العنوان لمحة وفاء وعرفان
الكاتب أ.د. حامد بن محمود آل إبراهيم
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2001
مشاهدات 72
نشر في العدد 1462
نشر في الصفحة 66
السبت 04-أغسطس-2001
تسارعت الأيام والسنون، وتزاحمت الأعمال والمهام، وفجأة تبين للرجل أن الموعد قد حان، لقد ظل يماطل ويؤجل ويسوف الموعد تلو الموعد، نعم سوف نعمر بيتنا.. ولكنه لم يقم بالحساب اللازم، نعم سوف نتسلم المنحة.. ولكنه لم يتابع الأوراق ولم يراجع الجهات المسؤولة.
وذات صباح وهو منهمك في إنهاء الأعمال والمعاملات نظر في خطاب قد أمهر بإمضاء رئيس المصلحة، ودارت جميع الأفكار في رأسه هل قصر بعد هذا العمر الطويل في شيء هل اشتكاه أحد الحاسدين له ولنشاطه البارز حتى أسماه زملاؤه ٤٠٠ فولت الجميع ۱۰۰ فولت أما هو فـ ٤٠٠ فولت كل الاحتمالات والتوقعات دارت في ذهنه ونفسه، وعيونه تأكل الكلمات المقدمة.. التاريخ.. رقم الصادر.. التحية بالإشارة إلى.. وإلى النظام.. رقم.. والمادة رقم كل ذلك وعيونه تسرع وتتخطى الكلمات في سرعة وعجلة، تقفز بين السطور، بحثًا عن المحتوى تبحث عن الموضوع.
وفجأة رأى ما مكان يبحث عنه، وعرف حقيقة الإجابة عن أسئلته وأفكاره.. نعم لقد جاءت اللحظة فقد قرر معاليه إحالة فلان ابن فلان إلى التقاعد لبلوغه الستين عامًا نظامًا وتوقفت النظرات تجمدت الأفكار، وجحظت عيناه، حتى أذناه امتنعتا عن سماع الصخب الذي يدور حوله، لقد أحس بسكون وصمت رهيب يضيق له الصدر، حتى الهمس لم يعد يسمع، حتى رنين الهاتف ما عاد قادرًا على اختراق جدار الصمت ليصل إلى أذنيه ضحك دون ابتسامة عند تذكره جدار الصمت واختراقه كم من مرة شرح لطلابه جدار الصوت واختراقه وهو الآن يكتشف أن للصمت جداراً لا يمكن أن يخترقه الصوت!!
عجب من تفكيره في جدار الصوت أو جدار الصمت وقد كان الأحرى به التفكير في جدار يؤويه هو وزوجه وأولاده، إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على شتات فكره، وذهول عقله مرت لحظات كأنها الدهر، بل كأنها الأيام ثم استعاد نفسه، وعاد إلى ربه يشكو إليه.
تتابعت الأيام وانهالت عليه أشياء لم تكن تخطر على باله يجب عليك أن تقوم بإخلاء الطرف، أي طرف؟! إنها أطراف شتى وأماكن عدة، ولزم عليه أول ما لزم إخلاء مكتبه المكتظ بالكتب والأبحاث والتقارير والمراجع، هذه تقارير مهمة قد كتب عليها بيده باللون الأحمر هام جداً، سري، وهذا كتب عليه: يرفع لمعاليه لاتخاذ ما يراه مناسبًا، وهذا ملخص النشاط في البحث الفلاني، وهذا يحفظ مع الأصل.. تراكيب وكلمات وتعليقات وإشارات انهارت جميعها أمام ناظريه، وفقدت الكلمات معانيها، والملاحظات مضامينها وضاع صداها، مبناها ومعناها تطاير ذلك كله وهو ينزلق من بين يديه ومن بين أنامله، إلى الهاوية.. إلى الزبالة حتى زميله الذي كان ينتظر على أحر من الجمر أن يترك مكتبه الذي يرنو إليه من زمن والمسكين لا يعرف أو موقف سيارته، حتى موقف السيارة بالرغم من وجود العديد من المواقف تكالب عليه الآخرون، حتى قال أحدهم مبتسمًا ابتسامة صفراء ترى يا دكتور نحن نخطط على الموقف ونتسابق أينا سوف يناله!!
هان كل ذلك مع إخلاء الطرف السخيف، لكن الذي أذاه هو حاسبه الشخصي حيث نقل إلى عهدة زميله، لكن الزميل، وهو طالبه سابقًا، رفض استلامه لأن ما عنده- أي حاسبه- أحدث من ذلك، وقالت نفسه حتى حاسبك سوف يحال إلى التقاعد أسف سوف يحال إلى المخازن حيث يأكله التراب بعد أن كنت تصونه بغطاء لا يفارقه إلى ساعة العمل، ذلك الغطاء الحنون الذي أواه سنوات من التراب حان الوقت لإلقائه في التراب.
عجيب هذا الأمر، كل شيء ذاهب إلى النهاية أخذ ينظر إلى الوجوه، منها ولا شك من
غرف من فضله وعلمه، وزاد في تبجيله واحترامه، ومنها من نظر إليه كأنه لا يعرفه، أين السلامات الحارة والأسئلة الكثيرة المكررة، حتى هذه لم تعد تدار عند لقائه، تحمل كل ذلك في صبر جميل وشكا إلى الله حاله، لكن تسليم السكن كان الطامة الكبرى، مدير إدارة الإسكان كان أحد طلابه، لكن الرجل دخل البيت كأنه مراقب في الأسواق، أو أشد، قد أعذر مراقب السوق فهو مسؤول يؤدي عمله حتى لا يضر بالناس، أما هذا فهو يحاول أن يجد العطب والخلل، لقد كان الدكتور يتقي الله في البيت ويعلم أنها عارية ستعاد إلى صاحبها، فلا يجدون مكسورًا ولا ممزقًا، بل كل ما في الأمر أثر من آثار الاستعمال العادي، ولكن هذا أبي إلا تغريم استاذه حتى الأشياء التي كانت إدارة الصيانة تقوم بها عادة دون مقابل.
كانت غصة انضمت إلى زملائها من الغصص، وتذكرت قول المتنبي:
رماني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال
وجاءت المصاريف، وما أدراك ما المصاريف كل شيء يتطلب مصاريف، حتى أولاده الذين كانوا يدخلون الجامعة دون مصاريف بل ينالون مكافآت هذا ابنه لم يقبل إلا في كلية تكلف
مصاريف!!
أخذ أخونا يلوم كل شيء: العمل الناس الجامعة، حتى ضاقت عليه الدنيا بما رحبت وإذا بالحق سبحانه يربط على قلبه ويعلم أنه هو الملام لا أحد سواه، إن أيسر الأمور أن نلقي باللائمة على الآخرين، لكن ذلك للأسف لا يجدي ولا يوصل إلى حد كان يجب عليه هو وحده أن يرعى هذه الأمور ويتولاها منذ عام مضى لا أن ينتظر إلى اللحظة الأخيرة .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل