; لمصلحة من هذا الطعن في الشهيد سيد قطب؟ | مجلة المجتمع

العنوان لمصلحة من هذا الطعن في الشهيد سيد قطب؟

الكاتب د .أحمد عبدالحميد غراب

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1990

مشاهدات 76

نشر في العدد 967

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 22-مايو-1990

    • فكر سيد مازال من أعظم الروافد الذي يمد الصحوة الإسلامية بطاقة هائلة تمكنها من متابعة مسيرتها.

    لا ندعي العصمة للشهيد سيد قطب رحمه الله، ولا لغيره من العلماء والدعاة المسلمين، فالمبدأ الحاسم في هذا الشأن هو مبدأ أهل السنة والجماعة وهو:

    «كل يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم».

    إننا لا نقدس الشهيد ولكن نقدره، ونوفيه حقه، ولا نتجنى عليه، ولا نطعن فيه، وما أضيع أمة لا تعرف حق علمائها العاملين، وشهدائها المجاهدين، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد:4).

    وفي تفسير هذه الآية يقول الشهيد رحمه الله: «لن يضل أعمالهم لأنها أعمال مهتدية واصلة، مربوطة إلى الحق الثابت الذي صدرت عنه، وانبعثت حماية له، واتجاهًا إليه، وهي باقية من ثم، لأن الحق باق لا يهدر ولا يضيع».

    معالم في الطريق ومكانته

    ومن أعمال الشهيد التي لن يضلها الله بإذنه تعالى- إلى جانب جهاده في سبيل الله- كُتبه القيِّمة التي تستمد قيمتها الحقيقية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسها كتابه: «معالم في الطريق» الذي استخرجه من تفسيره المشهور: «في ظلال القرآن»، ومن لفتاته المتوالية إلى المنهج الرباني في الكتاب العزيز.

    ولا ينكر منصف أن كتاب «معالم في الطريق» على إيجازه يعد من خيرة الكتب التي كان- ولا يزال- لها تأثير عميق واسع على المسلمين في العصر الحديث، وبخاصة على شباب الصحوة الإسلامية في أنحاء العالم الإسلامي كله.

    ومن المعروف أن المؤلف قد دفع حياته ثمنًا لهذا الكتاب، فقد أعدم بسببه على يد الطاغية جمال عبدالناصر، بالتواطؤ مع أعداء الإسلام في الشرق والغرب، وبالرغم من ذلك فقد حقق الكتاب- وبخاصة بعد استشهاد مؤلفه- آثارًا بعيدة المدى في توجيه الصحوة الإسلامية، وتثبيت قواعدها، واتساع مداها.

    ومن ثم أدرك أعداء الإسلام- ولاسيما المستشرقون والصليبيون واليهود وعملاؤهم بين المسلمين- خطورة الكتاب على أهدافهم ومخططاتهم في العالم الإسلامي.

    ولما فشلت مصادرة الكتاب في الحد من انتشاره، بذلوا محاولات أخرى كثيرة، وجهودًا محمومة، لإضعاف تأثيره، أو إبطال مفعوله، وذلك بطرائقهم المعهودة في تشويه الإسلام نفسه: أي تشويه منهج الكتاب والطعن في مؤلفه.

    ولا يعجب المسلم إذا أتى التشويه والطعن من مستشرق، أو يهودي، أو مُنَصِّرٍ... ولكن المسلم يعجب أشد العجب، ويأسى أشد الأسي، إذا أتى التشويه والطعن ممن يدَّعي أنه من «علماء المسلمين»، وهو في الحقيقة أحد المتعاونين مع المستشرقين، وقد كتب مقالًا بعنوان: «قضية المنهج عند سيد قطب في معالم في الطريق» ويحتوي المقال، وتعليقات كاتبه عليه، على الافتراءات التالية:

    1- الإسلام دين مثالي لا يتحقق في واقع مجتمع مسلم:

    يقول الكاتب: «أما مسألة المجتمع المسلم فسيد قطب يعتقد أن الشيء المثالي هو الذي يذكره القرآن وأنه هو الصورة الوحيدة، وكل ما نقص عنها فليس بإسلام، وهو بذلك علق الشباب بصورة مثالية لا يستطيعون أن يصلوا إليها، وأعطاهم صورة للمجتمع الإسلامي، أو نظام الحكم الإسلامي مازالت مؤثرة في كثير من الناس، وكل شيء ينقص عنها فليس إسلاميًّا».

    ويشير الكاتب إلى تأثر سيد قطب في تصويره المثالي للإسلام بأبي الأعلى المودودي- رحمهما الله- ويزعم أن المودودي رجع عن مثاليته، بينما أصرَّ سيد عليها، فيقول: «إنه (أي سيد قطب) تأثر بأبي الأعلى، ولكن تأثره بأبي الأعلى كان بالكتابات الأولى لهذا الأخير، فلأبي الأعلى كتاب اسمه «منهاج الانقلاب الإسلامي»، وهو أيضًا صورة مثالية لا يمكن أن تتحقق، ولكن لأن أبا الأعلى كان يقود حركة ويعمل ويواجه الناس، الأمر الذي لم يتح للأستاذ سيد قطب الذي ظل طوال المدة مع كتبه ومع فكره، من أجل ذلك فقد غير (أي المودودي) كثيرًا من هذه الأفكار المثالية».

    ويستشهد الكاتب على التصوير المثالي للإسلام وللمجتمع المسلم بقول سيد قطب: «إن هذا المجتمع (أي المجتمع المسلم) لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله.. لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور، ولا تدين بالعبودية لغير الله في العبادات والشعائر، ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع... ثم تأخذ بالفعل في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة، تنقي ضمائرها من الاعتقاد في ألوهية أحد غير الله- معه أو دونه- وتنقي شعائرها من التوجه بها لأحد غير الله- معه أو دونه- وتنقي شرائعها من التلقي عن أحد غير الله- معه أو دونه.

    عندئذ، وعندئذ فقط، تكون هذه الجماعة مسلمة، ويكون هذا المجتمع الذي أقامته مسلمًا كذلك.. فأما قبل أن يقرر ناس من الناس إخلاص عبوديتهم الله- على النحو الذي تقدم- فإنهم لا يكونون مسلمين.. وأما قبل أن ينظموا حياتهم على هذا الأساس فلا يكون مجتمعهم مسلمًا».

    حقيقة المجتمع المسلم

    هذا هو تصوير سيد قطب للمجتمع المسلم الذي لا يدين بالعبودية لغير الله، في العقيدة والعبادة والشريعة «والشريعة لا تنحصر في الأحكام القانونية بل تشمل كذلك القيم والأخلاق والثقافة».

    إن المجتمع المسلم هو الذي يدين بالإسلام، والإسلام عقيدة وعبادة وشريعة، أيمكن أن يسمى الإسلام إسلامًا، أو المجتمع مسلمًا، بدون هذه الثلاثة أو أي منها؟!

    أليست هذه الصورة- التي يسميها الكاتب الصورة المثالية- هي الصورة الحقيقية للإسلام؟

    أليست هي الصورة المستمدة من القرآن والسنة؟

    وأليست بذلك تكون هي الصورة الوحيدة للإسلام؟

    فماذا يريد الكاتب من صاحب «المعالم» أن يفعل؟

    أيريد منه أن يقدم إسلامًا ناقصًا مبتورًا من إسلام القرآن والسنة؟ إسلامًا يؤمن فيه المسلمون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؟

    وإذا كان إسلام القرآن والسنة إسلامًا مثاليًّا لا يمكن تحقيقه كما يزعم.. أفيريد منه أن يقدم إسلامًا «واقعيًّا» يمكن تحقيقه؟

    الإسلام الذي يريده الناقد

    إسلامًا ينزل إلى مستوى الواقع الهابط للمسلمين، بدل أن يرفعهم إلى المستوى الكريم الذي يريده لهم.. مستوى خير أمة أخرجت للناس، وهو المستوى الذي يليق بهم.. أيريده أن يقدم إسلامًا «مرنًا» «متطورًا» يرضي العلمانيين والتقدميين؟ إسلامًا «أمریكيًّا» ترضى عنه أمريكا وعملاؤها في العالم الإسلامي؟

    وبإيجاز: أيريده أن يقدم إسلامًا يوافق الحضارة الغربية ويهادن الجاهلية المعاصرة؟

    إن «سيد» رحمه الله رأى من حوله تلك الجاهلية في كل مكان، ورأى وجهها الحقيقي القبيح الذي يتمثل- رغم تقدمها المادي- في واقع إنساني هابط: واقع يُعبَد فيه البشر، وتُهان فيه كرامة الإنسان.

    الإسلام هو البديل الكريم لجاهلية الحضارة الغربية

    وقد وصف واقع هذه الجاهلية فقال: «إن العالم يعيش اليوم كله في «جاهلية» من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقدمات الحياة وأنظمتها، جاهلية لا تخفف منها شيئًا هذه التيسيرات المادية الهائلة، وهذا الإبداع المادي الفائق! هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية، إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابًا، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادِّعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة، وفيما لم يأذن به الله، فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده، وما مهانة «الإنسان» عامة في الأنظمة «الجماعية»، وما ظلم الأفراد والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم «الرأسمالية»، إلا أثر من آثار الاعتداء على سلطان الله، وإنكار الكرامة التي قررها الله للإنسان».

    ومن ثم أراد- رحمه الله- أن يقدم للإنسانية البديل الكريم لهذه الجاهلية، وهو المنهج الإسلامي للحياة متحققًا في مجتمع مسلم:

    «وفي هذا يتفرد المنهج الإسلامي، فالناس في كل نظام غير النظام الإسلامي يعبد بعضهم بعضًا- في صورة من الصور- وفي المنهج الإسلامي وحده يتحرر الناس جميعًا من عبادة بعضهم لبعض، بعبادة الله وحده، والتلقي من الله وحده، والخضوع لله وحده».

    وهذا المنهج الإسلامي- مع ذلك- هو منهج واقعي، يعنى أنه ممكن التحقيق، صالح للتطبيق، ملائم لفطرة الإنسان، لأنه منهج الله خالق الإنسان: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك:14).

    إنه منهج الفطرة، يلائم فطرة الإنسان، وفي نفس الوقت يرتفع بها ويرقيها ويزكيها، وقد قرر ذلك سید قطب نفسه فقال:

    «فالمنهج الإلهي- كما يبدو في ظلال القرآن- موضوع ليعمل في كل بيئة، وفي كل مرحلة من مراحل النشأة الإنسانية، وفي كل حالة من حالات النفس البشرية الواحدة، وهو موضوع لهذا الإنسان الذي يعيش في هذه الأرض، آخذ في الاعتبار فطرة هذا الإنسان وطاقاته واستعداداته وقوته وضعفه، وحالاته المتغيرة التي تعتريه».

    فأي جانب إذن من جوانب الإسلام لا يمكن تحقيقه؟ أو لا يستطاع تطبيقه؟! أليس هذا الزعم نفسه- وهو أن الإسلام دين مثالي لا يمكن تحقيقه- هو الزعم الذي يردده العلمانيون الذين يتخذون منه تبريرًا خبيثًا لهدفهم الحقيقي وهو تنحية الإسلام عن الحياة، وإبعاد منهجه عن الحكم، ومنع شريعته من التطبيق؟!

    زعم باطل يؤدي إلى نتائج باطلة

    وقد ترتب على هذا الزعم بأن مثالية الإسلام لا تتحقق، زعم آخر وهو أن سيدًا رحمه الله بتقديمه الصورة المثالية للمجتمع المسلم، والصورة الحقيقية للمجتمع الجاهلي، قد كفر جميع المسلمين!

    وقد رفض هذا الزعم وفنده كثيرون من العلماء المنصفين، ومنهم الدكتور إبراهيم الكيلاني عميد كلية الشريعة بالجامعة الأردنية، الذي رد على صاحب المقال زعمه فقال: «يجب أن نفهم كلام سيد قطب من خلال منهجه، لا أن نفهمه من كلمات مبعثرة هنا وهناك.. فسيد قطب رجل دعوة يسعى لإقامة حكم الله في الأرض، وكان يرى كفرًا بواحًا منتشرًا في المجتمعات الإسلامية كما قال الرسول صل الله عليه وسلم: «إلَّا أنْ تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا...» (البخاري:7055). فاستحلال الربا والخمر والزنا والقمار، وتعطيل شريعة الله... ماذا يسميها الفقيه المسلم الذي يقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ‏ أليست هذه كفرًا بواحًا؟ بلى! وباتفاق فقهاء الإسلام، إنها كفر بواح. فعندما يقول إن المجتمع الذي يستحل حرمات الله مجتمع جاهل كافر إنما يعني أنه استباح حرمات الله تبارك وتعالى. ولم يقل إن الذين في هذا المجتمع كفار. 

    «وقد سألت عن هذه القضية الأستاذ محمد قطب فقال: إن سيد قطب لم يقل المسلم «الفلاني» كافر، إلا أن يستحل هذا حرمات الله، وكذلك المجتمع كله بصفة عامة، عندما تستباح به الحرمات، ويخرج عن دين الله. فإذا كان سيد قد اجتهد، ووصفه بهذا الوصف فله دليله من القرآن الكريم».

    المودودي وسيد قدمًا إسلامًا واحدًا 

    أما تأثر سيد قطب بالمودودي فلا ينكره أحد، ولكن الذي ينكره كل باحث أمين هو ادعاءان:

    الادعاء الأول: أن المودودي قدم في بعض كتبه الأولى الإسلام المثالي الذي لا يمكن أن يتحقق، ثم غير رأيه في كتبه المتأخرة، ورجع عن تقديم الإسلام المثالي إلى تقديم إسلام آخر أقل مثالية وأكثر واقعية! فهذا ادعاء باطل! فلم يعرف عن المودودي إلا أنه ظل- مثل سيد قطب- طوال حياته يقدم إسلامًا واحدًا للناس، وهو الإسلام الحقيقي، إسلام القرآن والسنة، وظل يقدمه في صورته الشمولية المتكاملة، وليس مجرد جزيئات أو ردود فعل.. والغريب أن الكاتب لم يقدم على ادعائه هذا أي دليل ولم يذكر أي مرجع!

    الادعاء الثاني: أن سيد قطب لم يغير آراءه عن الإسلام، ولم يقدم إلا إسلامًا واحدًا للناس بسبب أنه ظل طوال المدة مع كتبه وأفكاره، أي ظل في عزلة مع كتبه وأفكاره، لم يتصل بواقع الناس، ولا بقيادة الحركة الإسلامية. وهذا أيضًا ادعاء باطل! ويكذبه كل من عرف دور الشهيد في الإخوان المسلمين وبخاصة في عهد عبدالناصر. وهل يصدق عاقل أن سيد قطب قد سجن وعذب ثم استشهد بسبب انعزاله عن الناس وعن الحركة الإسلامية مع كتبه وأفكاره؟!

    2- سيد قطب لا يعني ما يقول، لأنه كان أديبًا، ولم يكن فقيهًا ولا فيلسوفًا

    يقول الكاتب: «وأظن أن مشكلة سيد قطب أن دراساته الأولى كانت في النقد الأدبي، يباح للإنسان الاسترسال، وأن يقول ما شاء من الكلمات؛ لأنه شيء لا ينبغي أن يُبني عليه عمل، وإنما هو يتذوق نصًا أمامه. فهو أولًا لم يكن فقيهًا، لم يكن فيلسوفًا، لم يكن منطقيًا، لم يكن قانونيًا، تلك كانت دراساته الأولى، لهذا فأنا أحذر من أخذ كلماته على ظاهرها».

    ومعنى هذا الكلام بوضوح:

    أولًا: إن سيد قطب لا يعني ما يقول، لأنه كان أديبًا أو ناقدًا أديبًا، كل همه تذوق النص الأدبي أمامه.

    ثانيًا: إنه لم يكن فقيهًا.

    ثالثًا: إنه لم يكن فيلسوفًا.

    أما إنه كان أديبًا وناقدًا أديبًا يتذوق النص الأدبي، وتبهره بلاغة القرآن، وإعجازه البياني، فهذا حق لا شك فيه. ولكن لم يقل إنسان منصف أن هذا يعد من عيوبه، بل في الواقع يعد من مزاياه. ولا شك أن إدراك الإعجاز البياني في الكتاب العزيز يعد من الصفات الضرورية التي ينبغي أن يتحلى بها كل من يتصدى لتفسير القرآن الكريم.

    وأما إن كل هدفه من تفسير القرآن هو مجرد تذوق النص الأدبي، والاسترسال في الكلام الذي لا يبني عليه عمل فاتهام أقل ما يوصف به أنه اتهام باطل.

    منهج التلقي للتنفيذ العملي

    ويدحضه ما نص عليه سيد نفسه في كتاب المعالم، حين بين منهج الجيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم في تلقي القرآن، وهو منهج التلقي للتنفيذ والعمل، وهو المنهج الذي اتبعه الشهيد ودعا كل مسلم إلى اتباعه. 

    يقول رحمه الله: «إنهم- في الجيل الأول- لم يكونوا يقرأون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع، ولا بقصد التذوق والإمتاع، لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة، ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولًا يملأ به جعبته.. إنما كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه، وشأن الجماعة التي يعيش فيها، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته.. يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه، كما يتلقى الجندي في الميدان الأمر اليومي ليعمل به فور تلقيه! ومن ثم لم يكن أحدهم يستكثر منه في الجلسة الواحدة؛ لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات، وتكاليف يجعلها على عاتقه، فكان يكتفي بعشر آيات حتى يحفظها ويعمل بها، كما جاء في حديث ابن مسعود رضى الله عنه.. هذا الشعور.. شعور التلقي للتنفيذ كان يفتح لهم من القرآن آفاقًا من المتاع، وآفاقًا من المعرفة، لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة الاطلاع، وكان ييسر لهم العمل، ويخفف عنهم ثقل التكاليف، ويخلط القرآن بذواتهم، ويحوله في نفوسهم، وفي حياتهم الى منهج واقعي، وإلى ثقافة متحركة، لا تبقى داخل الأذهان، ولا في بطون الصحائف، إنما تتحول آثارًا وأحداثًا تحول خط سير الحياة».

    «إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يقبل عليه بهذه الروح: روح المعرفة المنشئة للعمل..  إنه لم يجيء ليكون كتاب متاع عقلي، ولا كتاب أدب وفن، ولا كتاب قصة وتاريخ- وإن كان هذا كله من محتوياته- إنما جاء ليكون منهاج حياة، منهاجًا إلهيًا خالصًا».

    ولذلك دعا الشهيد العاملين معه في الحركة الإسلامية إلى الرجوع إلى القرآن الكريم بنفس الطريقة التي اتبعها الجيل الأول، ولنفس الهدف، فقال: «ولابد أن نرجع إليه (إلى القرآن)- حين نرجع- بشعور التلقي للتنفيذ والعمل، لا بشعور الدراسة والمتاع.. نرجع إليه لنعرف ماذا يطلب منا أن نكون لنكون، وفي الطريق سنلتقي بالجمال الفني في القرآن، وبالقصص الرائع في القرآن، وبمشاهد القيامة في القرآن، وبالمنطق الوجداني في القرآن، وسائر ما يطلبه أصحاب الدراسة والمتاع.. ولكننا سنلتقي بهذا كله دون أن يكون هو هدفنا الأول.. إن هدفنا الأول أن نعرف ماذا يريد منها القرآن أن نعمل؟ ما التصور الكلي الذي يريد منها أن نتصور؟ كيف يريد القرآن أن يكون شعورنا بالله؟ كيف يريد أن تكون أخلاقنا، وأوضاعنا، ونظامنا الواقعي في الحياة».

    أهذا كلام رجل لا يعني ما يقول؟! أهذا رجل يسترسل في كلام لا ينبني عليه عمل؟!‏ ثم أليست سيرة الرجل تثبت- بواقع أبلغ من كل كلام- أنه كان فعلًا يدرس القرآن ليحيا به، ويموت عليه، ويستمد منه معالم الطريق لكل السائرين معه في الرحلة إلى الله؟!

    الظلال يشرح نظام الإسلام كله

    أما إنه لم يكن فقيهًا فاتهام يكذبه تفسيره: في ظلال‏ القرآن، إذ إنه في هذا التفسير لم يقتصر على قضايا العقيدة، وإنما شرح نظام الإسلام كله، وشرح آيات الأحكام، وكان في القضايا الفقهية منضبطًا، وقد روى الدكتور إبراهيم الكيلاني ما يؤيد ذلك فقال: «حدثني الأستاذ الشيخ أبو زهرة رحمه الله تعالى أن سيد قطب كان يرسل إليه ملازم في ظلال القرآن ليزداد اطمئنانًا إلى الأحكام الفقهية التي يشرحها في الظلال، وهذا من ورعه، وشدة تمسكه بمنهج العلماء، وبالحكم الفقهي في عرض هذه الأمور.. ولم يقدم فقيه من الفقهاء شرحًا لمواد الفقه، والنظرية الإسلامية، ولأحكام الإسلام، كما شرحها سيد قطب».

    ويضيف الدكتور الكيلاني أن سيد قطب كان كالمودودي «يريد من الفقهاء أن يكونوا علماء عصرهم في الدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر، وإقامة حكم الله؛ لأنه لا معنى لأن أتحدث عن أحكام الإسلام، وأن أضع قانونًا مدنيًا، وقانونًا جنائيًا، وأغوص في هذه الأمور، ثم أجد أن النظام نفسه يمشي في طريق إبادة القيم الإسلامية والحياة الإسلامية، والقضاء على الإسلام كله، فهذه الناحية هي التي انتبه إليها سيد قطب، وكأنه يدعو العلماء لأن يكونوا رجال حركة، ورجال فكر، وألا يضيعوا جهودهم في بحث المسائل النظرية، والمجتمع يتخاطفه الملحدون، أو الغربيون، والمبشرون».

    مفكر عميق الفكر ومنظر أصيل التنظير

     ولا شك أن سيد قطب لم يكن فيلسوفًا بالمعنى اليوناني الغربي للفلسفة، ولا يشرفه أن يكون فيلسوفًا بهذا المعنى، فالفلسفة الغربية في معظمها ذات تجاه عقلاني علماني يقوم على الغلو في تمجيد العقل البشري، وتنحية الوحي الإلهي عن توجيه الحياة الإنسانية. ومع ذلك فقد كان رحمه الله مفكرًا عميق الفكر، ومنظرًا أصيل التنظير في الفكر الإسلامي، بل كان- كما وصفه الدكتور عبدالحميد أبو سليمان مدير المعهد العالمي للفكر الإسلامي: «من القلائل الذين يمكن وصفهم في العصر الحديث بأنهم مفكرون في مجال الحركة الإسلامية، وفي مجال الفكر الإسلامي».

    ولم يرفض الفلسفة أو الثقافة الغربية عن جهل بها، فقد كان واسع الثقافة، مطلعًا على معظم تيارات الفكر الغربي والثقافة الغربية، وقد «عاش يقرأ أربعين سنة كاملة، كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية، ما هو من تخصصه وما هو من هواياته، ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره، فإذا هو يجد كل ما قرأ ضئيلًا ضئيلًا إلى جانب ذلك الرصيد الضخم».

    المسلم لا يتلقى ما يتصل بدينه من مصدر غير إسلامي

    ولكنه رفض أن يتلقى المسلم ثقافته «وما يتصل بدينه بوجه خاص» من مصادر غير إسلامية، غربية كانت أم شرقية. فلم يتسامح «في أن يتلقى المسلم أصول عقيدته، ولا مقومات تصوره، ولا تفسير قرآنه وحديثه، وسيرة نبيه، ولا منهج تاريخه وتفسير نشاطه، ولا مذهب مجتمعه، ولا نظام حكمه، ولا منهج سياسته، ولا موجبات فنه وأدبه وتعبيره... إلخ من مصادر غير إسلامية، ولا أن يتلقى عن مسلم لا يثق في دينه وتقواه في شيء من هذا كله».

    3- هل اعتبر سيد قطب أن جماعة الإخوان المسلمين قد انتهت؟

    يزعم الكاتب أن سيد قطب كان يدعو إلى حركة إسلامية جديدة يسمي الذين يبدأونها بـ«الطليعة»، تكون امتدادًا لجماعة الإخوان التي حلها عبدالناصر وسجن أعضاءها. ويتساءل الكاتب: «ولكن لماذا اعتبر «سيد قطب» الجماعة قد انتهت بقرار الحل؟ وإذا كانت قد انتهت تنظيمًا فإن أفرادها مازالوا موجودين. فلماذا الدعوة إلى حركة جديدة كل الجدة؟».

    وهذا أيضًا زعم باطل.

    وليس هناك ما يؤيد هذا الزعم لا من سيرة الشهيد، ولا من كتاب المعالم.. لقد شرح سيد في المعالم- بأسلوبه البليغ المشرق- ما يريده لهذه الأمة: إنه يريد للأمة الإسلامية أن تبعث من جديد، ولكي تبدأ عملية البعث الإسلامي لابد من طليعة لهذا البعث، ولابد لهذه الطليعة من معالم في الطريق، تعرفها طبيعة دورها، وطبيعة موقفها من الجاهلية حولها، وهذه المعالم لابد أن تقام من المصدر الأول للعقيدة، وهو القرآن الكريم.

    وهذا كلام واضح ومستقيم، ولا يفهم منه أن «سيدًا» يعتقد أن جماعة الإخوان قد انتهت، وأنه يدعو إلى إنشاء جماعة جديدة كل الجدة.

    كل ما يريده هو تكوين طليعة للبعث الإسلامي.

    فلماذا لا تكون هذه الطليعة من الإخوان أنفسهم؟ أو امتدادًا لهم؟ ولماذا لا يكون هو قائد هذه الطليعة ومرشدها إلى معالم الطريق؟

    حسن البنا وعبقرية البناء

    واستمع إلى ما يقوله الشهيد عن جماعة الإخوان المسلمين في مقال بعنوان: «حسن البنا وعبقرية البناء»:

    «هذا البناء الضخم: الإخوان المسلمون، إنه مظهر هذه العبقرية الضخمة في بناء الجماعات.. إنهم ليسوا مجرد مجموعة من الناس استجاش الداعية مشاعرهم ووجدانهم، فالتقوا حول عقيدة.. إن عبقرية البنا تبدو في كل خطوة من خطوات التنظيم: من الأسرة إلى الشعبة، إلى المنطقة، إلى المركز الإداري، إلى الهيئة التأسيسية، إلى مكتب الإرشاد».

    «هذا من ناحية الشكل الخارجي- وهو أقل مظاهر هذه العبقرية- ولكن البناء الداخلي لهذه الجماعة أدق وأحكم وأكثر دلالة على عبقرية التنظيم، والبناء الروحي.. هذا النظام الذي يربط أفراد الأسرة، وأفراد الكتيبة، وأفراد الشعبة.. هذه الدراسات المشتركة، والصلوات المشتركة، والتوجيهات المشتركة، والرحلات المشتركة، والمعسكرات المشتركة.. وفي نهاية هذه الاستجابات المشتركة، والمشاعر المشتركة، التي تجعل نظام الجماعة عقيدة تعمل في داخل النفس قبل أن تكون تعليمات أو أوامر، ونظامًا..

    والعبقرية في استخدام طاقة الأفراد، وطاقة المجموعات، في نظام الكتائب، ونظام المعسكرات، ونظام الشركات الإخوانية، ونظام الدعاة، ونظام الفدائيين.. والعبقرية في تجميع الأنماط من النفوس، ومن العقليات، ومن الأعمار، ومن البيئات، تجميعها كلها في بناء واحد، وطبعها كلها بطابع واحد، يعرفون به جميعًا، ودفعها كلها في تجاه واحد، على تباين المشاعر والإدراكات والأعمار والأوساط في ربع قرن من الزمان..

    ولذلك فحينما أراد الطغاة هدم هذا البناء كان الوقت قد فات، والبناء قد استطال على الهدم، وتعمق على الاجتثاث».

    أهذا كلام من يرى أن الجماعة قد انتهت ولم يعد لها وجود؟!

    ومرة أخري نتساءل: لمصلحة من هذا الطعن في الشهيد وفي دعوته؟

    والجواب الآن واضح كل الوضوح:

    إن الشهيد- رحمه الله- كما يعلم كل مسلم - هو من أعظم رواد الصحوة الإسلامية، وفكره من أعظم الروافد التي مازالت تمد هذه الصحوة بطاقة هائلة تمكنها من متابعة مسيرتها حتى النصر بإذن الله، فالطعن فيه لا يستفيد منه إلا أعداء هذه الصحوة، الذين يتربصون بها الداوئر.. ولكن فات هؤلاء أن شجرة هذه الصحوة المباركة «قد استطالت على الهدم وتعمقت على الاجتثاث».

    (والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

    ****

    نتائج المسابقة الثقافية الأولى للجنة العالم الإسلامي

    سبق أن طرحت لجنة العالم الإسلامي في الكويت مسابقة لاختيار أفضل ثلاثة بحوث حول أحد المواضيع التالية:

    1- الدعوة الإسلامية في الدول غير الإسلامية.

    2- دور المراكز والجمعيات الإسلامية في نشر الدعوة الإسلامية.

    3- وجوب وحدة المسلمين. 

    4- واقع المسلمين اليوم وسبيل النهوض بهم. 

    5- الحركات الهدامة وأثرها وسبل مكافحتها.

    أما القسم الثاني من المسابقة فيتضمن أسئلة عامة حول مواضيع إسلامية متنوعة، وقد تلقت المجلة العديد من الإجابات:

    وقد فاز بمسابقة البحوث.. الإخوة:

    1- عبدالمجيد أسعد بيانوني- جدة- السعودية بجائزة قدرها ٢٥٠ د.ك. 

    2- أشرف السيد سالم - مكة المكرمة - السعودية بجائزة قدرها ٢٠٠ د. ك.

    3- هاني أبو زياد - الخفجي -السعودية بجائزة قدرها ١٥٠ د.ك.

    أما مسابقة الأسئلة العامة فقد فاز بها الإخوة:

    1- أحمد رامي علي القطان – سلوى – الكويت - بجائزة قدرها ١٠٠ د. ك

    2- هفاف خليل- الحلقة/ الجزائر بجائزة قدرها ٧٥ د. ك.

    3- جلال محمد سعيد فارع- صنعاء-اليمن بجائزة قدرها ٥٠ د. ك

    واللجنة إذ تهنئ الفائزين وتتمنى للجميع التوفيق لما يحبه الله تعالى ويرضاه، وتدعوهم للاتصال باللجنة لاستلام جوائزهم.

    العنوان: لجنة العالم الإسلامي - مجمع الأوقاف - برج١٧ - دور ٩- شقة٢٩ هاتف: ٤٥٣٠٤٩- ٢٤٥٣٠٥٤ - ص.ب: ٤٨٥٠ - الصفاة - ٠١٣٤٩ - رقم الحساب الجاري 9/7064 بيت التمويل الكويتي فاكس: ٢٤٥٣٠٦١.

الرابط المختصر :