; لوموند دبلوماتيك: صورة مخادعة يرسمها الأمريكيون بشأن عودة النظام إلى العراق المحتل | مجلة المجتمع

العنوان لوموند دبلوماتيك: صورة مخادعة يرسمها الأمريكيون بشأن عودة النظام إلى العراق المحتل

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003

مشاهدات 1

نشر في العدد 1556

نشر في الصفحة 38

السبت 14-يونيو-2003

لوموند دبلوماتيك: صورة مخادعة يرسمها

الأمريكيون بشأن عودة النظام إلى العراق المحتل

حذر صحافي مراقب للتطورات العراقية من جوانب القصور ومكامن الخطر التي تنطوي عليها السياسة التي تتبعها سلطات الاحتلال الأمريكي في العراق، إذ يتحدث تقرير للصحافي ديفيد باران المقيم في أوتاوا بكندا عن صورة مخادعة ترسمها الإدارة الأمريكية بشأن عودة النظام إلى العراق المحتل، خاصة أن الإدارة الأمريكية تحب الإعلانات الطنانة.

ففيما يتعلق بالأوضاع الراهنة في العراق المحتل يؤكد باران في تقرير نشره في العدد الأخير من شهرية لوموند دبلوماتيك الفرنسية أن «انفلات الأمن هو السائد أكثر من أي إدارة جديدة والنهب متواصل في العاصمة»، لافتًا الانتباه إلى أن آلاف عناصر الشرطة الذين استأنفوا أعمالهم ما زالوا غير ظاهرين للعيان تقريبًا، فيما يتناقل الشارع أخبارًا مثيرة للقلق: اغتيالات وسط الطريق اغتصاب داخل المنازل واختطاف أولاد.

ويشير باران في تقريره الذي يحمل عنوان لعبة سياسية في العراق المحتلة إلى أن كلفة الحياة ترتفع، والأجور لا تُدفع، فيما تستنفد المؤونة من المواد الغذائية المخزنة قبل الحرب والوقود نادر وكذلك الغاز المنزلي الضروري لأعمال الطبخ.

 ولفت الكاتب الانتباه إلى أن الغموض يسود الموقف إزاء الاستراتيجية الأمريكية في العراق المحتل، فبعد مرور شهرين على سقوط بغداد يبقى السؤال بلا جواب والعراقيون مضطرون لتخمين هذه الاستراتيجية من دون أن يوضحها أحد لهم. والالتباس قائم بين سكان يعتبرون أنفسهم واقعين تحت الوصاية الأمريكية وقوة الاحتلال التي تعتقد أنها نفذت الجزء الأساسي من مهمتها.

ولكن باران يستنتج أن الاستراتيجية الأمريكية تراهن على تشكيل حكومة انتقالية تضطلع بمهمة تلبية حاجات المواطنين، وإيجاد الحلول للعديد من المشكلات التقنية، على أن يقتصر الوجود الأمريكي على الاحتلال العسكري من جهة والإشراف على المفاوضات الآيلة إلى تشكيل الحكومة الجديدة من جهة أخرى. وبالمقابل يتحول هذا الوجود العسكري والسياسي في وقت لاحق وبشكل تدريجي إلى وجود اقتصادي خلال مرحلة إعادة الإعمار التي سوف تطاول البنى التحتية المحلية كافة.

ويضيف التقرير: تفترض هذه السياسة البعيدة المدى نوعًا من السلبية لدى المواطنين كأنهم كتلة رخوة يسهل تطويعها. لكن هؤلاء المواطنين الذين تركوا لأنفسهم في مواجهة الفوضى سعوا إلى التنظيم الذاتي من دون انتظار المفاوضات البطيئة بين الإدارة الأمريكية وأحزاب المعارضة العائدة من المنفى.

 ويلاحظ الكاتب أن واشنطن بعدما تذرعت بأسباب عديدة لمهاجمة العراق رست على اعتبار تدخلها العسكري بمثابة حرب تحرير لكن أحدًا لا يصدق نبل النيات الأمريكية، والجميع يعتقدون أن وراء ذلك كله الدفاع عن مصالح واشنطن فقوات التحالف لم تأت لتحرير العراق بل لاحتلاله والسيطرة على ثرواته.

ويؤكد باران أن المشكلات الأبسط لا تجد حلًا، بما يتعارض مع القدرات الهائلة التي برهن عنها الأمريكيون خلال الحرب، مخلفين الانطباع بأنهم قادرون على كل شيء شرط أن يرغبوا في إنجازه مشيرًا إلى أن سلبيتهم الظاهرة منذ سقوط بغداد تثير التساؤل العام.

ويلاحظ الكاتب أن قوات الاحتلال تحصنت في مواقع النظام السابق وأماكن ترفه، حيث تقيم نظامًا غير شرعي محاصرًا ومهتمًا فقط بالدفاع عن مصالحه الخاصة وتلجأ هذه السلطة إلى القمع من دون تمييز، ولذا ترتسم إذن أمام أعين العراقيين صورة نظام لا يعذب أعداءه بل يقتلهم، ويعيش في الرخاء خلف حصونه مرتكزًا على نخبة اختارها وهي تابعة له تحتكر موارد البلد ولو بقي المواطنون يعانون الحاجة .

أزمة المحروقات.. مقصودة

ويسجل باران أن العديدين يرون في أزمة المحروقات سياسة مقصودة، وخصوصًا أن البنية التحتية النفطية لم يلحق بها للدمار والمفارقة أن الوجود الأمريكي يجد مبرره في المصدر نفسه الذي برر وجود صدام حسين أي الخشية من فراغ السلطة واحتمال قيام الفوضى والعراقيون مجمعون على هذه النقطة أن واشنطن تريد إبقاء وجودها بإذكاء الفوضى وتفاقم العنف واستغلال انقسامات العراقيين.

وبعد أن تطرق الكاتب إلى الاختفاء العجيب لأسلحة الدمار الشامل أو لذريعة الإرهاب المزيفة هي أيضًا مضى إلى الاستنتاج بأن الإدارة الأمريكية إذا ما خيبت ما لوحت به من آمال فإنها ستواجه معارضة من كل جانب أكثر تنظيمًا مما تشهده الآن.

ويذهب التقرير إلى حد تشبيه العراق بأنه بات في ظل الاحتلال لعبة مونوبولي ضخمة نظف الأمريكيون رقعتها ليفرضوا عند اللزوم رابحًا من اختيارهم في غضون ذلك يسعى اللاعبون إلى تعزيز مواقعهم، وقد احتل عدد كبير من الأحزاب -من دون إذن- مراكز النظام البائد المهجورة ويكرر أكبر هؤلاء الأحزاب ممارسات الزبانية التي تذكر بأسلوب صدام كما يلاحظ العراقيون فأحمد الجلبي يشتري الدعم من خلال دفع بدلات مقابل الانتساب إلى حزبه المؤتمر الوطني العراقي، الذي يفتقر إلى القاعدة الشعبية. من جهته بدأ رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني بتوزيع الهواتف الدولية والأسلحة الفخمة على بعض الأعضاء المختارين في صفوف العشائر العربية كما استفاد بعض وجهاء الشيعة من انهيار المؤسسات بغية توسيع رقعة نفوذهم وتطرح مدينة الثورة وسكانها الذين يتجاوز عددهم المليونين تحديات جدية لجهة إدارة شؤونها، وتتولى المتابعة فيها شبكة منظمة من الأئمة الشباب من أتباع مقتدي الصدر الوجه الصاعد في الحوزة العلمية. ويقوم هؤلاء الأئمة بتمويل المستشفيات والمراكز الثقافية التي ظهرت مع سقوط النظام وإدارتها، ويشرفون بصورة غير مباشرة على الإدارة المدنية التي تتعهد حاليًا حاجات التغذية الأساسية للمواطنين هناك.

 وعبر ذلك ترتسم جغرافيا سياسية معقدة فلكل مدينة شكل تنظيمها الخاص وفي بعض الحالات مثل الرمادي يلعب زعماء العشائر دورًا بارزًا، بينما يرجع هذا الدور في مدن أخرى إلى رجال الدين، أو يمكن أن يتشارك رجال الدين والعشائر في إدارة الأمور الملحة، كما تقوم حالات من التنافس كما في الحلة، حيث يعترض إمام المدينة الذي يتجاهله الأمريكيون على حاكم المدينة الذي نصب نفسه بدعم من قوات الاحتلال و بشكل عام يلقى نفوذ رجال الدين الريبة لدى قوات الاحتلال التي لا تدرك ما ترتكبه من خطأ في معاداتهم.

في هذا الإطار، وفي حال أن قوات الاحتلال لن ترتكب خطأ جسيمًا ... يبقى أمامها تحدیان رئیسان فمن جهة، عليها تحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقها بصفتها محتلة للعراق.. أما إغراق العراقيين في القنوط، فنتيجته ستكون بطبيعة الحال بروز أشكال من العنف اليائس من جهة أخرى سيعني تشكيل حكومة انتقالية إقفال اللعبة السياسية على حساب بعض القوى، فيكون الخطر أكبر في تصلب مواقف السلطات المحلية والسلطات المضادة المبعدة.

 وفي ضوء ذلك يؤكد الكاتب أن الحكومة المركزية لن تتمكن من فرض سيطرتها بلا مصاعب. وكونها تشكلت بواسطة الأمريكيين وتفتقر إلى وسائل الردع الخاصة بها فإنها ستجتهد على الأرجح في الحلول محل السلطات المحلية الشرعية نسبيًا. إضافة إلى أن الحكومة الانتقالية ستمثل هدفًا ملموسًا ومرئيًا للانتقاد أكثر من قوات الاحتلال.

الرابط المختصر :