العنوان مطالعات في الصحافة الإسلامية
الكاتب الدكتور إبراهيم هلال
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1978
مشاهدات 65
نشر في العدد 394
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 11-أبريل-1978
لنقطع صلتنا بمن كادوا بالإسلام إن كنا مسلمين!
في عددها الصادر في 16 ربيع الآخر 1398هـ الموافق 25 مارس 1978م أجرت الزميلة -النهضة- حوارًا مع سلطان طائفة البهرة أتاحت له فيه الفرصة ليأول أفعال طائفة البهرة المشبوهة، وخاصة ما قاموا به في الفترة الأخيرة من بناء ضريح مذهب على قبر السيدة زينب، إضافة إلى أمور أخرى تؤكد انغماس الطائفة في الضلال وفساد المعتقد، لذلك رأينا أن نعود مرة ثالثة لنسلط الضوء على هذه الطائفة الضالة، وفي هذا كتبت مجلة التوحيد المقال الآتي:
في وسط تلك الهالة التي أقيمت بمناسبة وضع المقصورة الجديدة على القبر المزعوم للسيدة زينب رضي الله عنها، أتقدم إلى سلطان البهرة الذي قام بإهدائها قائلًا له: ما رأيك في الحديث الشريف الذي رواه أبو الهياج الأسدي عن علي رضي الله عنه والد السيدة زينب والحسين رضي الله عنهما، وهو قوله لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته؟!
ثم ما رأيه أيضًا في قول رسولنا صلى الله عليه وسلم لأم سلمة حينما ذكرت له ما رأته بأرض الحبشة في إحدى الكنائس وما رأت فيها من الصور: «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة»، وقوله: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها معلقة على هذا الحديث: ولولا ذلك لأبرز قبره على أنه خشي أن يتخذ مسجدًا- أي: ولولا أن ارتفاع القبور عن الأرض حرام وممنوع شرعًا لبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم ضريح.
وألا يعرف سلطان البهرة الكيفية التي علمهم إياها صلى الله عليه وسلم في دفن الموتى، وهو ما عرف بالدفن الشرعي في الإسلام؟
وهل بنى صلى الله عليه وسلم لعمه حمزة رضي الله عنه ضريحًا؟ أو لعمه أبي طالب الذي تعتقد الشيعة أنه مات مسلمًا؟ أو لصحابته الشهداء في غزوة أحد وغيرها أبلوا في الإسلام البلاء الحسن؟ هل بنى كذلك لخديجة رضي الله عنها وهي التي وقفت إلى جانبه في تحمل أعباء الدعوة إلى الله؟
وعلي رضي الله عنه الذي أشرف على تجهيز الرسول صلى الله عليه وسلم ودفنه في قبر مسوى بالأرض من حجرة عائشة رضي الله عنها.. هل كان مقصرًا في هذا؟ وهل الصحابة رضي الله عنهم قصروا حين وافقوا عليًّا رضي الله عنه في ذلك حين دفنوا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم كما دفن؟
إن الرسول صلى الله عليه وسلم علمهم الدفن الذي كان يجب، وكان بنفسه، وأوصاهم بما يفعلون قبل أن يتوفى، فما بالنا نخرج عن هذا؟
الأصل في ذلك يرجع إلى ما يجب أن يعرفه سلطان البهرة إن لم يكن يعرفه من قبل، فإن من الشجاعة الدينية؛ بل ومن الإسلام الحق أن يرجع عن رأيه ويعلن حرمة إقامة هذه الأضرحة وإقامة هذه المقاصير ومخالفتها للشرع، يكون بذلك قد قضى على ضلال ألف ومائة عام سدر... جمهور كبير من جماهير المسلمين حصل في ذلك أن الأوائل من رءوس دعاة الدعوة الإسماعيلية والفاطمية أرادوا صرف المسلمين عن الله، وعما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يحبطوا عمل المسلمين، ويقضوا على الإسلام في نفوسهم كدين وعليهم... فابتدعوا كذلك وسيلة ظنوا أن يقبلها المسلمون، يظنونها من دينهم على فكرة الإمامة بذلك المعنى الشيعي، وأضفوا على الإمام صفات في حال الحياة أعلى مما للنبي صلى الله عليه وسلم من صفات، بل نسبوه إلى الله وجعلوه هو الذي يدور عليه الكون ومركزًا تدور عليه الحياة والبشرية هو الذي له الحكم فيهم، وهو الذي أمرهم إلى طاعته، وهو الذي رفعهم درجات، ويرفعهم من نقصهم البشري إلى كمالهم الإلهي الذي فيه تزول عنهم التكاليف والعبادات، ويصبحون في غير حاجة إليها، حتى إذا مات ربطوهم به أيضًا عن طريق التفخيم والتعظيم لقبره، ذلك التفخيم والتعظيم لتلك القبور الذي حصل بعد وفاة الأئمة من آل البيت، والذي لم يرض عنه صلحاء الأمة من يوم أن وجد.
وقد نجحوا في ذلك، فنجد الكثيرين من المسلمين اليوم -ممن مالوا ميل هؤلاء- مشغولين بالضريح وصاحب الضريح انشغالًا عن الله وعن رسوله وعن كتابه الكريم، ومن هنا حصلت تلك الخلخلة الدينية والزعزعة في العقيدة التي حلت بالمسلمين وابتدأت بهم منذ أكثر من ألف عام، وكانت سببًا في تخلفهم الذي هم عليه، ولا زالت تعمل على ذلك مهما يبذل المصلحون والدعاة في سبيل تغيير ما بالمسلمين وإرجاعهم إلى حالة القوة والعزة.
فهل يرضي سلطان البهرة ذلك؟
ثم نأتي إلى الإنسان بعد الوفاة وحال الآخرة: هل حياته في الآخرة مثل حياته في الدنيا؟ وهل هو في آخرته يحتاج دنيانا ومظاهرها وأشكالها؟ وهل مثل هذه المقصورة أو ما هو أحسن منها يرضيه أو يسترعي اهتمامه؟
إن آل البيت رضي الله عنهم بل والصالحين جميعًا يسخرون ممن يفعل ذلك، ويبرءون إلى الله مما ينسب إليهم.
وهل دنيانا بذهبها وفضتها تساوي عندهم شيئًا، أو تزن مثقال ذرة مما هم فيه؟
إن دنيا الأحياء أولى بالأحياء.. فهم الذين يحتاجونها. إن حاجة المسلمين اليوم في الاقتصاد، وفي الحرب وفي التصنيع والتطوير، لا تسمح بهذا التبذير والإسراف أبدًا، وكان أجدى على المسلمين أن ترصد قيمة هذه المقصورة والتي قبلها على القبر المزعوم للحسين رضي الله عنه إلى المجهود الحربي، والتصنيع الحربي وإزالة الاحتلال عن المسلمين، أو يساهم بهما في تأسيس مصنع أو مؤسسة صناعية أو علمية، أو بناء مجموعة من المدارس، أو المستشفيات.
إن الإسلام لا يسمح بهذا اللهو ولا بهذا اللعب، وانتشار العلم والفكر والثقافة لا يسمح بهذه الأعمال التي تلحق المسلمين بمظاهر التخلف والجاهلية القديمة. إن العالم اليوم يسير فلا يجوز للمسلمين أن يتركوا هذا السير ويعكفوا على هذه المقاصير ويحيوا حياة الخيال والشعوذة، والله عز وجل يقول: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (الملك: 15) ويقول أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الأعراف: 194) ويقول: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: 18).
ألا فاتركوا العكوف على المقاصير والأضرحة إلى السير الله وفي أرض الله، والاستغناء بالله والاستعانة به وحده، كما قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5)، وكما قال على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء: 78- 80).
والله يوفقنا جميعًا للقرآن والسنة حتى نكون أمة واحدة متحابة متكاتفة متعاضدة نعمل على إعزاز المسلمين، ورفع أمة لا إله إلا الله محمد رسول الله فوق كل أمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.