; معالم على الطريق.. ليلة سقوط سريبرينيتسا وجيبا | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. ليلة سقوط سريبرينيتسا وجيبا

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1995

مشاهدات 66

نشر في العدد 1160

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 01-أغسطس-1995

ما وجدتني في حالة من العذاب النفسي مثل ما وجدتني في هذه الأيام وما شعرت بالعجز والحيرة والضالة مثل ما شعرت في هذا الزمان، وما أحسست باللوعة والفجيعة والتمزق مثل ما أحسست بها الآن، وما انتبهت إلى انهزامنا العلمي والتكنولوجي والصناعي إلا بعد أن تتابعت علينا الدواهي والمصائب في هذه الحقبة المؤلمة، وما التفت إلى تمزقنا واختلافنا وصراعنا وتشتتنا إلا بعد أن رأيت مقدار الكوارث والدواهي التي تسحقنا صباح مساء، لقد شعرت ليلة سقوط سريبرينيتسا أن يميني قد سقطت، وأن قطعة مني قد بترت، وإن ركنا من نفسي قد انهدم، وبت ليلة سوداء بغير صباح، عمياء بغير دليل، ولحقتها أيام عذاب وشقاء وتمزق إلى أن تبعتها صاعقة أخرى، وداهية عظمى هي سقوط جيبا فشرد مني اللب، وانعقد مني اللسان، وسقط مني الزند، ولفني ظلام كثيف، وغلفتني كأبة ما استطعت لها حملاً، لأن ذلك فوق جهدي، وأكبر من طاقتي، وأعظم من صبري، وما ذلك إلا لأنني أعيش تلك المأساة بعصبي وعقلي ودمي وإحساسي، وحتى انفاسي واحسرتاه الأمة تذبح، وشعب يستباح وأعراض تراق واحسرتاه الأطفال رضع، وشيوخ هجع، ونفوس ركع, ومقتول ليس واحسرتاه المظلوم ليس له نصير له رعاة، وأعراض ليس لها حماة، وأمة ليس معها سلاح.

واحسرتاه لشعب استغاث حتى بح صوته، واستجار حتى انقطعت أنفاسه وجالد حتى وهنت قواه، وبكى حتى جف دمعه وانتحب حتى نزف كبده واحترق قلبه، ولا راحم أو مغيث أو مجير جرف البكاء دموع عينك فاستعر عيناً لغيرك دمعها مدرار من ذا يعيرك عينه تبكي بها

أرايت عينا للبكاء تعار إن مأساة البوسنة والهرسك ليست فضيحة لأوروبا، ولا للعالم الحر، أو الأمم المتحدة فقط وليست نكبتها نتيجة التخاذل المجتمع الدولي، وخيانة الأمم المتحدة، أو الدول الحاقدة على المسلمين فقط وإنما ماساتها فضيحة للأمة الإسلامية، وجريمة في حقها، ونتيجة طبيعية لتخاذل الشعوب الإسلامية، وخيانتها للأمانة وللعهد والميثاق، وللأخوة والهوية والإسلام فضيحة عالمية على الملأ على كل لسان وبكل لغة، وأمام كل العيون والأنظار والمجتمعات حيث تذاع النكبة في الإذاعات أولا بأول، وتبث في التلفاز دقيقة بدقيقة، فيرى الناس بؤس الأمة وتشريدها، وقتلاها، ونساءها وأعراضها المنتهكات، وضياعها، وهيامها على وجهها، كما تهيم الكلاب الضالة، ويرون في المقابل خمسين دولة إسلامية كثيرة العدد، وفيرة العدة كثيرة المال، موفورة الزعامات بأصحاب المعالي والجلالة والفخامة، ماذا يقول الناس، ويصف المراقبون، ويكتب المعلقون، ويتكلم الأصدقاء والأعداء الو كان هؤلاء يهودا أو حتى بوذيين لقامت الدنيا ولم تقعد.

إن أمتنا إلى اليوم لم تعرف حتى أن تحترم نفسها، أو تصون هيبتها، أو تدافع عن شرفها، أو تكتسب احترام الناس لها ثم أين قلوب الناس أين شعور العامة والخاصة؟ ونحن نعرف أننا شعب عاطفي من الذي أمات العواطف أو كبتها، أو كتمها، أو قهرها، أو قتلها؟!! وهل تتحمل أعصاب الأمة كل هذا الهوان؟ وهل يستمر ذلك طويلا، وهي تموت نفسيًا كل يوم وتذبح عاطفيًا كل ساعة، وتسحل فكريًا كل برهة أو ليس هذا شيء عجيب, لا تعجبوا لمذلتي فأنا الذي عبث الزمان بمهجتي فإذلها في اعتقادي أن كل فرد في الأمة اليوم يقول: أه لو كان لي مدفع، أو بندقية أو سكين أو حتى عصا لكنت سارعت إلى رد العدوان وإجابة الملهوف، وحماية الدماء والأعراض، ولكنهم منعوني المدفع وحرموا علي البندقية، وأخذوا مني السكين، وكسروا لي العصا، وأعطوني الطبلة والمزمار والعود أعطوني الهوان والميوعة، وأخذوا مني الشرف والرجولة والبطولة,

أقول: هل تمر المأساة أم تظل تضغط على أعصاب الجماهير المسلمة الأبية الشجاعة صاحبة التاريخ الناصع البياض وهل يتحمل تاريخ الأمة الآن هذه الهزائم المتتالية وهل سيستطيع أولو الأمر في الأمة تحمل تلك التبعات والضغوط النفسية للأمة وما أظن أولي الأمر إلا بشرًا من الأمة لهم نفس شعورها، غير أنهم أكثرها حملاً وأشدها تبعة، وبيدهم المال والسلاح والعتاد والقوة، ومن يبرز في هذا الوقت ويواكب شعور الأمة، ويرد عدوها، ويجبر کسرها، سيكون هو البطل، والمثل الحي والتاريخ، وابن الأمة البار، ورمزها المشرق وصلاح دينها ودنياها.

أما إذا اكتفت القيادات بالبيانات النارية، والتصريحات الإعلامية، أو المعونات الغذائية التي لابد أن تذاع تليفزيونيًا، وتضخم إعلاميًا، وتزين بصور أصحاب الجلالات، وأهل المنن والعطايات، لتخدع الأمة، وتهمش حماسها، وتدغدغ عواطفها، فإن ذلك لن يخدع إلا أصحابه، ولن يهمشوا إلا انفسهم، وكل ذلك صائر لا محالة تحت وعي الأمة، إلى أن يزول ذلك لا شك، ويومها يندم المذنبون، ولات ساعة مندم.

كل عيش ولو تطاول دهرًا        ***         صائر مرة إلى أن يزولا 

ليتني كنت قبل ما قد بدا لي         ***        في قلال الجبال أرعى الوعولا

 إنه يوم الحساب يوم عظيم          ***       شاب فيه الصغير يوما ثقيلا 

أما نفوسنا المكلومة فنستعين بالله لنطببها، وبشرعه لنقويها، وتنهضها وندفعها، ونعقد العزم، ونبايع الله ونصدقه، وسيجزي الله الصادقين بصدقهم، ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين، ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبًا..

الرابط المختصر :