; لن تُؤمِنوا حتى تَراحَموا | مجلة المجتمع

العنوان لن تُؤمِنوا حتى تَراحَموا

الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر الجمعة 01-نوفمبر-2019

مشاهدات 65

نشر في العدد 2137

نشر في الصفحة 54

الجمعة 01-نوفمبر-2019

تربوي

محطات إيمانية في طريق التربية..

لن تُؤمِنوا حتى تَراحَموا

حين تُغَيَّب الرحمة يَغِيب معها العمل ويخيب الأمل ويحل اليأس ويشقى الناس

كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيماً في سِلمه وحربه فلم تكن حربه دماراً وقتلاً وتشريداً وانتهاكاً للأعراض

من مظاهر الخروج عن الرحمة التقصير بتربية الأولاد وحرمان البنت من الميراث

من رحمة التاجر بالناس ألا يحتكر السلع استغلالاً لحاجتهم ولا يرفع الأسعار ليرهقهم

إيمان مغازي الشرقاوي

إذا بحثت عن الرحمة وجدتها في نبينا صلى الله عليه وسلم، تتجسد في أعلى صورها، حيث لم يَفُتْ أحد أن ينال منها قسطه؛ مسلماً كان أو غير مسلم، ذكراً أو أنثى، كبيراً وصغيراً، جماداً أو نباتاً، حيواناً وطيراً، بل وحشرة صغيرة تدب على الأرض قد لا تراها العين.. ولِمَ لا وقد أرسله الله تعالى رحمة، وقال له: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، كان أرحم الناس، وأرأفهم، وأرقهم، وأحنّهم، وأرفقهم صلى الله عليه وسلم.

كم نحن بحاجة في زماننا هذا إلى خلق الرحمة، حيث إننا نفتقده في كثير من أحوالنا، وحين تُفتقد الرحمة، وتُنزَع من القلوب؛ تتغير الأرض بما عليها، وتتنكّر لأصحابها؛ فتخبئ كنوزها عنهم خوفاً من الإهدار! وتمسك السماء أن تمطر مطر الخير، وتشحّ بمائها لعل الرحمة تتولد في القلوب العطشى فتتراحم وتفيء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (صحيح الترمذي). 

وحين تصير الرحمة كالعملة النادرة؛ يذهب الحب والتواد، وينقطع التواصل، وتسود الأنانية؛ فتتفكك الأسر، وينقطع البر، ولا يجد الأولاد من يحتويهم ويضمهم، ويتنكَّر الصديق لصديقه، وتقطع الأرحام، ويُلقَى الآباء والأمهات في دور المسنين، ويحصل التشتت، وتتفرق المجتمعات.

وحين تُضَيَّع الرحمة يَضيِع معها حق الإنسان، ويقتتل الناس على جناح البعوضة –الدنيا- فلا يشبعون، وكلّ يقول: نفسي نفسي! فيقتل الأخ أخاه، ويسلبه ماله وحقه في الحياة؛ فيشقى كلاهما بذلك! قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لا يَرحم لا يُرحم» (صحيح أبي داود).

وحين تُغَيَّب الرحمة يَغِيب معها العمل، ويخيب الأمل، ويحل اليأس والبأس ويشقى الناس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» (رواه الترمذي).

نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم:

لقد رزق الله نبيه صلى الله عليه وسلم أعظم الأخلاق، وزكّاه فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4)، وجعل له من الرحمة النصيب الأوفى، فهو نبي الرحمة، الذي ضرب لنا أعظم الأمثلة وأروعها في التعامل بهذا الخلق المهم في مختلف الأحوال ومع كافة الأجناس، لنسير على خطاه، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب: 21)، قال ابن كثير: «هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله».

فالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أخلاقه واجب، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن» (صحيح الجامع)، وهو صلى الله عليه وسلم كما قال عن نفسه: «إنما أنا رحمة مهداة» (رواه الحاكم)، أرسله الله برسالة كلها رحمة، ليخرج الناس بها إلى طريق الرحمة في الدنيا والآخرة، فشملت رحمته كل أحواله؛ فكان رحيماً في بلاغه ودعوته، دعا المشركين إلى الله وهو يرجو لهم الهداية: «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون»، مع ما يصيبه من أذاهم يرجو إمهالهم، ولا يستعجل العذاب لهم، لكنه يقول: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً» (رواه البخاري). 

وكان صلى الله عليه وسلم رحيماً في تعليمه وأبوَّته، ومع أهله وزوجاته، وأصحابه وجيرانه، بل ومع أعدائه ومخالفيه، كما كان رحيماً في سِلمه وحربه، فلم تكن حربه دماراً وخراباً وقتلاً وتشريداً وانتهاكاً للأعراض والحرمات، بل كان ينهى عن الاعتداء، وعن قطع الشجر والإفساد في الأرض، وينهى عن قتل النساء والأطفال والشيوخ والعجائز.

لن تؤمنوا حتى تراحموا:

دعانا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة والتراحم فيما بيننا خاصة، وبين الناس عامة، فقال: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى» (رواه مسلم) وقال: «لن تؤمنوا حتى تراحموا»، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: «إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة الناس رحمة العامة» (الطبراني، ورجاله رجال الصحيح). 

إن مظاهر الرحمة لا بد أن تشمل الجوانب المتعددة في حياتنا، حتى يسود التداعي والتوادّ، وينشأ الأطفال في بيئة هادئة هانئة، لكننا للأسف نخرج في كثير من الأحيان عن إطار الرحمة دون أن ندري، كمن يقصر في تربية ولده أو يضربه ويهينه بحجة أبوَّته له، ومن يحرم من الميراث ابنته بحجة زوجها الغريب، ومن يتزوج الثانية ويقربها ليغيظ زوجته الأولى ويعلقها! حينها تحل الفظاظة والقسوة والغلظة محل الرحمة واللين والرفق، فتتحول بيوتنا إلى ساحة معركة وانتقام لأسباب يمكن علاجها بالرحمة. 

من مظاهر الرحمة التي نحتاجها:

الرحمة بين الزوجين: أن يتغاضى كل منهما عن زلات الآخر، ويتداعى له في حال المرض والشدة والبأساء، وأن يفرح كلاهما في حال النعمة والسراء، أن يرحم الزوج زوجته ولا يحمِّلها ما لا تطيق، فالزوجية تقتضي المودة والرحمة والتعاون، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم «يخصِفُ نعله، ويَخيط ثوبه» (صحيح ابن حبان)، وعلى الزوجة أن تكون رحيمة مع زوجها، فلا تُحمّله من النفقة أو العمل ما لا يطيق، فتتعنَّت في طلب الزيادة وتسرف في الكماليات. 

الرحمة بين الوالدين والأولاد: فيحرص الوالدان على رعاية الأولاد بحب، وعدم القسوة عليهم، فقد قال الأقرع بن حابس للنبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ لي عَشَرةً مِن الولَدِ ما قبَّلتُ واحِداً منهم! فقال النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إنَّه مَن لا يَرحَمْ لا يُرحَمْ» (رواه البخاري)، فمن رحمتهم إظهار المحبة لهم واحتضانهم وتقبيلهم، وحسن تعليمهم، وتربيتهم على مكارم الأخلاق، ومشاركتهم في ألعابهم، واستذكار دروسهم، والترفيه عنهم، ووقايتهم من عذاب الله.

أما الأولاد فعليهم بر الوالدين وطاعتهما، وحسن الخلق معهما، ورعايتهما حال المرض أو الضعف والكبر، قال تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) (الإسراء: 54).

الرحمة بأولي الأرحام: وذلك بصلتهم والسؤال عنهم ومساعدة المحتاج منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تبارك وتعالى: أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرَّحِم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتَتُّه» (رواه الترمذي). 

الرحمة بالجيران: المسلم منهم وغير المسلم، بالسؤال عنه، وتفقد حاله، وإهدائه، وعدم إيذائه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه» (رواه الحاكم).

الرحمة بالضعفاء والفقراء والأرامل: بالإحسان إليهم، وتخفيف البلاء عنهم، والسعي عليهم، ورحمة اليتيم بكفالته وحسن معاملته وتربيته، والحفاظ على ماله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ارحم اليتيم، وامسح رأسه وأطعمه من طعامك» (رواه الطبراني).

الرحمة بالغارمين: بإنظار مُعْسِرهم، وسداد ديونهم، والرحمة بالخدم والعمال والموظفين بحسن معاملتهم والمسارعة بإعطائهم أجورهم ورواتبهم. 

ومن الرحمة: رحمة التاجر بالناس؛ فلا يحتكر السلع استغلالاً لحاجتهم، ولا يرفع الأسعار ارتفاعاً باهظاً يرهقهم، ومنها رحمة ولي المرأة بمن يخطبها؛ فيراعي حال الخاطب، ويعلم أنه في بداية حياته العملية، فلا يطالبه بما فوق مقدرته وسعته، ولا يقصم ظهره بطلب المزيد من المهر والمال والذهب والأثاث، بل يخفف عنه ويعينه على العفة والإحصان.

وكذلك رحمة المعلم بطلبة العلم؛ فيرفق بهم ولا يُحمِّلهم من الواجبات ما ينفرهم من العلم وأهله، يبذل جهده في تعليمهم، ولا يحابي طالباً من أجل نسبه أو ماله أو مكانته، ولا يظلم منهم أحداً. 

ومنها رحمة الطبيب والممرض بمرضاه؛ يبث فيهم الأمل بالشفاء، ويحنو عليهم، ولا يضيق بهم وبمرضهم.

ومنها رحمة القاضي بالمتهم، فلا يحكم عليه بالريبة والشك، ولا يتهمه دون بيّنة، وأن يكون الحكم مناسباً للجُرم بما لا يخالف حكم الله. 

ومنها رحمة المفتي بمن يستفتيه، فلا يحمله على الأخذ بالورع، ولا يشق عليه في فتواه إذا وجد متسعاً للتيسير شرعاً. 

ومنها رحمة الراعي برعيته، وذلك بالعدل بينهم وإنصاف المظلوم، وإعطاء كل ذي حق منهم حقه، والرفق بهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» (رواه مسلم).

ومنها رحمة الداعي بمَن يدعوه؛ بالرفق والحكمة في دعوته، كالطبيب يعالج مرضاه رجاء شفائهم لا موتهم، يتواضع معهم ولا يرى نفسه أفضل منهم، يتخولهم بالنصيحة ولا يثقل عليهم، ويدعوهم بما يستطيعون فهمه، ويصبر عليهم، فنبينا صلى الله عليه وسلم وهو الداعية الرحيم، يقول لمن بال في المسجد جاهلاً حرمته: ««إن هذا المسجد لا يُبَال فيه، وإنما بني لذكر الله وللصلاة» (رواه ابن ماجه). 

وكذلك الرحمة بالعصاة؛ بنصحهم برفق، والدعاء لهم بالتوبة، وعدم الشماتة بهم، وسترهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» (رواه مسلم). 

فكن ذا قلب رحيم، وسَل الله أن يمنحك إياه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خابَ عبدٌ وخَسِرَ لَمْ يَجعلِ اللهُ تعالى في قلبِهِ رحمةً لِلبَشَرِ» (صحيح الجامع).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1010

68

الثلاثاء 04-أغسطس-1992

متى التحرر من التبعية؟