العنوان لمصلحة من سيحسم الصراع بين مراكز القوى في سوريا؟
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يوليو-1984
مشاهدات 67
نشر في العدد 680
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 24-يوليو-1984
- تشيرننكو ... المساعدة السوفياتية
- رفعت الأسد .... ماذا عن مستقبله؟
- مصطفى طلاس ...التصريحات المرفوضة
قضية الصراع بين مراكز القوى في النظام السوري ما زالت تأخذ حيزًا من الاهتمام في وسائل الإعلام المختلفة العربية والأجنبية؛نظرًا لكون هذا الصراع قد تحول في الفترة الأخيرة من مجرد صراع سياسي يعمل كل فريق من خلاله على كسب نفوذ أقوى داخل النظام يتمكن به من تحقيق أهدافه وتطلعاته إلى صراع عسكري يعمل كل فريق من خلاله على تجميع أكبر قوة عسكرية ممكنة وقادرة على حسم هذا الصراع لصالح هذا الفريق أو ذاك.
ويلاحظ المراقبون في العاصمة السورية أن الحالة الصحية التي يعاني منها حافظ الأسد هي التي ساهمت بازدياد حدة الصراع بين مراكز القوى، وحولته من محتواه السياسي إلى استنفار القوى العسكرية التابعة لهذه المراكز، وحشدها في الأماكن الحساسة في العاصمة السورية تحسبًا لأي طارئ يمكن أن يعجل بحدوث الصدام بين هذه القوى التي لم تعد تشكل نسيجًا متجانسًا يمكن النظام السوري من التماسك والاستمرارية على النهج القائم؛ لذلك حين استرد حافظ الأسد بعض صحته وجد أن القضية لا بد أن تحسم قبل أن يتفاقم الصراع ويصل إلى النقطة التي تهدد استمرارية النظام أو على الأصح استمرارية النهج القائم. ومن أجل هذا قام الأسد ومنذ بداية مارس الماضي بعدة خطوات تهدف إلى تجنيب نظامه نتائج الصراع بين مراكز القوى وضمان استمراريةنهجه في حكم سوريا.
الخطوة الأولى: رفعت والعمل السياسي
تميزت الخطوة الأولى لحافظ الأسد بدفعشقيقه رفعت الأسد إلى مقدمة المسرح السياسي في سوريا، وذلك بإصداره القرار الجمهوري المتضمن تعيين رفعت نائبًا لرئيس الجمهورية، ويومها اختلفت الآراء حول الأسباب التي دعت لهذا التعيين، وذهب البعض إلى القول بأن التعيين كان يهدف إلى حسم الصراع الدائر بين مراكز القوى بإبعاد بعض هذه القوى ومنها رفعت الأسد قائد سرايا الدفاع عن أماكننفوذها تمهيدًالإنهاء دور هذه القوات بدعم مراكز الصراع، إلا أن هذه الأقوال كانت بعيدة عن فهم هيكلية النظام السوري. أما البعض الآخر ممن يملك خلفية سليمة عن مسار النظام السوري واتجاهاته فقد ذهب إلى أن تعيين رفعت الأسد بهذا المنصب كان خطوة مدروسةمن جانب حافظ الأسد لدفع شقيقه إلى قمة المسرح السياسي تمهيدًا وتهيئة لخلافته حال تعرضه لأي طارئ مفاجئ، وفي هذا تقول مجلة لوبوان الفرنسية في عددها الصادر بتاريخ 19/ 3/ 84 إن تسمية رفعت الأسد كنائب لرئيس الجمهورية يجب ألا تفسر على أنهاتنحية جانبية لائقة لشقيق الرئيس السوري بل بالعكس في تركيز ووضع على المدار الصحيح لخلافة حافظ الأسد، وما ذهبت إليه مجلة لوبوان يدور مع الفهم الصحيح لمرسوم التعيين، فالمعلوم أنه منذ تولي حافظ الأسد السلطة في سوريا ظهر شقيقه رفعت كقائد لميليشيات سرايا الدفاع التي انحصر دورها في تأمين الحمايةلحافظ الأسد والدفاع عن نظام حكمه، وهذا ما صرح به مؤخرًا وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس في مقابلة مع التلفزيون الفرنسي حيث قال: إن سرايا الدفاع التي يقودها رفعت الأسد لم تعد مكلفة بأمن الرئيس حافظ الأسد أو أمن العاصمة السورية!! والذي يهمنا هنا هو أن تصدي رفعت الأسد لقيادة سرايا الدفاع وقيامهابمسألة الحماية والدفاع عن النظام ترتب عليها مسؤوليات كبيرة في هذا الاتجاه جعلت الصفة العسكرية القاسية... ترتبط بشخصية رفعت الأسد لذلك كان تعيينه في هذا المنصب خطوة ضرورية لإنهاء الصبغة العسكرية القاسية التي انطبعت في أذهان الجميع إضافة إلى أن وجوده في هذا المنصب يمكنه من ممارسة العمل السياسي الذي كان بعيدًا عنه طوال الفترة الماضية.
الخطوة الثانية: إبعاد الخصوم
كان المعتقد أن تعيين رفعت الأسد نائبًا لرئيس الجمهورية من شأنه أن ينهي الصراع الدائر بين رفعت ومراكز القوى الأخرى التي يمكن حصرها بشخصيتين رئيسيتين تملكان القوة التي توازي إلى حد ما قوة سرايا الدفاع، وهما اللواء علي حيدر قائد الوحدات الخاصة واللواء شفيق فياض قائد الفرقة المدرعة الثالثة، ولكن قرار التعيين زاد من حدة الصراع لاعتقاد القوى المناوئة لرفعت أن هذا القرار يعتبر مساندة لرفعت وانحيازًا له، لذلك استمر الصراع بين هذه القوى وعاد كما كان حين تعرضت صحة حافظ الأسد للخطر في شهر نوفمبر الماضي بل إن هذا الصراع بات يأخذ وضعًا خطيرًا، حيث ذكرت الأنباء الصحفية أن هذه الخلافات تطورت إلى صدامات مسلحة متفرقة واستنفار القوات التابعة لهذه القوى المتصارعة مما هدد بمواجهة مسلحة كبيرة، ومن هنا كانت الخطوةالثانية لحافظ الأسد وهي إبعاد هؤلاء الخصوم بعيدًا عن قواتهم، فكان أن أصدر قرارًا بتسفيرهم ضمن الوفد السوري المتجه إلى موسكو لإجراء محادثات وصفت بأنها هامة جدًا مع القيادة السوفياتية وحتى لا يساء فهم القرار جعل الوفد برئاسة شقيقه رفعت بوصفه نائبًا لرئيس الجمهورية وضمنه وزير الشؤون الخارجية فاروق الشرع، وفي هذا الاتجاه تقول صحيفة الأوبزرفر البريطانية إن الصراع على السلطة في سوريا بين رفعت الأسد شقيق الرئيس السوري وقائد سرايا الدفاع واللواء علي حيدر قائد القوات الخاصة وشفيق فياض قائد الفرقة المدرعة الثالثة والذي بدأ في العام الماضي تجدد في نهاية شهر مارس، مما دفع حافظ الأسد إلى التدخل بعد أن كانت سوريا على حافة كارثة. وتابعت صحيفة الأوبزرفر قائلة إن حافظ الأسد وضع المتصارعين الثلاثة في نهاية شهر مايو الماضي على طائرة وأبلغهم بأنهم سيجرون مباحثات مهمة في موسكو، وبالفعل فقد اجتمع رفعت الأسد مع تشيرننكو ورئيس وزرائه بتخونوف إلا أنه بعد انتهاء المحادثات لوحظ أن وزير الخارجية وبقية أعضاء الوفد عادوا إلى دمشق باستثناء رفعت الأسد وعلي حيدر وشفيق فياض، وقد ذكرت صحيفة الأوبزرفر أن رفعت الأسد غادر موسكو إلى جنيف بينما غادرها حيدر وفياض إلى بلغاريا.
الخطوة الثالثة: ترتيب الأوضاع
كانت الخطوة الثانية من أهم الخطوات التي اتخذها حافظ الأسد في قضية الصراع بين مراكز القوى، والتمهيد لخطوات أخرى في طريق إنهاء هذا الصراع. ويعتقد المراقبون أن الخطوة الثانية والخاصة بإبعاد القيادات المتصارعة تم اتخاذها بمعرفة القيادة السوفياتية، وفي هذا يقول الصحفي البريطاني باتريك سيل في صحيفة الأوبزرفر البريطانية إن موسكو تعاونت مع الرئيس السوري وساعدته في هذه العملية الدبلوماسية غير العادية، مشيرة إلى أن لموسكو مصلحة في عدم وجود أي تحد لسلطة حافظ الأسد أو تعريض الوضع الداخلي لنزاعات دموية تؤثر على استقراره، وهذا يدل على حرص موسكو على نفوذها داخل سوريا والتخوف من تعرض هذا النفوذ للاهتزاز نتيجة الصراعات المتوقعة، ويعتقد هنا أن المباحثات التي أجراها رفعت الأسد هدفت أولًا إلى إقناع الروس باستمراره على النهج القائم وبالذات في علاقاته مع الاتحاد السوفياتي، وثانيًا تأكيد الطابع السياسي للصورة الجديدة لرفعت الأسد، بما يؤكد على أن خطوة الإبعاد التي اتخذها حافظ الأسد ستخدم في النهاية شقيقه رفعت. ولذا توقعت صحيفة الأوبزرفر البريطانية أن يصدر حافظ الأسد قرارات يعزل فيها بعض كبار الضباط وعددًا من المؤيدين لهم، وقد يعقب ذلك حركة تغيير واسعة النطاق في المناصب العليا للدولة والحزب، وفي هذا الاتجاه ذكرت صحيفة الصنداي تايمز البريطانية الصادرة في 2/ 7 أن حافظ الأسد أصدر قرارًا بإقالة اللواء علي حيدر قائد القوات الخاصة الموجود خارج سوريا، وذكرت التايمز أن العميد حسن شريطًا وينتمي أيضًا للطائفة العلوية سيخلف اللواء حيدر في منصبه كقائد للقوات الخاصة.
ونقلت وكالة فرنس برس عن التايمز قولها إن قرار الرئيس الأسد سيدعم مركز شقيقه رفعت في الصراع على الخلافة لأنه حصل على ضمان بأن نفيه المؤقت يستهدف قبل كل شيء إعادة ترتيب أوضاع البيت السوري قبل عودته إلى دمشق. ويقصد بإعادة ترتيب البيت إقصاء جميع العناصر المناوئة لرفعت الأسد والمنافسة له على خلافة حافظ الأسد، وتقول صحيفة الأوبزرفر إن حافظ الأسد أبعد حوالي ٦٠ ضابطًا من أنصار القوى المنافسة لرفعت الأسد، وتتوقع الدوائر الدبلوماسية في العاصمة السورية أن يصدر حافظ الأسد عدة قرارات تتضمن عزل أو نقل وتعيين على مستوى جميع القطاعات العسكرية والسياسية قبل انعقاد مؤتمر الحزب في شهر سبتمبر القادم، الذي يعتقد أن يتم خلاله الحصول على التأييد التام لشقيقه رفعت لضمان استمرار النهج الحالي في الحكم.
ولكن هل ينتهي الصراع عند هذه النقطة أمأن كوامنه ما زالت موجودة في الأعماق تنتظر الفرصة للظهور على السطح مرة أخرى؟ هذا ما ستكشفه الأيام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل