العنوان لو خرجوا فيكم مـا زادزكم إلّا خَبالاً
الكاتب سالم الفلاحات
تاريخ النشر الجمعة 23-ديسمبر-2011
مشاهدات 3
نشر في العدد 1981
نشر في الصفحة 66
الجمعة 23-ديسمبر-2011
الأخيرة
لا تأسفوا عليهم، فهم خبال أي نقص.
لا تكرهوا الفتن، فإنها حصاد المنافقين.
وهم الذين يظهرون ما لا يبطنون ويقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يقولون.
هم المرجفون -اسم فاعل- يدبون الصوت تظاهراً بالحرص والمسؤولية والخوف على البلاد والعباد.
وهم المرتجفون من أي تلويح أو بوادر خطر: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ (المنافقون: ٤)، جذر الله المجتمع منهم بقوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (المنافقون: 4).
وهم الحزب الثابت والطائفة المتكررة في كل عصر ومصر وعند كل شعب.. ولهم أسماء عديدة فهم الطابور الخامس قبل عقود، وهم اليوم قوى الشد العكسي.
﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ (التوبة:٥٠)، فلا يحبون أن يذكر حتى الأموات بخير ويتألمون لذلك: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾ (التوبة: 50)، يدعون الحكمة وبعد النظر وقراءة الأحداث بوعي.
يجرمون الصادقين، ويحاصرونهم مادياً ومعنوياً ولو استطاعوا أن يمنعوا عنهم الهواء لفعلوا، وهكذا فعلوا في شعب أبي طالب، ويفعلون في شعاب العرب اليوم ما هو أخطر وأحقر.
يلقون التهم جزافاً دون دليل، فالمصلحون عندهم هم المفسدون حتى تثبت براءتهم وكيف تثبت؟ بخلاف منهج كل العقلاء في سلامة المتهم حتى يدان.
يعيثون في الأرض فساداً مع أنهم الأكثر حديثاً عن الإصلاح قولاً لا يتبعه عمل ولا يؤيده دليل على الأرض، لم يبق في المدينة المنورة أحد إلا وخرج للدفاع عنها إلا رجل مغموط النفاق، وهم كثير وكانوا ثلث الجيش، لذا فالطابور «الخامس» كثير عدده عال صوته يدعي الوعي السياسي والإنتماء الوطني، ويقولون: محمد يطيع الأوغاد ويتركنا.
لكنهم يتظاهرون بحمل مشروع الأمة صباحاً -تذاكياً ومكراً- من أجل أن يحاربوه مساء، إستراتيجيتهم: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران: 72): ليوهموا البسطاء والأخيار أنهم اطلعوا على الحقيقة التي يجهلها هؤلاء، ولذا كفروا بالعمل وتركوه وانسحبوا.
وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإنفعالاتهم وإبتساماتهم، يتقنون لي اللسان بغير الصدق وإصطناع الإبتسامات والمجاملات، وكان جدهم ابن سلول يقف كل جمعة في المسجد ويوصي الأنصار - أهل المدينة من الأوس والخزرج بمناصرة النبي عليه الصلاة والسلام، بينما يقول في الخفاء:
﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (المنافقون: ۸). لذا لا تكرهوا الشدائد والإمتحانات والإبتلاءات فإنها تطهر الحركة الوطنية من الأدعياء، وتنقي هذا الشعب من الدخلاء فينكشف أمرهم عند الإبتلاء لأن الفتنة بضاعتهم، والإفساد منهجهم.
ولما سمع حذيفة بن اليمان من يقول: اللهم طهر المدينة من المنافقين فقال له: لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم، يؤشر إلى كثرتهم وإن كانت كثرتهم قلة ومكر أولئك هو يبور.
المعارك معهم عبثية تلهي عن الواجب الوطني، وتركهم أولى وأنفع فليس لديهم ثوابت دينية أو دنيوية أو قيمية لتحاكمهم إليها.. فلهم في كل يوم لون وفي كل صباح لسان.
يتهمون أشرف الناس وأفضلهم بأقذع التهم، فلم يتركوا مريم البتول الطاهرة ولا محمداً النبي، ولا عائشة الصديقة من شرهم وهم أطهر من ماء السماء.
أما رأيتم أن الربيع العربي الشعبي قد فضح مستورهم، وجعلهم في حيص بيص، فالحرية عندهم مجزأة والنزاهة في شرعهم إنتقائية يتعبدون مصالحهم الخاصة على حساب الوطن والقيم وحتى الدين السماوي.
ولو أرادوا الخروج معكم ونصرة الوطن والشعب، كما يدعون لأعدوا له عدة.. فأين عُدتهم؟
إنهم لا يكثرون العدد حتى لو كانوا كثراً.. ولا يعلون الصوت الصادق ولو كانوا الأعلى صوتاً، ولا يهزمون الفساد والمفسدين فهم المفسدون أنفسهم: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 12).
لقد سارت القافلة ونالت الشعوب حريتها وبعضها على الطريق ولفظتهم وتركتهم وراءها، وإن كانوا لا ييأسون حتى لو رأوا الشواهد البينات، وهم يرون المصائب تحل قريبا من دارهم وتحصد أشباههم ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (التوبة: 126).
ويظهر أنهم من لوازم كل مجتمع وهم سوسة داخل البيوت والأوطان والتجمعات، كم أخذوا من آيات الكتاب العزيز بياناً وتوضيحاً وتعليماً وتفهيماً وتحذيراً من مكرهم، فقد ذكرهم في سبع عشرة سورة في ثلاثمائة وأربعين آية، فلهم سورة باسمهم الصريح الخاص المنافقون.. وأختار الله لهم اسما لم يسبق في القرآن، فهم تحت الأرض فِكراً ودهاء ولا يظهر منهم على وجهها إلا أكوام تراب حمراء جميلة، ولهم تحتها مسارب متشعبة كثيرة يقطعون أصول الأشجار لا فروعها لو استطاعوا.
يعرف أهل الأرياف والفلاحون أمثالهم من حيوان الخلد.. ويسمونه الخلند، يشبه الفأر لكنه يأكل الفئران والديدان والحشرات، ومع ذلك فلن يفترسوا إلا نصيبهم من أمثالهم، ولن تكون لهم الكرة في النهاية وستلازمهم الحسرة كما لازمتهم لما حطمت الأصنام وصعد بلال الحبشي فوق أقدس مقدساتهم -ظاهرياً- ورفع مفردات الحرية والكرامة والعدل والإنسانية والخير على ظهر الكعبة قائلاً: الله أكبر الله أكبر.
لذا فالنصيحة تجاهلهم، ولا يخلو الضار من بعض النفع لإكتمال دورة الحياة المجتمعية، ولعلهم يتغذون على ما يؤذي الناس ويهدد المجتمعات فيستريحون منها وستحصدهم.
وصدق الله العظيم، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 18).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل