; ليبيا بين غزو الطليان وثورة الفاتح | مجلة المجتمع

العنوان ليبيا بين غزو الطليان وثورة الفاتح

الكاتب محمد عمر حسين

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1998

مشاهدات 62

نشر في العدد 1318

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 22-سبتمبر-1998

ليبيا:

في مثل هذا الشهر من عام ١٩١١م، وفي نهاية شهر سبتمبر، فاجأ الإيطاليون الدولة العثمانية بقطع علاقتهم معها وإعلان الحرب عليها، واتجهت أساطيلها تصب الحمم على موانئ طرابلس وبرقة «بنغازي ودرنة وطبرق» مما دفع المسلمون أن يحتشدوا لرد الغارة التي استمرت قرابة الثلاثين عامًا، حيث سطر المسلمون في ليبيا أروع ملاحم الجهاد، وأقاموا الدليل تلو الآخر على أن الشعوب التي تعتز بانتمائها لهذا الدين إذا وجدت القيادة الصلبة الحازمة الأبية.. فإنه لا يمكن إفناؤها مهما تضافرت قوى الشر عليها. ولعل جولة سريعة في حنايا التاريخ، تظهر لنا كيف خاض الأجداد تلك المعارك بذاك العدد والعدة الأقل، ولنعلم مدى استعداد الشعوب للجهاد، إذا اتضحت أبعاد القضية وانتفى اللبس وبرزت القيادة. يذكر الأمير شكيب أرسلان -رحمه الله- في كتابه حاضر العالم الإسلامي: «جرت

واقعة الفويهات الشهيرة بدخول ٢٠٠ عربي بين استحكامات الفويهات والبركة، فثار الطليان، واشتدت الحرب، وأحاط الطليان بهؤلاء المائتي مجاهد، فلبثوا يقاتلون مستميتين إلى الظلام، حيث تمكن ٨٠ رجلًا منهم من النجاة، وقتل وجرح من الطليان ألف وخمسمائة مقاتل، بينهم ٢٨ ضابطًا، وجنرال برتبة لواء، وأصيب

بالجنون عدة ضباط من هول الواقعة..» بتصرف يسير. ويحكي الشيخ طاهر الزاوي عن واقعة بومليانة، عندما قرر المجاهدون أن يقتحموا على العدو معقله: «فألفوا جماعة من ١٥ رجلًا بقيادة ضابط تركي، وتسللوا تحت جنح الليل، فاقتحموا على العدو لينتهزوا منه غرة، وأطلقوا عليه رصاص بنادقهم إيذانًا له بأنهم في أعقابه، إذا أدبر، وفي انتظاره إذا أقبل، وقد فتح العدو النيران من جميع الجهات، ورماهم الأسطول بمدافعه العملاقة، حتى ظن الطليان أن قيامتهم قد قامت، وفي الصباح وجدوا ثلاثة شهداء وجريحًا واحدًا». لقد كتب المجاهدون هذا التاريخ، بتضحياتهم ودمائهم، حتى لا تنسى الأجيال أو تنكص عن حمل مسؤولية التبعة من بعدهم. ولنتذكر جميعًا أن أول استخدام للطائرة الحربية لتسقط الحمم من السماء كان ضد المجاهدين في ليبيا، وأن أول دبابة أنزلت إلى البر، قد استخدم لهيبها ضد الأجداد في ليبيا، وأن أول محتشد جمع فيه المستضعفون من الشيوخ والنساء والولدان، كان في الصحراء. ليذوق الناس لظاها وهجيرها، فياليت رجالًا أشربوا حب الغرب، وشعاراته الزائفة، ومدنيته الظالمة المعتدية يقرؤون التاريخ ويسألونه ليجيب. قال الأمير شكيب: «ثم اغتصبوا النساء في أعراضهن، وقتلوا منهن كثيرًا ممن دافعن إلى الآخر عن أعراضهن، وكان نحو من ٢٠٠ امرأة من نساء الأشراف، قد فررن إلى الصحراء، فأرسلوا قوة في أثرهن، وسحبوهن، حيث خلا بهن ضباط الجيش الإيطالي، واغتصبوهن، وأنزلوا المعرات بسبعين أسرة شريفة من أشراف منطقة الكفرة الذين كانت الشمس تقريبًا لا ترى وجوههن من الصون والعفاف...» بتصرف. لقد استبيحت الأعراض المسلمة لكل مجرم، وتتكرر المأساة اليوم، حيث يتجه الزبانية في السجون هناك لينالوا من شرف المسلمات الصامدات العفيفات، فهم بكل خسة يفعلون بهن ما يفعل رجال الجاهلية الأولى.. فإلى الله المشتكى، ولن يضيع عرض خلفه رجال. وكما لم يسلم العرض، فلم يسلم الدين ورجالاته، حيث ذكر صاحب كتاب فظائع الطليان في طرابلس الغرب: «.. الإيطاليون شديدو الحرص على إبادة رجال الدين، ومحو معالم الإسلام من تلك البلاد، فقد أجلوا عن واحة الجغبوب- وهي مركز إسلامي- العلماء وطلبة العلم، وفي لواء بنغازي، أصدروا أمرًا بسد جميع الكتاتيب التي تعلم الأطفال أمور دينهم وتحفظهم القرآن، وقد صرح قائد منطقة طبرق أمام جماعة من المسلمين، أنهم لا يمكنهم أن يصيروا بني ادم، مادام القرآن بين أيديهم...)). نعم، لقد علم القوم أن سر قوة المسلمين هو الإسلام، بكل تكاليفه ومقتضياته، وأنه لمن المؤسف أن ينصرف أصحاب الشأن عن مصدر عزتهم ليبحثوا عن الحلول التلفيقية. 

صاحب كتاب حياة عمر المختار: «ولعل أعظم أخطاء الإيطاليين، كان مسعاهم من أول الأمر، أن يكسوا هذه الحملة صبغة دينية، فقد بارك قساوستهم أساطيل الحملة، ودقت النواقيس، وأقيمت الصلوات، ووزع رجال الكنيسة الصلبان المهداة من البابا، ولم يقنع الطليان بالاحتفال بالنصر في بلادهم، بل أصبحوا يقيمون الاحتفالات في مدينة طرابلس ذاتها، ويقدمون الشكر لله العزيز الذي مكنهم من انتزاع الهلال وإعلاء الصليب مكانه» ص٤٥ بتصرف يسـير.

روى الأمير شكيب تفصيلًا: «حُمل الشيخ سعد- شيخ قبيلة الفوايد- و١٥ شيخًا من رفاقه بالطائرة، وقُذف بهم من الجو على مشهد من أهلهم، حتى إذا وصل أحدهم إلى الأرض، وتقطع إربًا، صفق الطليان طربًا، ونادوا قائلين: «ليأت محمد هذا نبيكم البدوي الذي أمركم بالجهاد وينقذكم من أيدينا...» ص٧٠.

يقول مراسل التايمز- كما ينقل شكيب أرسلان.: «قلت: لا يجوز أن ننسى أن غارة إيطاليا على طرابلس كانت بالاتفاق مع فرنسا وإنجلترا استرضاء لإيطاليا على إثر تقاسم إنجلترا وفرنسا مصر والمغرب». وهكذا يذكَّر المراسل أمة الإسلام بقوله:

«ولا يجوز أن ننسى»!

ويعلق الأمير شكيب أرسلان- رحمه الله. بقوله: «قلت إن كان بقي عند العالم الإسلامي ذرة من الشرف، فلا يجوز له أن ينسى هذه الإهانات التي لحقت به، مادام في الأرض شيء يقال له إسلام».

رحم الله الشهداء وتقبل جهادهم.

 ورحم الله أمة المسلمين... هل تستيقظ على إسلامها؟

الرابط المختصر :