ١٩٤٩م تم اغتيال المرشد العام الشهيد حسن البنا، ودخلت الحركة في محن متتالية. 

من النكبة إلى النكسة

 في الفترة الممتدة بين نكبة ١٩٤٨م، ونكسة ١٩٦٧م. تجمد الموقف العربي بشأن مشروع الدولة الفلسطينية، على ما كان عليه منذ صدور قرار التقسيم، وهو موقف الرفض دون طرح بديل آخر يتعلق بمسألة إعلان قيام دولة عربية فلسطينية مستقلة - باستثناء ما قدمه الإخوان المسلمون على النحو السابق ذكره - وتركزت جهود النضال الفلسطيني خلال تلك الفترة على المقاومة المسلحة، والعمل كجزء من النضال القومي العربي العام، وكان المتصور - نظريًا - حينذاك أن الوحدة العربية هي طريق التحرر وأن فلسطين سوف تصبح جزءًا من الدولة العربية الواحدة. 

ومن ثم لم يكن مطروحًا فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة حتى لا تتعارض جهود التحرر والاشتراكية والوحدة العربية، ولكن هزيمة سنة ١٩٦٧م أفقدت المشروع القومي مصداقيته، وكان لابد من إعادة النظر في كل التصورات ومراجعة جميع الرؤى الخاصة بالقضية، ومنذ ذلك الوقت. 

وفي أوائل سنة ١٩٦٨م طرحت فصائل المقاومة فكرة إقامة دولة فلسطينية، وكان هذا بعد مرور عشرين عامًا على الطرح الذي قدَّمه الإخوان المسلمون، وجاء هذا الطرح للمقاومة في الميثاق الصادر عن المؤتمر الأول للمنظمات الفدائية الذي عقد بالقاهرة في يناير ١٩٦٨م؛ حيث نص على أن هدف حركة المقاومة هو: إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مستقلة، على كل الأراضي الفلسطينية من البحر إلى النهر، واتفقت فصائل الثورة على منهج الكفاح المسلح لتحقيق هذا الهدف، وانطلقت من رؤية نظرية مؤداها أن الصراع مع الكيان الصهيوني صراع ممتد لا ينتهي إلا بانتهاء أحد طرفيه طبقًا لرؤية القوميين العرب، وأن إسرائيل كيان استعماري استيطاني والصراع مع هذا الكيان صراع بقاء أو فناء طبقًا لرؤية حركة فتح كبرى فصائل منظمة التحرير.

التقزيم والاختزال من الدولة الديمقراطية إلى السلطة الوطنية

لقد كان طرح فصائل المقاومة لمشروع إقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية المستقلة غداة هزيمة ١٩٦٧م خطوة نحو الاقتراب من التصور الإسلامي لحل القضية الذي طرحته الحركة الإسلامية منذ سنة ١٩٤٧م، على الرغم من اختلاف المرجعية الفكرية التي استند إليها كل من الجانبين. وعندما تبلور هدف الدولة الديمقراطية في أوائل سنة ١٩٦٨م، كانت محل إجماع معظم قوى الثورة الفلسطينية ومنظماتها في مواجهة فكرة اعتبرت هزيلة آنذاك، وهي فكرة إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفكرة أخرى أكثر هزالًا وهامشية - آنذاك أيضًا - وهي فكرة إقامة الدولة في الضفة الغربية فقط.

ولكن سرعان ما تراجعت فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل ترابها الوطني، واختزلت - في الفكر الفلسطيني والعربي باستثناء فكر الحركة الإسلامية - إلى مجرد الحصول على سلطة للحكم الذاتي في الأراضي المحتلة بعد سنة ١٩٦٧م، وتضمنت اتفاقات كامب ديفيد ملاحق خاصة بهذا الموضوع لم تحظ بالقبول الفلسطيني أو العربي في بداية الأمر. ولكن انطلاق عملية التسوية مع الكيان الإسرائيلي، والتحولات الدولية والإقليمية التي جرت منذ ذلك الحين، أدت بالحكومات العربية وبمنظمة التحرير الفلسطينية إلى القبول بأقل بكثير مما تضمنته اتفاقات كامب ديفيد بخصوص قضية فلسطين، وهو ما تبلور فيما نصت عليه اتفاقات أوسلو سنة ١٩٩٣م بإعطاء حكم ذاتي وإقامة سلطة وطنية للفلسطينيين على مناطق محدودة من الأراضي المحتلة في الضفة والقطاع، وصار ما كان مرفوضًا ومستهجنًا في السابق، مقبولًا الآن بل هدفًا بالنسبة لزعيم منظمة التحرير ومن حوله من جماعة أوسلو.

نهاية أوسلو ومأزق إعلان الدولة

نصت اتفاقات أوسلو على مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات تنتهي في الرابع من مايو ۱۹۹۹م، وكان من المفترض أن تنتهي معها مفاوضات الوضع النهائي بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل، ولكن في الوقت الذي التزمت فيه السلطة بما تم الاتفاق عليه وبالغت في تنفيذ مهماتها بأكثر مما توقعه الإسرائيليون أنفسهم، ضربت حكومة الليكود بزعامة نتنياهو بتلك الاتفاقات عرض الحائط، وسارت في الاتجاه المعاكس، وبالغت في استخدام سياسة القوة، وفرض الأمر الواقع بمزيد من إجراءات تهويد القدس، وبناء المستوطنات وتوسيع مساحتها لتبتلع أكثر من ٦٠% من مساحة الضفة والقطاع المحتلين، وهدم منازل الفلسطينيين ومصادرة أملاكهم وأراضيهم.

إن جوهر المأزق الذي تواجهه السلطة الفلسطينية ابتداءً من الرابع من مايو فصاعدًا هو استمرار تعنت الجانب الإسرائيلي ورفضه لفكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة من ناحية، ونشوء فراغ سياسي وقانوني سيزداد تفاقمًا كلما تأخر إعلان الدولة من ناحية أخرى، لا لأن المرحلة الانتقالية تكون قد انتهت طبقًا لمقررات أوسلو فحسب، وإنما لأنه انتهت معها شرعية عمل السلطة الوطنية والأجهزة والمؤسسات المتفرعة عنها كافة بما في ذلك المجلس التشريعي الوطني. 

ومن ثم فإن السعي المحموم لسلطة عرفات من أجل إعلان الدولة هو في واقع الأمر محاولة للخروج من هذا المأزق، وليس عملًا سياسيًّا مبرمجًا ومؤسسًا على رؤية واضحة للواقع الذي آل إليه الصراع مع الكيان الصهيوني، ومما يؤكد ذلك أن اتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقات لتنفيذه، لم يتضمن نصوصًا صريحةً بحق الفلسطينيين في إعلان الدولة، وأن إسرائيل تصر على رفض أي إجراء من هذا القبيل إذا كان من جانب واحد، بل تهدد بإعادة احتلال مناطق الحكم الذاتي التي انسحبت منها، وأن السلطة الوطنية ذاتها لم تستثمر فترة الخمس سنوات الماضية في توفير الحد الأدنى للبنية الأساس اللازمة لقيام الدولة؛ بل كانت تلك السنوات عجافًا بحق الشعب الفلسطيني، وأدت تصرفات السلطة وإجراءاتها القمعية إلى شق الوحدة الوطنية الفلسطينية، وضرب الثوابت التاريخ للقضية، والتفريط في كثير من الحقوق ومنه مثلًا - حق العودة لجميع اللاجئين الذين يقدر عددهم بأربعة ملايين فلسطيني يعيشون في الشتات، والقبول فقط بعودة مائتي ألف لاجئ على مدى أربعين عامًا بمعدل ٥٠٠ كل سنة فقط!! هذا فضلًا عما تشير إليه إحصاءات البنك الدولي من أن السلطة الوطنية الفلسطيني أنفقت %٦٠% من ميزانيتها على الرواتب والتوظيف، في حين أن نصيب جهودها في خدمة المجتمع ومشروعات التنمية بلغ ٢ % فقط. 

إن الضجة الصاخبة حول إعلان الدولة الفلسطينية - في ضوء الحقائق السابقة ليس لها من معنى سوى أنها محاولات لتضخيم شيء مفرغ من مضمون وتصويره - وهو بهذه الحالة - على أن منتهى أمال الشعب الفلسطيني، وخاتمة المطاف في ملف الصراع المصيري بين الأمة العربية والإسلامية من جهة والكيان الصهيوني الغاصب من جهة أخرى، وفيما نظرنا أن هذا هو السبب الرئيس الذي يفسر موقف الحركة الإسلامية من مسألة إعلان الدولة، ويوضح لماذا لم تنجرف في تيار الاهتمام المبالغ فيه بشأن توقيت الإعلان وما إذا كان ينبغي ربطه بنتلك الانتخابات الإسرائيلية أم لا؟ ذلك لأن من ثوابت التصور الإسلامي للحركة تحرير فلسطين، وبناء المجتمع، وتأسيس الدولة المستقلة على كامل التراب الفلسطيني.

الموقف الراهن للحركة الإسلامية من مشروع الدولة

لم يطرأ تغيير جوهري على الموقف الأصلي الذي اتخذته الحركة الإسلامية وأعلنه الإخوان المسلمون بشأن مشروع الدولة الفلسطينية منذ صدور قرار التقسيم في سنة ١٩٤٧م، وهو التمسك تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني وإقامة دولة عربية مستقلة عاصمتها القدس الموحدة. 

إن الجماعات والتنظيمات الرئيسة في الحركة الإسلامية - داخل فلسطين المحتلة وخارجها - تعيد التأكيد باستمرار على تصورها الأساسي بشأن قضية فلسطين دون تغيير يذكر، وذلك لسبب بسيط هو أن هذا التصور مبني على أسس مستمدة من العقيدة الإسلامية التي تدين بها الحركة، وتتخذها منهج حياة لها، وهذا ما نجده في البيانات والوثائق الصادرة عن جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وفي الأردن وفي غيرهما من البلدان العربية والإسلامية. 

أما في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة فلقد عبرت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» عن هذا التصور في صلب ميثاقها (۱۹۸۸م) الذي نص على أن الحركة تعتقد أن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها، أو التنازل عنها، أو عن جزء منها، ولا تملك ذلك دولة عربية أو كل الدول العربية، ولا يملك ذلك ملك أو رئيس أو كل الملوك والرؤساء، ولا تملك ذلك منظمة، أو كل المنظمات سواء كانت فلسطينية أو عربية؛ لأن فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة ... هذا حكمها في الشريعة الإسلامية (ميثاق حماس - الباب الثالث - المادة (١١). 

وفي ضوء ما سبق لا تسهب الحركة الإسلامية في الحديث عن هدف إقامة الدولة الفلسطينية باعتباره من قبيل تحصيل الحاصل وهي تركز - بدلًا من ذلك - على رفض سياسة الصلح مع الكيان الصهيوني، وتصعيد المواجهة معه على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية. وتنتقد «حماس» أداء السلطة الوطنية وسياساتها لكونها لا تقود إلى قيام كيان فلسطيني مستقل بقدر ما تخدم أهداف العدو الصهيوني، والدليل على ذلك أن السلطة مرتهنة للاحتلال، ولا تتمتع بسيادة حقيقية على الأرض الفلسطينية»، ومن ثم فإن السلطة الفلسطينية في حكم الأسير»، وما تقدمه من تنازلات للعدو لا يعتد به؛ إذ إن الحكم الشرعي للأسير في هذا الصدد هو أنه لا يؤخذ برأيه ولا يعتد بقراراته. 

وإذا كان هدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل التراب الفلسطيني هو تحصيل حاصل بالنسبة للحركة الإسلامية، فإنها تعطي الأولوية في الوقت الراهن لتثبيت الوجود الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة ولتحرير الأرض قبل إقامة السلطة، ولبناء المجتمع وترسيخ مؤسساته المدنية قبل الاهتمام بمظهريات الدولة، ورموزها وشاراتها .

التطلع إلى المستقبل

الأسبقية هي إذن للأرض على السلطة، وللمجتمع على الدولة، وللإنسان الفلسطيني المحكوم على الرئيس أو الحاكم أو الحكومة، وفي ضوء هذه الرؤية الواضحة حددت حركة المقاومة الإسلامية استراتيجيتها للتعامل مع الواقع القائم، والتحرك على هديها في المستقبل المنظور. وذلك في ثلاثة محاور أساسية هي:

۱ - المضي في مقاومة الاحتلال الصهيوني من أجل إنجاز حقوق الشعب الفلسطيني وتحقيق أهدافه في التحرر والعودة وبناء الدولة المستقلة ذات السيادة على كل الأرض الفلسطينية. 

2- بناء الصف الوطني الفلسطيني وتعزيز وحدة الشعب وحشد جهوده في كل أماكن تواجده بالداخل والخارج.

3- إعادة الاعتبار للعمق العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية بما يعزز القدرة على مواجهة المشروع الصهيوني وأخطاره ومخططاته.

أما التركيز على مسألة إعلان الدولة الفلسطينية، بالطريقة التي تمارسها السلطة بقيادة عرفات، فلا ترى الحركة الإسلامية أنها تستحق كل هذا الاهتمام، وفي الوقت نفسه فإنها لا تعارضها أو تسعى لعرقلة هذا الإعلان بأي صورة من الصور باعتبار أنه سيكون - من وجهة النظر الإسلامية - خطوة على الطريق الذي لا يزال طويلًا من أجل الوصول إلى الهدف النهائي وهو تحرير فلسطين كاملة غير منقوصة. 

إن قضية فلسطين في تصورها الإسلامي الذي تتمسك به حركة حماس وحركة الجهاد وكل الحركات الإسلامية والقومية والوطنية. ليست مجرد قضية دويلة، أو حتى دولة لها أرض وشعب؛ بل هي أكبر من ذلك بما لها من مكانة خاصة ضاربة بجذورها في الدين والتاريخ والثقافة، وفي الروح الإنسانية، وتاريخها هو محور أساسي من محاور تشكيل الوعي الجماعي للأمة، ومستقبلها هو من مستقبل أجيالها المتعاقبة، وكما قال يومًا الإمام الشهيد حسن البنا هي قضية العالم الإسلامي بأسره، هي ميزان كرامته ومقياس هيبته وقوته، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

نص قرارات الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين بشأن قضية فلسطين في سنة ١٩٤٨م

اجتمعت الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين برئاسة الإمام حسن البنا المرشد العام للجماعة، وذلك على مدى يومي 6 و ٧ مايو ١٩٤٨م، أي قبل أسبوع واحد من إعلان الصهاينة قيام دولتهم في فلسطين واتخذت الهيئة عددًا من القرارات بشأن فلسطين فيما يلي نصها (*):

۱ - إعلان الاعتراف بفلسطين كلها بحدودها المعروفة برًّا وبحرًا دولة عربية موحدة حرة مستقلة ذات سيادة، وأن العصابات الصهيونية المسلحة من الهاجاناه والأرجون وشتيرن وغيرها قراصنة معتدون.

2 - إعلان رفض أي مشروع تتقدم به أي هيئة محلية أو دولية على أساس غير هذا الأساس؛ سواء كان تقسيمًا أو وصاية أم هدنة أم غير ذلك.

3- إعلان الجهاد المقدس ومصارحة الشعوب العربية والإسلامية جميعًا بأنها قد أصبحت في حالة حرب عنيفة مع الصهيونية المعتدية الأثمة، ومع اليهودية العالمية.

4- مطالبة الجامعة العربية بدعوة الحكومات الإسلامية، وفي مقدمتها تركيا للعمل على إنقاذ فلسطين ومكافحة اليهودية العالمية.

5 - إنشاء جبهة شعبية جامعة لتنظيم حركة العصيان المدني إذا اعترضت الحكومات سبيل هذه الخطوات. 

(*) المصدر كتاب د. إبراهيم البيومي غانم: الفكر السياسي للإمام حسن البنا، القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، ١٩٩٢ ، ص ٥٠٢.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل