العنوان لیست حياة المسلمين المتمسكين بشرع الله حياة لا إنسانية
الكاتب الشيخ عبد العزيز بن باز
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1979
مشاهدات 62
نشر في العدد 456
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 23-أكتوبر-1979
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومناهتدى بهداه.
أما بعد: فقد اطلعت على ما نشر في مجلة «النيوزويك» الأمريكية الصادرة في ١٧ أبريل ۱۹۷۸م وعلى ما نشر في العدد الصادر يوم 24أبريل ۱۹۷۸م من مجلة «تايم» الأمريكية من الكلام الذي نسب إلى وزير الصناعة والكهرباء الدكتور غازي القصيبي وجاء فيه ما ترجمته «أنك إذا لم تتذكر تطلع شعبنا إلى حياة أفضل بعد ثلاثة آلاف سنة من الوجود اللا إنساني فإنك لن تستطيع فهم ما يجري اليوم في السعودية».
وهذا الكلام سبق نشره في مجلة النيوزويك الأمريكية الصادرة في 9 يوليو ۱۹۷۷م والمنقول عن مجلة «الاعتصام» المصرية. ورغم صدور هذا الكلام في الصحف الأمريكية غير مرة وفي مجلة الاعتصام المصرية فإننا لم نسمع تكذيبًا له من الدكتور القصيبي وذلك يدل على إقراره بما جاء فيه وإلا لسارع إلى تكذيبه وتفنيده.
وقائل ذلك الكلام يعتبر الفترة التي حددها بثلاثة آلاف سنة دون مستوى الإنسان، وإن الناس فيها يعيشون حياة لا إنسانية، وهذه الفترة يدخل فيها زمن النبوة والخلافة الراشدة وعهد السلف الصالح ومن سار على نهجهم.
ولا شك أن ذلك نوع من أنواع الردة عن الإسلام لأن كل من انتقص الإسلام أو طعن فيه أو زعم أنه لم يحصل به إسعاد الأمة ولا رقيها أو زعم أن حالة الناس اليوم أحسن من حالهم في عصر النبوة والسلف الصالح على سبيل الإطلاق فهو مرتد عن الإسلام مكذب للنصوص من الكتابوالسنة وإجماع الأمة وإن لم يشعر بذلك، وهو في الحقيقة إنكار لفضل الإسلام على الإنسانية وما حصل به لها من الرقي العظيم والسعادة والعزة التي لم يسبق لها نظير في تاريخ الأمم وهو أيضًا إنكار للإسلام ودعوته وجحود لرسالة محمد- صلى الله عليه وسلم- وفضلها على البشرية وذلك كفر صريح بإجماع المسلمين، ولقد وصف الله الذين استهزؤوا برسول الله وأصحابه بالكفر ولم يقبل اعتذارهم فقال تعالى: ﴿ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. (التوبة: 65-66).
ثم إن ذلك تكذيب لحقيقة تاريخية يشهد بها الأعداء قبل الأصدقاء فكلهم يعترفون بأن العهود الإسلامية الأولى كانت أزهى عصور التاريخ وأكثرها إنسانية وأن الإسلام جاء بأعظم التشريعات التي ترفع شأن الإنسان في دنياه وأخراه ومن كذب بذلك فهو جاهل بالواقع أو مكابر يقوده الحقد والكراهية للإسلام إلى أن يقول مثل هذا المقال الشنيع، وإن مما يزيد في خطورته أمور منها:
۱- نسبته إلى رجل يعمل وزيرًا في دولة إسلامية تدعو إلى الإسلام وترفع رايته ويرمقها المسلمون في جميع بقاع الأرض لحرصها على تطبيق الشريعة الإسلامية وتحكيمها ولأنها خادمة الحرمين الشريفين وهما مهد الإسلام ومنبعه فهي وأبناؤها أولى الناس بالمحافظة على الإسلام والدفاع عنه والإنكار على مهاجميه.
٢- إن الشباب قد ينخدعون بمثلهذا الكلام إذا صدر من مسؤول كبير فيأخذونه قضية مسلمة دون تفكير أو مناقشة مما يكون سببًا في انحراف كثير منهم عن الإسلام ما دام لا يهييء للناس حياة إنسانية، فيكون على القائل وزر قوله ومثل أوزار من ضل به إلى يوم القيامة.
3- إعطاء التأييد لأعداء الإسلام لمهاجمته والاستشهاد بأقوال أبنائه وذلك مما يعطى موقفهم قوة ودعمًا, وقد استغل هذا الكلام محرر مجلة «النيوزويك دروبرت كريستوفر» فزعم أن سبعة آلاف شاب سعودي يدرسون في أمريكا سيعودون بأفكار علمانية، ولن يرضوا أن تبقى المملكة العربية السعودية محكومة بالأنظمة الرجعية التي تقطع يد السارق وترجم الزاني واعتبر المحرر المشار إليه أن من علامات التأخر في المملكة أنغير المسلمين لا يحق لهم أن يصبحوامواطنين فيها ولا بد في رأيه ان يصبحلليهود والنصارى وغيرهم من الكفرةحق المواطنة في المملكة وجهل أوتجاهل أن الجزيرة العربية لا يجوزأن يبقى فيها دينان ولا أن يقيم بهاكافر إلا بصفة مؤقتة تدعو لها الحاجة، كما لا يجوز أن يعطى الكافر في الجزيرة العربية الرعوية التي تمكنه من الإقامة بها.
ونحن بعد كل هذا لا نجزم بأن هذا الكلام المنسوب للدكتور القصيبي من كلامه فعلًا فهو خبر يحتمل الصدق والكذب، ولكننا ندعوه إلى المبادرة بتكذيبه إن كان لم يقله وليكن ذلك في جميع وسائل الإعلام وبعدة صحف ومجلات وخاصة مجلتي «التايم» و«النيوزويك» الأمريكيتين.
أما إن كان قد صدر منه، فالواجب عليه التوبة النصوح إلى الله من ذلك ومن تاب صادقًا تاب الله عليه كما قال- سبحانه وتعالى-: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور:31) ويجب إعلان التوبة بوسائل الإعلام لقول الله- تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:159-160) ولم يستثن من الملعونين إلا من تاب وأصلح وبين، والبيان إنما يكون بالطرق التي أعلن بها الباطل.
ونسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين لمعرفة الحق واتباعه والتوبة النصوح من جميع الذنوب إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.